السبت، 11 يونيو 2016

الجامعة العربيّة ..

الآمال ما تزال قائمة

 

إرادة التغيير في الحياة العربية باتت على ما يبدو تشكّل أهمّ القضايا التي يواجهها المجتمع العربي، ولاسيّما بعدما غذّت هذه الإرادةَ ثورةٌ غايتها التحرّر من الاحتلال والهيمنة الديكتاتورية، والانتقال إلى الحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية الشاملة، ضمن تضامن عربي أقوى، وفاعلية أكبر للجامعة العربية. 
لقد شكّلت تنوّعات مكوّنات إرادة التغيير خلال المرحلة الماضية حالة من القلق والتشتّت المُفضيين إلى فشلٍ في تحقيق الأهداف، إلى أن جاءت حالة الحراك الأخيرة المبنيّة على إرادة التغيير. تلك الإرادة المستندة إلى العنصر الشبابي بوصفه الفئة العمرية الأوسع، والمستفيد الأول من تطوّر وسائل الاتصال والتكنولوجيا على اختلافها، والتي برزت أهمّيتها على الرغم ممّا يظهر على الساحة من معيقات ومظاهر صعبة ومعقّدة. 
في المقابل، تواجه الباحث خلال رصده تحوّلات المخاضات المفتوحة في ما بعد استقلال أقطارنا العربية، عملية مركّبة بتداخلاتها المتشابكة. وذلك ناتج عن مآزق الوضع السياسي بعد انهيار الدولة العثمانية ودخول ولاياتها تحت الاحتلالات الاستعمارية الأوروبية، وما استتبع ذلك من نضال الشعوب من أجل حرّيتها واستقلالها، في محاولة بلورة مجتمع وطني خاص، رافقته أجواء الماضي وإشكالاته المعشّشة في جنباته، والتي غذّتها المصالح والسياسات الاستعمارية. بحيث بقيت الإشكاليات هذه مخيّمة على غالبية التيارات السياسية والإيديولوجية والتشكيلات الاجتماعية المختلفة، على الرغم من وجود فجوات لانفتاحات ثقافية ومعرفيّة لنشر وعي نهضوي مجتمعي، شارك فيه روّاد متنوّرون من مختلف الطوائف والأعراق التي تشكّل النسيج الاجتماعي للأمّة كلّها. جرى ذلك ضمن توجّهات ترسّخ الهويّة الثقافية العربية، وتحمي لغتها وتتمسّك بالفكر الحضاري الذي شيّدته الحضارة العربية الإسلامية بقيمها، مركّزة على أهمّية التجديد وإعادة الهيكلة، بما يتلاءم مع التطوّرات الحضارية العالمية، من منطلق أنّ هذه القيم إذا ما وُضعت في سياقها التطبيقي الملائم، ستشكّل الطريق السليم نحو التطوّر المنشود. 
ولعلّ أبرز ملامح تشكّل إرادة التغيير في إطار نظرية التحدّي والاستجابة حدثان كبيران هما: تأسيس جامعة الدول العربية ونكبة احتلال فلسطين. 
فقد شكّل تأسيس جامعة الدول العربية في أربعينيّات القرن العشرين بدايةً للسير في تحقيق المطامح الشعبية العربية لبناء حضارة عربية جديدة. كما جاء هذا التأسيس ردّاً على مشروع إنشاء دولة صهيونية في فلسطين. وقد استُقبِل تأسيس الجامعة العربية بتفاؤلٍ نسبي، على أمل تطوير ميثاقها، بما يجعلها أكثر قوّة وفاعلية في مرحلة قادمة وقريبة. أمّا نكبة احتلال فلسطين، جرّاء هزيمة الجيوش العربية أمام الصهاينة الإسرائيليين في العام 1948، فجاءت تتويجاً لمرحلة الضعف التي خطّط لها الاستعمار الأوروبي من تخلّف وتقسيم. غير أنّ النكبة هذه، لم تؤدِّ إلى الإحباط عند غالبية أفراد الشعب؛ إذ قابلوها بالتحدّي، رافضين الهزيمة والإلغاء، وذلك بحسب ما بيّن أرنولد توينبي عند زيارته القاهرة بدعوة من الرئيس عبد الناصر. 
تواجه الباحث إذن إشكالات كبيرة في تحديد مصطلحات الموروث الفكري المعشّش في ثقافة الجماهير العربية لبلورة أسس الاستجابة للتحدّيات بشكل عملي. فقد امتلأت الساحة الفكرية بعدد كبير من الأطروحات، تضمّنت مجموعة أسئلة عن أسس قيام المجتمع المدني بمفهومه المعاصر (بالمعنى السياسي في تأسيس دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ فضلاً عن عمل المنظّمات الشعبية التطوّعية بحرّية يكفلها القانون). كما حظي الدين بمساحات واسعة من الاهتمام، من حيث دوره السياسي واعتماده مصدراً وحيداً للتشريعات. 
بقيت حالة من الالتباس والتلفيق في المفاهيم، بين ما ورد إلينا من الغرب، وبين محاولات محليّة من دُعاة الأصالة والمحافظة على التراث، من دون الخروج بنظرية متكاملة تتناسب مع واقع الأمّة في عصرها الجديد. 
لقد شكّلت نكبة فلسطين حالة تحدٍّ كبيرة، واجهتها الجماهير برفض الهزيمة كما أسلفنا، مع رغبةٍ بردّها، والاستعداد للأمر، وتحقيق انتصارٍ يردُّ عارها، ويعيد الحقوق إلى أصحابها. وكان أول ردّ هو في الدعوة إلى الوحدة العربية، استناداً إلى نظرية القوّة في الوحدة. 
لكن مفهوم شكل الوحدة ومضمون دولتها أو هويّتها بقي غائماً حيث إن مفهوم الدولة لم يكن واضحاً، حتّى لدى النخب الحاكمة والمثقّفة. (يتّضح ذلك من خلال مباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر وسورية والعراق في العام 1963، حيث تداولت وفود الدول الثلاث، بحضور الرئيس عبد الناصر أنواع الوحدة بين الدول، ولدى طرح فكرة “الوحدة الاتحادية”، حدث لغط في تفسيرها فطلب عبد الناصر إعداد دراسات حول هذا الموضوع، وهو مافعله د.عبد الرحمن البزاز عميد كلّية الحقوق في جامعة بغداد آنذاك.( يمكن العودة في هذا الصدد إلى محاضر جلسات الوحدة الثلاثية في كتاب “بصراحة” لمحمد حسنين هيكل). 
نشأت أحزاب وجمعيات تدعو إلى قيام دولة عربية واحدة، أو متّحدة، من دون تحديد مفهوم الدولة وإيديولوجيّتها (والأمثلة عن هذه التجارب متعدّدة). وترافق ذلك مع نضالٍ للخلاص من الاستعمار في الخليج العربي والشمال الإفريقي، بتأييدٍ ودعمٍ عربيّ عام. وأمام صعود الفكر الشيوعي، بسبب تنامي قوّة الدول الاشتراكية، حدثَ تحولٌ باتجاه الفكر الاشتراكي، ترافق مع الدعوة للوحدة العربية، من دون تبنّي نظرية متكاملة للاشتراكية أيضاً. 
كما ترافق ذلك مع صعودٍ لمدّ المقاومة الفلسطينية من ضمن منظّمات فدائية، ما لبثت أن انضوت تحت لواء منظّمة التحرير الفلسطينية، التي تمّ الاعتراف بها ممثّلة وحيدة للشعب الفلسطيني(مؤتمر قمّة الرباط) كنوعٍ من الاعتراف باستقلال جميع الدول العربية من جهة، وبحقّ الفلسطينيّين بصفة دولية معترف بها من جهة ثانية أيضاً (وهو ما أثار الكثير من النقاش والاختلاف بين المقاومين والسياسيين الوحدويّين العرب) من منطلقات إيديولوجية واستراتيجية قومية عربية. الأمر الذي أوصل الحالة العربية إلى التخلّي عن اللاءات التي رُفعت في مؤتمر الخرطوم؛ فكانت “كامب ديفيد” بين إسرائيل ومصر، (وما تلاها مع السلطة الفلسطينية والأردن)، ودخول السلطة الفلسطينية في البحث عن إقامة دولة في الضفّة والقطاع، إلى جانب دولة إسرائيل تماشياً مع التوجهات الدولية في هذا الشأن، ومع موازين القوى، فضلاً عن انتقال جامعة الدول العربية إلى تونس، وتجميد عضوية مصر في الجامعة، وتأسيس “جبهة الصمود والتصدّي” و”مؤتمر الشعب العربي”. 
مقابل ذلك، زادت حركات الجماهير العربية، ولاسيّما المثقّفة منها، في محاولة الارتقاء بمستوى العمل السياسي والتفاعل مع المتغيّرات العالمية والعولمية، والبحث عن طرق إنعاش الحياة الديمقراطية والتعدّدية السياسية وإقامة أنظمة دستورية مدنيّة بديلة من الأنظمة القائمة، مع تصاعد في قوّة التيار الديني الإسلامي في جانبيه المجتمعي والسياسي، الأمر الذي أدّى إلى تأسيس مؤتمر قومي إسلامي، مركزه بيروت، شارك فيه عدد كبير من أساتذة الفكر السياسي والناشطين السياسيين العرب، بعدما كان التيار القومي يرفض التعامل مع التيار الديني. 
وقد أدّى ذلك إلى ظهور متغيّرات في خطط الإسلاميين وبرامجهم وخطابهم السياسي، فاعتبره بعض المحلّلين السياسيين أسلوباً براغماتياً لا أكثر. في حين رأى المؤرّخ برنارد لويس أن الإسلام السياسي يتغيّر عبر الزمن، ولكن ليس بالضرورة إلى الأفضل(جريدة الشرق الأوسط،25-3-2013)، فضلاً عن تنبؤاته الشهيرة في ضرورة إعادة تقسيم البلاد العربية، وفق أسس طائفية ومذهبية وعرقية؛ وهو ما يبدو أنه تمّ اعتماده من الإدارة الأميركية. 
نصل أخيراً إلى حالة الحراك العربي الأخير (أي ما سمّي بالربيع العربي) الذي بدأ يُعيد رسم صورة للحياة العربية، لا تزال مشوّشَة كما بدأت في أعقاب نكبة 1948، وغير قادرة على طرح نظرية واضحة. فقد وضعت انتفاضات شباب “الربيع العربي” مجتمعاتنا أمام خيارات ذات ممرّات ضيّقة ووحيدة، فإمّا إنهاء حكم الاستبداد، وإمّا الفوضى، والتفتّت الطائفي والإثني والقبلي العشائري. 
لكنّ استعراضاً ميدانياً لمواقف مواطني الدول العربية، من حيث مشاعرهم، وما تعبّر عنه النخب الثقافية، يشير إلى توجّهات أساسية عمادها انتماءات متجذّرة لهذه الأمّة، بتاريخها وعقيدتها ومطامحها الحضارية الإنسانية وقدرتها على النهوض والتطوّر والمعاصرة من دون أن يعني ذلك تخلّياً عن قيمنا الاجتماعية. فالقبول بمفاهيم المواطنة والتعدّدية والشفافية والديمقراطية في مجملها في إطار البحث عن شكل جدّي في العمل العربي المشترك قياساً إلى أشكال الاتحادات العالمية القائمة وتجاربها هو الطريق والمنهج المنطقي الواجب إتباعه من ضمن مفهوم الإخلاص للوطن والأمّة وطموحات أبنائها. 
إن موقفاً عربياً موحّداً تمثّله الجامعة العربية بتفويضٍ كامل من أعضائها بصيغتها الجديدة المأمولة، سيشكّل قوّة مانعة لأيّ تدخّل خارجي أو محاولة هيمنة على بلادنا أو أيّ مشروع يحاول الانتقاص من حقّنا، ومن مسعانا لاستعادة مناطقنا المحتلّة. فالآمال التي عقدت على تأسيس جامعة الدول العربية قبل سبعين عاماً، ما تزال قائمة؛ بل نستطيع القول بأنها أصبحت أكبر بحكم القابلية والضرورة الاستراتيجية. لكن جلّ ما في الأمر هو حاجتنا إلى إرادة سياسية تحقّق من خلالها الحكومات تطلّعات شعوبها ومطامحها الكبيرة.
• المصدر : مؤسسة الفكر العربي - د. أحمد حلواني / أستاذ جامعي سوري

مقال في المجلة العربية للعلوم السياسية 2015

موقف الشعب السوري من ثورة التحرير الجزائرية


مركز دراسات الوحدة العربية