الخميس، 8 أكتوبر 2015

مقال نشر في مجلة افق - حلب الشهباء في مرآة التاريخ

حلب الشهباء في مرآة التاريخ 

 

من المعروف أنّ تكوّن المدن يُعدّ من أهمّ مراحل التطوّر الحضاري في تاريخ البشرية، وقد أخذت المدينة مكانة مهمّة في تطوّر الحياة بمختلف أشكالها، سواء المعرفيّة، بما فيها التعليميّة، أم الصناعيّة والتجاريّة والسياسيّة، كما شكّلت تطوّراً كبيراً في الحياة الاجتماعية من القبيلة والعشيرة وصولاً إلى المدنيّة بمفهومها الاجتماعي الواسع مع بروز عائلات وتكتّلات مهنيّة أخدت طابع التنظيمات النقابيّة في العصر الحديث.

لقد برز كذلك مفهومٌ جديد في المدينة مند بدايات القرن العشرين الماضي، تماشى مع مفهوم الحداثة  في مجال مدن المعرفة، تبنّت فيه مدنٌ في القارّتين الأوروبية والأميركية مفهوم التنمية القائمة على المعرفة، وتمكّنت من إحداث تغيّرات جذريّة، بحيث تخطّت مرحلة الأطروحات والنظريّات إلى مجال الممارسة والتطبيق والتحليل والتقييم والتغذية المرتجعة في تصويب المسار (وفق مقدّمة المترجِم في ’’مدن المعرفة المداخل والخبرات والرؤى‘‘، سلسلة عالم المعرفة -381 – أكتوبر2011).
ولئن كان ’’فرانشيسكو كاريللو‘‘ في كتابه المذكور ’’مدن المعرفة‘‘ قد أكّد أنّ التحوّل إلى الاقتصاد المعرفي أو التنمية المستنِدة إلى المعرفة هو خيارٌ لا يمكن التخلّي عنه، فإنّ مسيرة تكوّن المدن العربية والإسلامية أكّدت، منذ قيام الدولة العربية الإسلامية، أنّ البنية المعرفية هي من أهمّ مكوّنات المدينة، وأنّ المسجد (الجامع) والقلعة وقصر الحكم والمحكمة والمدارس والمساحات والحدائق الفسيحة هي من المكوّنات الأساسية لبناء المدن.
تشكّلت مدن بلاد الشام وفق هذه الأسس والمكوّنات؛ وأمام ما يحدث في سورية من تدمير لمكوّنات مدنها، ولاسيّما ما يحدث في حمص ودير الزور وحلب، فضلاً عن المدن الأصغر، سواء في درعا أم الرقّة وتلبيسة والرستن والمعرّة وجسر الشغور والقامشلي وعين العرب وغيرها، ونظراً للمكانة المهمّة والكبيرة التي تمثّلها مدينة حلب الشهباء، فقد آثرت التوقّف عندها تعريفاً بمكوّناتها، أملاً في حثّ الجهات صاحبة القرار عالمياً على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المدينة ذات العراقة العميقة.
حلب بين الأمس واليوم
شُيِّدت حلب على سبع ربوات في وطأ من الأرض تتوفّر فيه سِعة المكان، وخصوبة التربة، وتواصل طُرق القوافل ومسالك العبور؛ ولعلّ في عراقتها ما جعلها غنيّة بالآثار. فبعد أن تناولتها أيدي الفاتحين على مدى العصور وخرابها مع اللاذقية وأفاميا جرّاء زلازل وحروب، عادت إلى العروبة والإسلام على يد أبي عبيدة بن الجرّاح وعيّاض بن غنم ضمن مصالحة تُعَدّ عملاً سياسياً تاريخياً يُسجَّل لأهلها ولذكائهم في حسن تصرفهم من أجل الأمان وحفظ الأنفس والممتلكات والأموال والأوابد ذات التاريخ العريق الحافظ للذاكرة والأصالة والقدرة على العمل.
وإذا كانت حلب قبيل الإسلام بلدة ثانوية لوقوعها بين مدينتَيْن مهمّتَيْن وكبيرتَيْن في مجالاتهما الدينية والعسكرية هما أنطاكية في الغرب الشمالي لسورية وقنسرين، إلّا أنّ نجمها لمَع مع تطوّر العصر الإسلامي عبر تواصلها مع الموصل في شمال بلاد الرافدَين، وصولاً إلى الحمدانيّين والمرداسيّين، وذلك على الرّغم من تعرّضها للخراب وتدمير أسوارها ونهب بيوتها من قبل الروم البيزنطيّين عند انتصارهم على الحمدانيّين والمرداسيّين. غير أنّها عادت إلى مركز القيادة في مواجهة الغزو الصليبي، فتحوّلت إلى قلعة لحماية الثغور الشامية، بخاصّة بعد وصول الصليبيّين إلى أنطاكية والرّها؛ لكنّ حلب لم تنجُ من اجتياح التتار لها عام 658 للهجرة. وبحكم حيويّة أهلها، استطاعت أن تعيد الحياة إليها خلال قرن واحد فقط، حقّقت خلاله استرجاع مكانتها وقوّتها.
ومع قدوم المماليك ومن بعدهم العثمانيّين في القرن العاشر للهجرة، تداخلت الأجناس والأعراق في المجتمعات الإسلامية، الأمر الذي انعكس على حلب التي أصبحت خلال الحكم العثماني ولاية كبيرة تصل من الغرب إلى البحر المتوسّط عبر خليج الإسكندرونة، وإلى ولاية ديار بكر من المشرق، ولواء حماه من الجنوب، وولاية سيواس من الشمال في الأناضول، بحيث أصبحت ثغراً إسلامياً مهمّاً، وتلي القسطنطينية وسالونيك مرتبةً وكبراً.
تحوّلت حلب، بفضل مكانتها الطبيعية، ومناخها المعتدل، وطُرق تواصلها، وسمعة علمائها، إلى وجهة طلّاب العلم والمعرفة مع حرص كبار العلماء على القدوم إليها رغبةً في العطاء والاستزادة. فمن العلماء اللّذين أمّوها أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام أبو داوود، وأبو نصر الفارابي، وابن خالويه، فضلاً عن الشاعر الكبير أبو الطيّب المتنبّي، الأمر الذي جعل مدارسها منارات للبلاد الإسلامية كلّها، حيث بلغ عدد مدارسها حوالي ثلاثمائة مدرسة مع دور القرآن والحديث والمساجد، ومن مؤرّخيها أبو الطيّب اللغوي صاحب كتاب ’’مراتب النحويّين‘‘، والهَرَوي أبو حسن صاحب كتاب ’’الإشارات إلى معرفة الزيارات‘‘،  ومحمد بن علي بن إبراهيم (ابن شدّاد) صاحب كتاب ’’الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة‘‘، فضلاً عن ابن الوردي وابن الطقطقي، وابن الشحنة، وعمر الشمّاع الحلبي، وابن أبي طيّ الذي ألّف عشرة كتب في التاريخ أوّلها ’’معادن الذهب في تاريخ حلب‘‘.
ونظراً للمكانة التي مثّلتها حلب، فقد لقيت المدينة اهتمام المؤرّخين الذين صنّفوا لها كتباً كبيرة منها: ’’بغية الطلب في تاريخ حلب‘‘، و’’زبدة الحلب في تاريخ حلب‘‘ لابن العديم، و’’تاريخ حلب‘‘ للعظيمي، و’’معادن الذهب‘‘ ليحيى بن حميدة الحلبي بن أبي طي، و’’الزبد والضرب في تاريخ حلب‘‘ لابن الحنبلي، و’’نهر الذهب في تاريخ حلب‘‘ لكامل بن حسين بن محمد بن مصطفى البالي الحلبي الشهير بالغزي، و’’إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء‘‘ لراغب الطباخ، و’’تاريخ حلب الطبيعي في القرن الثامن عشر‘‘من تأليف الطبيب البريطاني باتريك رسل المتوفي سنة 1768، و’’معادن الذهب‘‘ لأبي الوفاء بن عمر الحلبي..
استمرّت حلب في علوّ مكانتها خلال الحكم العثماني، وظهر فيها أعلامٌ طالبوا بإعطاء البلاد العربية حكمها الذاتي واحترام لغتها وثقافتها العربية في مواجهة التعصّب التركي الذي قاده حزب الاتّحاد والترقّي، وكان من أشهرهم عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتابَيْ ’’طبائع الاستبداد‘‘ و’’أم القرى‘‘، كما قادت حركة المقاومة ضدّ الاحتلال الفرنسي فخرج منها قادةٌ كبار برزوا في المجالَين العسكري والسياسي منهم سعد الله الجابري وإبرهيم هنانو الذي قاد الثورة السورية من جبل الزاوية حيث كانت محافظة إدلب تتبع ولاية حلب، كما قاد سياسيّوها العمل السياسي الديمقرطي في سورية، فشاركوا، من خلال حزب الشعب والحزب الوطني اللذَين كانا يشكّلان الكتلة الوطنية، طليعة العمل السياسي في سورية، وبَرز منهم رشدي الكيخيا، الذي تولّى رئاسة المجلس النيابي السوري، وناظم القدسي، الذي تولّى رئاسة الجمهورية السورية، وإحسان الجابري، الذي تولّى رئاسة الدولة العربية المتّحدة بين الجمهورية العربيّة المتّحدة واليمن. هذا فضلاً عن شخصيّات سياسيّة أخرى تجمعهم من مختلف الطوائف والأعراف الهويّة السورية المخلصة في بناء دولتهم الجديدة، منهم ليون زمريا وميخائيل ليان وحسن جبارة وعبد الرحمن الكيّالي وحسني الزعيم الذي قام بأوّل انقلاب عسكري في سورية، وتولّى رئاسة الجمهورية فيها.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الأدبي، يبرز اسم الشاعر الكبير عمر أبو ريشة الشاعر السفير، الذي طُبعت دواوين شعره عشرات المرّات، وكان لشعره صداه الواسع في جميع أنحاء البلاد العربيّة.
كما تبرز أسماء الأدباء خليل هنداوي، وعبد الرحمن عطبة، وعبد الكريم الأشتر، من دون أن ننسى صاحب ’’موسوعة حلب المقارنة‘‘ خير الدين الأسدي التي طبعها بجهد علميّ كبير معهد التراث في جامعة حلب، وأيضاً رائد الفضاء السوري الأوّل اللّواء محمد فارس.
وبحكم موقعها، تحوّلت حلب إلى عقدة مواصلات تجاريّة بين بلاد الشام والعراق وتركيا، لكنّها بفضل حيويّة شعبها تحوّلت إلى مدينة صناعيّة، ولاسيّما في النسيج القطني، واحتضنَت مهرجاناً سنوياً كبيراً هو مهرجان القُطن والمنتجات القطنيّة التي حوّلتها الصناعات النسيجية الحلبية إلى منسوجات ذات شهرة عالمية، فضلاً عن مدينة طبيّة لصناعة الأدوية وبعض المعدّات الطبّية بالتعاون مع شركات عالمية.
وهكذا، تحوّلت حلب إلى عاصمة صناعية واقتصادية لسورية بحيث اعتُبرت العاصمة الصناعية السورية.
وإذا أردنا أن نتحدّث عن العمارة وتطوّرها في مدينة حلب، لا بدّ من التوقّف عند عمارتها ذات الطراز الإسلامي، سواء بقلعتها الشهيرة أم بأسواقها المتخصّصة، المغطّاة والطويلة، أم بعماراتها الكبيرة، ولاسيّما المساجد التي يقع المسجد الأموي في صدارتها، والمدارس والكنائس، فضلاً عن الحدائق الفسيحة كحديقة السبيل المشهورة، والتي سجّلتها اليونسكو في غالبيّتها من ضمن "التراث العالمي"، وتمّ إبراز مزاياها وهندستها في الإصدارات التي أطلقتها احتفالات حلب عاصمة للثقافة العربية، والتي أسهم في نجاحها مثقّفو المدينة وجامعتها الرائدة، ولاسيّما كلّية الهندسة ذات المرتبة الأولى في سورية.
واليوم، وفيما العالم كلّه يشاهد ما أصاب حلب وأهاليها من تدمير ومآسٍ واندثارٍ ونزوحٍ وتهجيرٍ وعددٍ هائلٍ من الضحايا، يقف الجميع مذهولين ومذعورين من الحالة المُرعبة التي أوصلت المدينة إلى هذا الحال متسائلين عن إمكانية استرجاع الذاكرة الجميلة، والعودة بالمدينة إلى وضعها الطبيعي بدعمٍ عالميّ من المُدافعين عن التراث الإنساني والعالمي، وإيماناً بحقّ أصحابها في الحياة الكريمة والمُنتِجة.
فبلدٌ كحلب..كيف له أن يحترق؟!

 

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

مقال نشر في صحيفة الحياة - سبتة بين التبعية الإسبانية والهوية المغربية

الحياة - سبتة بين التبعية الإسبانية والهوية المغربية


  السبت، ٢٢ أغسطس/ آب ٢٠١٥ (٠١:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: السبت، ٢٢ أغسطس/ آب ٢٠١٥ (٠١:٠٠ - بتوقيت غرينتش)
يعدّ مضيق جبل طارق بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، من المضائق البحرية المهمة، بسبب أهمية الجهات التي يصلها، والبلدان التي تشرف عليه أوروبياً من الشمال، وعربياً أفريقياً من الجنوب، وبسبب الصراعات التاريخية الكبيرة التي شهدتها سواحله للسيطرة عليه والتحكّم بالسفن المارة فيه، ما شكّل صراعات وعذابات قاسية للمدن المطلة وسكانها.
وإذا كنّا نستذكر باستمرار فتح الأندلس خلال مرحلة الفتح الإسلامي وبطولة طارق بن زياد وعقبة بن نافع وبراعتهما في التخطيط والشجاعة، فإن استعراضاً لتاريخ بعض سواحل هذا المضيق تقدم فكرة عن العذابات التي أشرنا إليها، والتي لا تزال قائمة ومستمرة حتى الآن، الأمر الذي تمكن تسميته المدن أو المناطق الضائعة بين أصولها وهويتها ومحتليها وتبعيتها السابقة أو اللاحقة.
من هذه المدن مدينة سبتة المغربية والتي لا تزال تشّكل حالة شاذة ضمن التراب المغربي مع شقيقتها، مليلة، من حيث تبعيتها للحكم الإسباني، كما هي حال منطقة جبل طارق في الجانب الإسباني من المضيق وتبعيته للتاج البريطاني.
تقع مدينة سبتة على الساحل المغربي للبحر المتوسط مقابل مضيق جبل طارق، إلى جانب تطوان وطنجة، وتمثّل لساناً برّياً متوغلاً في البحر الذي يحيطها من جهاتها الثلاث، بحيث تشكّل شبه جزيرة، وهو ما يمنحها مناعة خاصة من حماية بحرية، وجوار أخوي صديق، يؤصّل هويّتها المغربية والإسلامية، إضافة إلى كونها أقرب نقطة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، وهو ما جعل الإسبان والبرتغال يحرصون باستمرار على احتلالها حماية لهم، وسيطرة على مضيق جبل طارق وإبقائها تابعة لإسبانيا حتى هذا التاريخ، على رغم انتهاء العصور الاستعمارية وحالة العداء المغربية - الإسبانية.
في نظرة سريعة إلى تاريخ هذه المدينة، نقف على احتلالها من الدولة البيزنطية ومن ثمّ القوطيين الفرنج، وصولاً إلى الفتح الإسلامي في العصر الأموي، حيث فتحت صلحاً مع أوليان ومن ثمّ تداول السلطة بين الأندلسيين خلال الدولة العامرية والموحدين والأدارسة والمرابطين، وثورتها ضدّ الموحدين بزعامة القاضي عيّاض.
منذ القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، أصبحت مركزاً حضارياً بالشمال المغربي، وقد انتبه الموحدون من خلال نظرتهم الثاقبة إلى أهمية سبتة وطنجة، وفي هذا يقول ابن خلدون: «كانت هاتان المدينتان مذ أوّل دولة الموحّدين، من أعظم عمالاتهم وأكبر ممالكهم، بما كانت ثغر العدوة، ومرقى الأساطيل، ودار إنشاء الآلة البحرية، وفُرضة الجواز إلى الجهاد، فكانت ولايتها مختصة بالقرابة من السادة عبدالمؤمن».
وقد عَرفت سبتة ثوراتٍ وانقلابات ضد ولاتها، بحكم اختلاف انتماءاتهم القبلية وسياساتهم من أهاليها، ومنها ثورة الحفصيين بقيادة أبي زكرياء الحفصي، وأبو القاسم العزفي، ضدّ ابن خلاص والي الرشيد سنة 640 للهجرة، بحيث أصبحتا، (سبتة وطنجة)، تحت حكم الحفصيين من دون التخلي عن الولاء للسلطة المغربية والتبعية للحكم الموحّدي، في ظل استقلالٍ ذاتي، لبقاء السيطرة الحفصية مستمدة الشرعية من الخلافة الموحّدية.
هكذا، بقيت سبتة ومعها طنجة في حالة متأرجحة بين سيطرة وأخرى سواء من حكام الأندلس أو المغرب. وقد اشتهر عن أهل سبتة، وفق ابن الخطيب، حرصهم على استقلاليتهم الإقليمية، كما اشتهر عنهم نشاطهم الاقتصادي والتجاري في شكل خاص بحيث كان تجّارهم وسطاء تجاريين أكثر منهم منتجين، بحكم الموقع، وعدم كفاية مساحة سبتة للإنتاج الزراعي، فكان أسطولها البحري ينقل البضائع المغربية والأفريقية إلى التجّار الأوروبيين، عبر تجّار الجمهوريات الإيطالية القريبة منهم في شكل خاص، أو بواسطتهم مباشرة. كما كانوا يستوردون المنتجات الأندلسية والمتوسطية الأوروبية إلى المغرب ومنها إلى أفريقيا، ما ساعد على ازدهار المنطقة وتحسين دخل أهلها، الأمر الذي زاد حرصهم على المحافظة على استقلالية إدارتها وحكمها الذاتي.
يؤكّد لسان الدين بن الخطيب صفات سكان سبتة بقوله: «يتّصف سكانُ سبتة في الاقتصاد بالنفقة والتقتير، وحبّهم الشديد لبلدهم». ويشيد باستقامتهم في التعامل بالأسواق، كما ينوّه بكثرة أسماك سواحلها (بحكم لسانها الممتد بالبحر، والذي يشكّل حماية وخليجاً لبيوض السمك وتكاثره).
كما يتحدث عن دور المدينة ومنطقتها باستقبال قوافل الحرير والكتــــان والخمر، الذي يطلق عليه العصير (ينظر ابن الخطيب، في معيار الاختيار. تحقيق د. كمال شبانة، طبعة المحمدية بالمغرب 1977).

المدارس الثقافية في سبتة
شهدت سبتة بعد دخولها الإسلام نشاطاً ثقافياً وعلمياً واسعاً، بعد أن كان نشاطها مقتصراً على التجارة البحرية في شكل خاص. ويلاحظ أنّ الإسلام بثقافته المنفتحة التي حملها إلى ديار الفتح أثّر تأثيراً كبيراً، لا سيما مع بداية العصر المرابطي الذي كان شيوخه أساتذة بدايات عهد الموحدين، على مدرسة القاضي عيّاض ومعاصريه (وفق د. إبراهيم حركات في دراسته عن أوضاع سبته أيام إمارة بني العزفي).
ولعلّ مدرسة الحديث، كانت المجال الأرحب في الاهتمام عند علمائها وطلابها وفق اتجاهاتٍ وطرائقَ ثلاث انتشرت في المدينة:
1- مدرسة الحديث وفق الفقه المالكي، ومن أشهر علمائها ابن رشيد الفهري، وعبدالمهيمن الحضرمي.
2- مدرسة علوم اللسان، يصف لسان الدين بن الخطيب سبتة بأنها «مدينة علوم اللسان». ومن أشهر أعلام هذه المدرسة محمد القلوصي، ومحمد الشريف الحسني الذي شرح مقصورة حازم القرطاجني الأندلسي. وكذلك الجغرافي محمد بن عبدالمنعم الحميري صاحب «الروض المعطار».
3- أمّا المدرسة الثالثة فهي مدرسة الأدب، والتي قدّمت آداب المقاومة والمولّديّات، والترسّل بأنواعه المختلفة، والتي ساهمت إمارة بني العزفي في تنشيطه وانتشاره (وفق د. حركات في دراسته عن إمارة بني العزفي). ومن أشهر أدباء هذه المدرسة، مالك بن الرحل، وفق ابن الخطيب في الإحاطة بأخبار غرناطة.
اضطلعت سبتة بدور مهم كمركز استقطاب حضاري وعلمي للأندلس والمغرب الكبير بسبب اهتزاز وضع الأندلس خلال حروب «الاسترداد» وفقدان استقرارها في مراكز إشعاعها بقرطبة، وإشبيلية وغرناطة وغيرها، الأمر الذي حمّل سبتة مسؤولية الإشعاع الحضاري الإسلامي، فتحملته بجدارة واندفاع واستطاعت أن تكون مركز استقطاب وإشعاع للمغرب الكبير كله، بحكم ازدهارها الاقتصادي، وأساتذتها البارزين الذين توافدوا إليها من أنحاء البلدان المغاربية، بخاصة من تلمسان إضافة إلى الأندلس.
ومما يجدر ذكره أيضاً أنّ الكثير من حكام سبتة، كانوا على مقدار عال من التكوين الثقافي والعلمي يتّصفون بذوق أدبي رفيع، إضافة إلى إجادة باللغة ومعرفة بصحيح الحديث.

سبتة تحت الاحتلال
منذ سقوط الأندلس، ومع بداية العلاقات البريطانية - البرتغالية عبر مصاهرة بين الملك تشارلز الثاني، والأميرة كاتالانيا أخت الملك البرتغالي، والتي قدّمت له مدينة طنجة المغربية هدية لزواجها! ومع التحالف الإسباني - البريطاني، وصولاً إلى بدايات القرن العشرين، والاتفاق البريطاني - الفرنسي، في إطار مسلسل اتفاقات ضمان المنافع الاستعمارية، تمّ تفاهم على تبادل المنافع حول المضيق فثبتت بريطانيا وجودها في الجانب الإسباني من المضيق، مقابل تثبيت الوجود الإسباني في الجانب المغربي، لا سيما في سبتة بحكم كونها مركزاً تجارياً وجغرافياً استراتيجياً مهماً.
إنّ سقوط الأندلس نتيجة ضعف الدولة العربية الإسلامية وتفكّك وحدتها، مع بذور الفرقة والأنانية، وفقدان قيادة ذات فكر سياسي ثاقب وحكيم، جعلت من الأطماع الاستعمارية الأوروبية، واقعاً مستمراً حول مضيق جبل طارق، على رغم انتهاء الحقب الاستعمارية، ودخول العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مرحلة تفاهم دولي جديد، عادت بفضله طنجة المدينة المغربية الساحرة، والتي كانت تحت الوصاية الدولية، إلى أحضان وطنها الأصلي. لكن سبتة ومعها مليلة بقيتا تحت السيطرة والتبعية الإسبانية، كما بقيت منطقة جبل طارق في المنطقة الإسبانية تحت سيطرة التاج البريطاني.
إنّ أحداً لا يستطيع إنكار تبعية سبتة وانتماءها المغربي، ليس في جانبه الجغرافي والسكاني فحسب، وإنما في جانبه الثقافي والحضاري أيضاً.
لقد كانت سبتة الجسر الرابط بين شقي الجسد الواحد في الأندلس والمغرب الكبير، وشكّلت المثال الواضح للمدينة التي طوّرها الإسلام بانفتاح حضاري، فأنتجت تراثاً حضارياً كبيراً، أظهر الشخصية المغربية والأندلسية في توهّجها الثقافي، وفي خدمتها للثقافة الإسلامية، لا سيما في خدمة السنّة النبوية، إضافة إلى عناية علمائها وأدبائها بتنوّع المعارف والعلوم فيها، وبالجانب النقدي وبالأبحاث اللغوية، وبالشروح على المتون العلمية والأدبية، والتصرّف بألوان البديع، وإخضاع الشعر لقيوده وفنونه (وفق محمد الدباغ في مجلة المناهل). إضافة إلى علاقات تجارية وتبادل وتعاون مع موانئ البحر المتوسط في جانبه الأوروبي كانت سبباً في ازدهار اقتصادي، واعترافاً باستقامة وصدق، ومهارة تجار سبتة وملّاحيها.
قدّمنا استعادة سريعة لتاريخ سبتة ومكانتها في التاريخ المغربي والإسلامي. وإذا كانت الظروف السياسية القائمة لا تزال تظلّل بخيمتها الاستعمارية السابقة الشاطئ المغربي للمضيق، فإن سبتة ومعها مليلة ستبقى مغربية بثقافة إسلامية، على رغم التبعية الحاليّة، وعلى رغم العلاقات المغربية - الإسبانية الجيدة في أكثر الأوقات بحكم الجوار وأهمية التعاون المغاربي الأوروبي في ظل السياسة الدولية الجديدة أو المأمولة، مشيرين إلى المحاولة الإسبانية في احتلال جزيرة ليلى الصخرية، والدفاع المغربي عنها، والتي كادت تدهور علاقات حسن الجوار التي يتم بناؤها لولا التعقّل والحكمة المتأخرة.
إنّ حلاً سياسياً لا بدّ من الوصول إليه، ولو أنّ انشغال المغرب في الإشكال الصحراوي يشكّل سبباً رئيسياً في إعاقة هذا الحل الذي يمكن الوصول إليه بحلٍ تفاوضي رضائي أخوي، في ظل تفعيل دور الاتحاد المغاربي، ليعطي للأسرة المغاربية قوّة وفاعلية تستطيع إثبات حضورها وفاعليتها الوطنية والإقليمية المتوسطية والأوروبية والدولية.

أفق - حمص وأهمّيتها التاريخيّة.. والمستقبليّة

 حمص وأهمّيتها التاريخيّة.. والمستقبليّة



تشكّلت في بلاد الشام تجمّعات سكّانية كبيرة، عبر وادي الحياة الممتدّ من الأستانة في آسيا الصغرى إلى غزّة في الزاوية الجنوبية لبلاد الشام. وقد تحوّلت هذه التجمّعات إلى مدن مهمّة منها، من الجنوب إلى الشمال: غزّة، القدس، بصرى، دمشق، حمص، حماة، حلب.

وبحكم الأحداث القائمة في سورية اليوم، والمكانة التي مثّلتها مدينة حمص، سواء في وسطيّتها وتاريخها أم في ما تعرّضت له من غزوات وتدمير متعدّد، فضلاً عن دورها الثقافي والسياسي، كلّ ذلك يدفعنا إلى التوقّف عند تاريخ هذه المدينة، وأبرز مزاياها وعوامل استدامتها.


للتجمّعات السكّانية في القرى والبلدان خصوصيّات ومزايا تشتهر بها، سواء من حيث سبب تكوّنها أم من حيث إنتاجها ومزايا سكّانها، فضلاً عن مناخها وأسباب الحياة المختلفة. وتُعَدّ المدن، بتحوّلها من تجمّع سكّاني إلى بنيان اجتماعي جديد، ابتكارات اجتماعية أكثر منها إنشاءات اجتماعية (وفقاً لديفدس. ثورنس، ”النظرية المدنيّة وحياة المدن“). وعليه فللمدن- وفقاً لإلياس مرقص – ” تاريخ ولها منطق“.
وكلمة ديموغرافيا التي تعني وصف الشعب، أو علم السكّان Population ترجع إلىPeuple (بالفرنسيّة) وPeople (بالإنكليزية) التي تعني ”شعب“ أو ”سكّان“. فهي تعود إذن إلى مفهوم السكن، ومنه التجمّعات السكّانية وصولاً إلى المدينة.
تقع مدينة حمص في وسط طريق ما أسميناه بوادي الحياة لبلاد الشام، الممتدّ من غزة إلى آسيا الصغرى، وقد أعطاها نهر العاصي بمائه الوفير (من منبعه في لبنان إلى مصبّه في خليج إسكندرونة، مروراً بالقصير وحمص والرستن وحماة وسهل الغاب وجسر الشغور) سبب الحياة والتجمّع السكّاني والإنتاج الزراعي الغني. هذا فضلاً عن مناخها المتوسّطي العليل جرّاء انفتاحها على بادية الشام بهوائها النقي شرقاً، والبحر المتوسّط غرباً عبر الفجوة بين جبال لبنان والجبال الساحلية السورية.
مرّت الحياة في هذا التجمّع السكّاني بعصور تاريخية متعدّدة من بدايتها في تلّ حمص الأثري الذي يشكّل قلعتها، في حوالى 2300 ق.م موازية لعصر البرونز الوسيط، والمترافق مع ازدهار ممالك قطنة، وقادش وماري.
كانت تُسمّى وفق المؤرّخ الروماني بليني ”إيميسا“ ويبدو أن اسمها حُرِّف فيما بعد إلى حمص، كما أسماء غالبية مدن المنطقة التي حرّفت من اللغات القديمة كالآرامية والسريانية ولغات الإمبراطوريات التي احتلّت المنطقة عبر تواريخ متعدّدة.
في العصر الروماني توسّعت ”إيميسا“ خارج حدود التلّ الأثري، بعد جفاف المستنقعات نتيجة التحكّم بفيضانات العاصي بعد بناء سدّ قطينة وتطويره. أمّا في العصر البيزنطي، فقد أصبحت حمص مركزاً فينيقياً مهمّاً وإحدى المدن الرسولية المسيحية بعدما بشّر فيها كلّ من بطرس ويوحنا خلال قدومهما إليها، وأصبحت فيما بعد مركزاً بطريركياً وتحوّل معبد الشمس إلى كنيسة. وفي هذه المرحلة زاد الاهتمام بالمدينة من قبل هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين.
وقد شهدت حمص، في نهاية العصر البيزنطي وبداية العصر الإسلامي، صراعات كبيرة وحروباً تمّ فيها تدمير المدينة وحرق غالبيتها وتدمير أسوارها، وتمّ نهبها في العام 966م من قبل الإمبراطور البيزنطي نسيفور فوكاس.
وفي العصر الاسلامي، دخل حمص أبو عُبيدة الجرّاح قائداً للفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، حيث مات فيها القائد خالد بن الوليد العام 641م. وتفخر المدينة ببناء جامع باسمه يحتضن قبره وتعود بداية بناء الجامع إلى عهد الظاهر ببيرس في العام 644 هـ – 1287 م. إلّا أن الانتهاء من بناء الجامع وتكبيره تمّ في عهد السلطان العثماني عبد الحميد العام 1289 هـ – 1912م.
ولحمص أربعة أبواب هي: باب الرستن – باب الشام – باب الجبل – باب الصغير. ثمّ أصبح لها فيما بعد سبعة أبواب هي: باب السوق – باب تدمر – باب الدريب – باب السباع – باب المسدود – باب هود – باب التركمان (ويعود إلى سكن التركمان بدءاً من القرن الحادي عشر).
وفي توالي العهود التي مرّت على هذه المدينة منذ الفتح الإسلامي بقيادة أبي عبيدة الجرّاح ومعه خالد بن الوليد جندياً في جيشه، تحوّلت حمص إلى موقع مهمّ في الصراع بين العرب المسلمين والبيزنطيّين، واصبحت معسكراً حربياً كبيراً. كما شهدت خلال هذا الصراع تدميراً كبيراً ونهباً قاده الإمبراطور نسفور فوكاس كما ذكرنا، وتحوّلت المدينة إلى ولاية من ولايات الدولة العربية الإسلامية. ومن أشهر ولاتها زمن الخلفاء الراشدين: السمط بن الأسود، وعبادة ابن الصامت، وعيّاض بن غنم الذي تولّى ولاية الجزيرة أيضاً وقاد معارك حروب الردّة، وشرحيل بن السمط، وقد استوطن في حمص بسبب موقعها وطبيعة أهلها الودودة. كما تضمّ المدينة مباني أثرية تعود إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، منها قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين والأسواق الأثرية وجامع خالد بن الوليد وجامع أبي الفضائل وجامع الدالاتي والحمّام العثماني وحمّام الباشا، فضلاً عن كنائس عدّة أهمّها كنيسة أم الزنار، بحكم العلاقات الودية بين المسلمين والمسيحيّين.
ونستطيع متابعة العصر الإسلامي مع هذه المدينة العريقة، مروراً بالعهود الأيّوبية والمملوكيّة والعثمانيّة، وصولاً إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي، ونضال أهلها في مقاومة المستعمِر حتّى تحقيق الاستقلال والجلاء وبروز قادة سياسيّين كبار من هذه المدينة، يأتي في مقدّمتهم هاشم الأتاسي الذي ترأّس وفد مفاوضات الكتلة الوطنية في باريس بشأن استقلال سورية وانسحاب القوّات الفرنسية، وانتُخب رئيساً للجمهورية السورية أكثر من مرّة.
كما أنجبت حمص نخباً ثقافية وسياسية منها عبد الحميد الزهراوي (1855) الذي أُعدم في ساحة المرجة في دمشق في 6 أيار/ مايو 1916، والذي ما تزال حمص تفاخر به كزعيم لحركة النهضة السورية ومفكّر وصحافي وعضو في مجلس الأعيان في الإستانة ورئيس المؤتمر العربي الأول في باريس وأحد الشهداء ضدّ سياسة التتريك في أواخر عهد الدولة العثمانية. ومنها أيضاً عبد الحميد الدروبي الذي اشتهر بحبّه للعمران، وكان رئيساً لبلدية حمص فترة الدولة العثمانية، فبنى سيباط الدروبي وجامع وقصر الدروبي مع رصف غالبية الطرق (الدروب) بالحجر الأسود. ناهيك بآل الاتاسي والجندي وشمسي باشا والسباعي والجمالي وغيرهم كثير.
ويتحدّث د. منذر الحايك في كتابه ”تاريخ حمص وتراثها الشعبي“ عن التراث الذي يعدّه تاريخ الشعب الحقيقي في معناه وأهدافه، وذلك من خلال الاحتفالات الشعبية بالمناسبات الدينية (الإسلامية والمسيحية) ورحلة الحجّ وخمسانات (جمع خمسينيّة). يتحدّث أيضاً عن حمص الفريدة والمشهورة بنباتاتها وحلاواتها (جمع حلاوة، وهي أكلة شعبية من السكّر والطحينة والسمسم) ومشايخها، (ودورها الاجتماعي التعارفي والاستعراضي) واحتفالات الربيع وأعياد الخضر، وأربعة (من يوم الأربعاء) المرتعشي والسيران، والأساطير.
ولقد خرج من حمص عدد كبير من المفكّرين والأدباء والشعراء، ولعلّ إقامة ديك الجنّ، الشاعر العباسي المجون فيها، يعطي سبباً لكثرة شعرائها وإبداعاتهم الشعرية والأدبية. والتوقّف عند أسمائهم وإنتاجهم يحتاج إلى أبحاث طويلة. إلّا أننا نذكر من بين الشخصيّات الفذّة: علاء الدين الدروبي، مظهر باشا رسلان، الأستاذ د. سامي الدروبي، د. حافظ الجمالي، د. مصطفى السباعي، د. جمال الأتاسي، بديع الكسم، إلياس مرقص، ياسين الحافظ، عبد الكريم زهور.
إضافة إلى تولّي ثلاث شخصيات فيها رئاسة سورية الحديثة بعد الاستقلال وهم: هاشم الأتاسي والفريق لؤي الأتاسي الذي تولّى رئاسة مجلس قيادة الثورة بعد حركة الثامن من آذار/ مارس 1963، ود. نور الدين الأتاسي الطبيب الذي تولّى رئاسة الدولة في الفترة بين 1966– 1970. وكان قد تطّوع في جبهة التحرير الجزائرية في أثناء حرب التحرير. ويُذكر أن أكثر مَن تولّى منصب الولاية أو المحافظة فيها، أصبح فيما بعد رئيساً لسورية أو لوزارتها.
ولعلّ لموقع مدينة حمص المناخي والوسطي، حيث تقع في فجوة جغرافية مفتوحة من الشرق على البادية (بادية الشام) الممتدّة إلى العراق، ومن الغرب فجوة أخرى مفتوحة على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط بين جبال اللاذقية وجبال لبنان، لعلّ موقع المدينة إذاً هو ممّا جعل هواءها عليلاً ليل نهار، ومناخها معتدلاً، فضلاً عن علاقتها الجوارية بحماة وطرابلس الشام، حيث تتنافس معهما بفعاليّة تحريضية نحو الأفضل، وتربطها بهما علاقات تجارية وعائلية. كما نتذكّر موقفها المؤيّد لإبراهيم باشا حين قدومه إلى سورية بحملته المشهورة ضدّ الدولة العثمانية، ومعارضتها الشديدة لانفصال سورية عن الوحدة مع مصر، فضلاً عن احتضانها مؤتمر حمص في العام 1962، الذي ضمّ غالبية القيادات السياسيّة والعسكريّة لإعادة الوحدة مع مصر، وإنهاء حكم الانفصال، وإجراء إدارة سياسية جديدة للوحدة مركزّة ومتطوّرة. وهذه الأمور كلّها تدلّ على مكانة المدينة وحيويّة أهلها وحرصهم على فعاليّة ذات بعد وطني وحدودي يؤمِّن القوّة للأمة في إطار الحكمة.
وأخيراً، فإنّنا نستطيع استخلاص أهمّية حمص في التاريخ السوري من موقعها الوسطي كحلقة وصل بين المدن السورية في جميع الميادين السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة. وهو ما يؤكّد أهمّيتها التاريخيّة والمستقبليّة المأمولة.

جبلة بلدة السلطان إبراهيم بن الأدهم والمجاهدالشيخ عز الدين القسّام


د.أحمد حلواني *
أثارت الأحداث الجارية في سورية منذ آذار )مارس) 2011م اهتمام العالم بجغرافية سورية ومواقعها التاريخية ومكتنزاتها الأثرية والتعريف ببلدانها ومدنها وقراها وشواهد تاريخ انجازات شعبها العريق. في القديم والحديث والمعاصر.   من هذه البلدان مدن الثغور على الساحل الشرقي للبحر المتوسط،(الممتد من خليج اسكندرون الى ساحل غزّة،حيث يبدأ برّ الشام، بعد برّ مصر). متوقفين عند أشهرها تاريخيا بين المدن السورية والتي تقع بين اللاذقية وبانياس،  وهي بلدة ،جبلة، والتي تحمل اسما أو تعريفا مرافقا له، هو، الأدهمية، نسبة إلى السلطان إبراهيم بن الأدهم، أحد أعلام الصوفية في الإسلام (وفق د. عبد الحليم محمود في كتابه الذي أصدرته سلسلة أعلام العرب عن الهيئة المصرية للكتاب) والذي قَدِمَ إليها متصوّفاً متنسّكاً، من خراسان تاركا وراءه جاه السلطانية وثروة أسرته، حيث أقام فيها متزهّدا في إحدى مغاراتها البحرية حتى وفاته، وتبعته أمّه التي عُرفت بأمّ السلطان، باحثة عنه مع قافلة كبيرة من المرافقين، فأشادت إلى جانب قبره جامعا كبيرا بطراز معماري جميل ما يزال معلما دينيا ومعماريا هاما يحمل اسمه (جامع السلطان إبراهيم بن الأدهم)تحاك حوله الحكايا والاساطير ، وأوقفت له امه أراضٍ زراعية وعقارات وحمّاماً كبيرا على أحسن طراز، لتأمين استمراريته ونفقات صيانته وأجور عمّاله و إطعام المحتاجين ونزلاء تكاياه، وجرّ المياه العذبة  من نبع الفوّار القريب منه بحدود ثلاثة كيلومترات للشرب والنظافة والاستحمام، وتشغيل الطاحون الحجري بقوة سقوط الماء من برِّ البلدة العالي على شاطئ البحر المميز بجمال فريد ،والذي تشاهد منه اوقات الصحو اللاذقية وجبال جزيرة قبرص التي تبعد حوالي مائة ميل، وتربطها ببحارتها وموانئها، ولاسيما مينائي ليماسول وفاماغوستا، روابط قوية،سواء في الصيد، او النقل البحري مع موانئ شرق المتوسط.
تأخذ جبلة اسمها وفق روايات كثيرة، منها ما يعيده إلى (جبلة بن الأيهم) ، وهو بعيد عن القبول، لكن الغالب في أصل هذه التسمية هو علوّها الصخري عن مستوى الساحل البحري حيث ترتفع بشكل ملحوظ عن مثيلاتها من المدن المحاذية للشط الشرقي للمتوسط كما هو حال اللاذقية وبانياس وطرطوس وطرابلس وباقي مدن شرق المتوسط، فيكون اسم جَبَلَة هو نوع من التصغير عن الجبل على غرار جبيْل اللبنانية.   لهذه البلدة تاريخ عميق بالقِدَم و تقوم الكثير من فرق التنقيب بدراسة التلال المنتشرة بها كتلة’ التوينة وتلّة سوكاس التي تم فيها الكثير من اللقى والمنحوتات الي تعود الى العصر الفينيقي وما قبله،اضافة الى  غيرهما من التلال في محيط البلدة وريفها الواسع.
أمّا الحقبة الفينيقية فقد كان ميناء البلدة من الموانئ النشطة، حيث وضع  بحّارة البلدة  حجارة كبيرة من الصخور بشكل مدروس لحماية الميناء الطبيعي من أمواج البحر العاتية، وكسرها في بعض فصول السنة.
وكان الميناء يستخدم لنقل صوف حماة، المحمول على قوافل الجمال القادمة على الطريق الجبلي الوحيد الذي يخترق جبال الساحل السوري عبر القدموس،( قبل فتح طريق حماة- الغاب-بيت ياشوط- جبلة)، ليدخل جبلة عبر (بوّابة حماة) التي ما تزال تحمل الاسم نفسه ،و(خان شعيب )الذي كان يأوي  القوافل ودوابها، كما كل الخانات التاريخية .ومن ميناء جبلة ينتقل هذا الصوف إلى موانئ البحر المتوسط المختلفة،والذي عُرف بالأرجوان الأحمر المصبوغ من قبل الصبّاغين الحمويين الذين يستخدمون النباتات التي تنمو على ضفاف نهر العاصي وبادية الشام الغنية، للوصول إلى أفضل أنواع الصباغ ثابت اللون،ومنه اشتهرت كنى الكثير من الاسر الحموية بالصباغ.
مازالت هذه البلدة الصغيرة تحتفظ بقلعتها التاريخية التي فتحها صلاح الدين الأيوبي واسترجعها من الصليبيين مع مدرجها ذي الطابع الروماني بتعاون كبير من أهاليها الذين أرسلوا لصلاح الدين يعلمونه باستعدادهم للتعاون مع جيشه للخلاص من الاحتلال الصليبي للبلدة، ونقلوا له المواقع الأفضل لاختراق مراكز الدفاع الصليبية ،والتي حققت فتح البلدة بسرعة كبيرة.
ومما يجدر ذكره أن المدرّج مازال قابلا للاستخدام كمسرح مكشوف بعد اجراء بعض الترميمات عليه وكشف الكثير من اجزائه التي تراكم عليها التراب وفق خطة المديرية العامة للاثار ، حيث مازالت جمعية عاديات جبلة الثقافية التي يديرها الناشط جهاد جديد والحقوقي طه الزوزو، ويحضر مهرجانها الثقافي والفني السنوي كبار المثقفين والفنانين السوريين والعرب. وذلك قبل الأحداث السورية الجارية الآن.
كانت جبلة تتبع في غالب العهود ولاية طرابلس ومازال المشترك بين المدينتين كبير ومتعدد ،منه، الجامع المنصوري من حيث التسمية والطراز المعماري الواحد والجميل بقبابه وواحاته ومآذنه. إضافة الى قرابات عائلية كثيرة،ولهجة متقاربة،وعلاقات علمية وثقافية واجتماعية، كما كانت تتبع بأحيان أخرى إلى اللاذقية القريبة منها الى الشمال،والى حلب التي تبعد عنها حوالي مائتي كم فقط.
اشتهر من هذه البلدة في العصر الحديث عددٌ كبير من رجالاتها، ولعل أشهرهم الشيخ المجاهد عز الدين القسّام الذي درَس في الأزهر الشريف بالقاهرة ،وعند عودته إلى جبلة بعد تخرّجه ،وجدَ المستعمر يقبعُ على صدر وطنه بقسوة، فآثر الجهاد من أجل طرده وتحقيق الاستقلال، ونظراً لصغر البلدة وإبعادها عن الطريق العام الرابط بينها والطريق الساحلي إلى لبنان وفلسطين، والداخل السوري، تطوّع معه عدد من أهالي جبلة وخرجوا إلى ريف بلدة الحفّة القريبة منهاوالتي تحتضن قلعة(صلاح الدين) التي تعرف ايضا باسم قلعة صهيون بحكم علوها الشاهق، حيث احتمو ا في بساتينها بفضل تعاونِ  الكثيرين من أهلهاوخططوا لعملياتهم،  ضد القوافل العسكرية الفرنسية التي كانت تصل عبر مرفأ اللاذقية وتنتقل إلى الداخل السوري، والتي سببت ارباكا وخسائر كبيرة للمستعمر. وعند معرفة الفرنسيين بالقسّام قائداً لهذه العمليات، نتيجة إخباريةٍ من بعض العملاء، حكموا عليه بالإعدام فهاجر ورفاقه إلى فلسطين هربا من المحتل الذي كان يحكم سورية ولبنان  وفي فلسطين تابع جهاده المعروف ضدّ المحتل البريطاني الذي كان يجثم على ارضها فنظم الخلايا ونشر وعي المقاومة وطرائقها ،الى ان نال الشهادة بقبول ورضى ،وثقة برفاقة المجاهدين ومتابعتهم حتى تحقيق الحرية.     
    الجدير بالذكر أيضا أن عائلات القسّام والمجاهدين الآخرين من رفاقه الذين استوطنوا فلسطين عادوا بعد نكبة فلسطين إلى بلدتهم الأصلية جبلة،   مع عدد من أصدقائهم ومعارفهم حيث لقوا من أهالي البلدة كل ترحيب ومساعدة أخوية، فأصبحت عائلتا القسّام والصهيوني  تقسم إلى قسمين سوري وفلسطيني حتى الآن. في ظل المحبة والتعاون الخالص، كما مع كل الفلسطينيين القادمين لجوءا الى جبلة، بفضل سمعتها على انها بلدة عز الدين القسام.
لقد بقيت هذه البلدة تخرّج العدد الكبير من المجاهدين والعلماء(والأسماء كثيرة والأعمال كبيرة من رجال ونساء) بالرغم من ضعف إمكاناتها المادية ومن الإهمال الذي أصابها، والذي أدّى الى هجرة غالبية نشطائها، وانقطاع صلاتها التجارية والثقافية مع طرابلس الشام بعد وضع حدود للدولتين السورية واللبنانية، والقطيعة الجمركية بين البلدين الشقيقين، التي فرضها خالد العظم رئيس الوزراء السوري آنذاك.وبعد اغلاق الطريق الساحلي والبحري، بينها وبين المدن الفلسطينية، نتيجة نكبة 1948م و قيام اسرائيل.
*أستاذ جامعي سوري
مصدر الصورة ويكيبيديا