الاثنين، 14 أبريل 2025

تعليق على مقال الأستاذ هلال خشان بشأن “استراتيجية تحالف الأقليات الإسرائيلية”

 

د. احمدحلواني


يعالج الأستاذ هلال خشان في مقاله مسألة سعي إسرائيل إلى إقامة تحالفات مع الأقليات في المنطقة، مستعرضًا الخلفيات التاريخية لذلك منذ عقيدة “المحيط” التي تبنّاها ديفيد بن غوريون في الخمسينيات، وصولًا إلى مساعي اليوم لإحياء هذه الاستراتيجية عقب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وفي هذا الإطار، يستند خشان إلى تجربة إسرائيل مع (الأكراد والدروز والموارنة) وغيرهم، موضحًا في الوقت نفسه عيوب هذه الاستراتيجية وفشلها على المدى البعيد.


سقوط النظام السوري: هل هو مأساويٌّ لإسرائيل أم لسوريا؟


يرى خشان أنّ سقوط نظام بشار الأسد مثّل ضربةً لإسرائيل، لأنه جاء بعد فترة كانت فيها تل أبيب مستفيدة من الوضع السوري المأزوم على الاصعدة( السياسية والأمنية والاقتصادية)، ومن الانقسام الداخلي بين دمشق والمناطق الشمالية والشرقية الي سيطرت عليها منظمة ( قسد) الكردية بمساعدة من الولايات المتحدة، فضلًا عن تفكّك سلطة الدولة في كثير من المناطق الأخرى.


  • وجهة نظر مغايرة: ما يعتبره البعض “مأساة” نزلت على إسرائيل، كان في المقابل بارقة أم
  • تعليق على مقال الأستاذ هلال خشان بشأن “استراتيجية تحالف الأقليات الإسرائيلية”
  • غالبية السوريين طامحين إلى تغيير سياسي حقيقي في بلدهم ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن سقوط النظام أثار قلق إسرائيل حيال فراغٍ في السلطة قد يُعزز نفوذ مجموعات تُصنفها إسرائيل معادية لها، أو حليفةً لتركيا أو إيران.



التحالف الإيراني-السوري: مرتكزٌ أمني مهم لإسرائيل


على الرغم من أن العلاقة بين النظام السوري المنهار وإيران كانت تمثل مصدر إزعاجٍ لإسرائيل، فإنّ هذا النظام ذاته بقي بالنسبة لإسرائيل جهةً يمكن التفاوض أو التفاهم غير المباشر معها. فقد كان يسمح، عبر مؤسساته العسكرية والأمنية، بمرور الدعم إلى حزب الله في لبنان، مقابل تقديم الدعم له في مواجهة المعارضة المسلحة التي تقوم بها تنظيمات سورية متعددة. وفي الوقت نفسه كان يخشى وقوع صدام مباشر مع إسرائيل. ومن هذا المنطلق، رأت تل أبيب في استمرار النظام الأسدي نوعًا من “استقرار سلبي” يحدّ من احتمالات انهيار الدولة كليًا.


الرهان الإسرائيلي على كيانات طائفية أو عرقية منفصلة


تحدّث المقال عن محاولات إسرائيل توظيف الأقليات في سوريا، ومنها الطائفة العلوية في الساحل، لإنشاء كيانٍ مستقل بحماية إسرائيلية. هنا نشير إلى تجربة الاستعمار الفرنسي الذي أقام “دولة العلويين” في الساحل السوري خلال فترة الانتداب، لكن تلك التجربة باءت بالفشل لعدة أسباب:


  1. التنوع الديني والعرقي: الساحل السوري يضمّ خليطًا من الطوائف والمذاهب (علويون، وسنة، ومسيحيون، وغيرهم) ممن عاشوا تاريخيًا في تداخلٍ اجتماعي واقتصادي طويل المدى.
  2. الوعي الوطني السوري: كثيرون ممن ينتمون إلى الأقليات رفضوا الانفصال عن محيطهم السوري والعربي؛ حيث رأوا أن الانخراط في مشروعٍ وطنيٍّ شامل يحقق لهم حقوق المواطنة أفضل من الاحتماء بتكوينٍ طائفيٍّ ضيق لا مسقبل مضمون له.
  3. الدروس المستخلصة من تجارب الماضي: سواءً في عهد الانتداب أو خلال حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد، بقيت محاولات تمييز طائفةٍ بعينها عن بقية مكونات الشعب غير مقبولة من غالبية الشعب السوري على المدى البعيد.



الطائفة الدرزية: بين التجنيد الإسرائيلي والهوية السورية


يشير الكاتب إلى أن إسرائيل نجحت تاريخيًا في تجنيد بعض أفراد الطائفة الدرزية في جيشها. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مجموعة قليلة انخرطت في المؤسّسات الإسرائيلية، وأغلبية درزية أخرى بقيت مرتبطة بهويتها العربية والسورية واللبنانية. كما قدّم الدروز عبر التاريخ أسماء بارزة في المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وشارك عدد  كبير منهم في الحركات السياسية العربية (سواء في سوريا أو لبنان). واصبحوا قادة شعبيين لجميع مكونات الشعبين


نحو دولةٍ ديمقراطيةٍ شاملة في سوريا


من الملاحظ أنّ تحالف الأقليات – كما يشير الأستاذ خشان – قد يبقى تحالفًا مرحليًا وظرفيًا، يُبنى على توازنات مؤقتة. والتجربة تؤكّد أن الحل المستدام في سوريا لن يكون عبر تجزئتها إلى دويلات أو كانتونات طائفية، بل من خلال:


  1. بناء نظامٍ سياسيٍّ ديمقراطي: يكفل مشاركة جميع المكونات الاجتماعية في إدارة الدولة بعيدًا عن أي تمييز طائفي أو مذهبي.
  2. ضمان حقوق المواطنة: بما يشمل حقوق جميع المكونات من  العرب والأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين وغيرهم، تحت مظلة دستور يحترم الجميع.
  3. تخفيف العقوبات ودعم التنمية: يحتاج الشعب السوري إلى سياساتٍ تخفف الضغط الاقتصادي وتعيد إعمار البنى التحتية، بهدف احتواء الاحتقان الداخلي ومنع التدخلات الخارجية.



دروس من التجارب السابقة


خلال حديثه عن استراتيجيات “تحالف الأقليات”، يذكّر خشان بحقيقة أن هذه التحالفات لم تنجح تاريخيًا في تأمين كيان مستدام للأقليات، بل على العكس انتهت عادةً باحتكاكات مع الأغلبية، أو بانخراط في صراعات لا تخدم سوى القوى الخارجية. فمثلًا:


  • دعم إسرائيل للميليشيات اللبنانية المسيحية أثناء الحرب الأهلية ارتدّ عليها لاحقًا عندما تصاعد نفوذ حزب الله.
  • دعم الأكراد في شمال العراق تطور إلى توتر مع تركيا وإيران ومراكز قوى عديدة، ولا يزال مستقبل المنطقة غير مستقر.
  • تجربة الاستعمار الفرنسي (في سوريا ولبنان) التي قامت على أساس الدويلات الطائفية سرعان ما فشلت في ضمان الاستقرار.



خلاصة القول


تُظهر المعطيات أن سعي إسرائيل إلى تفتيت المجتمعات العربية عبر تحالفاتٍ مع الأقليات، وتحويلها إلى ضغطٍ سيا.سيٍّ أو عسكريٍّ على الأغلبية، قد يُحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنه يظلّ محفوفًا بالمخاطر وقابلًا للانهيار على المدى البعيد. وبالتالي، فإن الاستقرار المنشود في سوريا والمنطقة عمومًا لا يكمن في إعادة إنتاج نظامٍ طائفيٍّ أو استبداله بأشباهه، بل في بناء دولةٍ حديثةٍ تحتضن تنوعها وتدير اختلافاتها بالوسائل السلمية والقانونية.





إنّ “تحالف الأقليات” يبقى – كما وصفه الأستاذ هلال خشان – مقاربةً مؤقتةً تنتهي عادةً بانهيارها أمام حقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا. وبدلًا من تشجيع مشروعاتٍ انفصالية تُفاقم معاناة السوريين، فإن المطلوب هو تشجيع الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تمكّن الشعب السوري من النهوض بدولته الجامعة، بما يضمن العدالة والحريات وحقوق المواطنة لكل مكوّناته.


هذه الرؤية لا تقتصر على سوريا فحسب، بل تصلح نموذجًا لكل دول المنطقة التي تشهد تنوعًا ثريًا يمكن توظيفه إيجابيًا في بناء مجتمعات متماسكة، بدلًا من أن يكون مدخلًا لصراعاتٍ لا تنتهي.


السبت، 18 يناير 2025

العلاقات السورية اللبنانية من إرث تضارب المصالح والتدخلات إلى فرصة النضج والديمقراطية

بقلم د. أحمد حلواني



تشكل سوريا ولبنان جزءًا لا يتجزأ من تاريخ وثقافة العالم العربي، وخاصة في منطقة المشرق، حيث يرتبط البلدان بجذور تاريخية وثقافية مشتركة. إضافة إلى ذلك، تربطهما علاقات اجتماعية واقتصادية عميقة وتداخل جغرافي لا يمكن تجاوزه. ومع ذلك، فإن هذه الروابط لم تخلُ من التوترات التي تعود جذورها إلى الإرث الاستعماري، الذي كرّس الطائفية في لبنان، وإلى سياسات الأنظمة الديكتاتورية والانقلابات العسكرية التي غذّت الانقسامات الطائفية في سوريا. هذه التوترات ألقت بظلالها على العلاقات الثنائية، حيث تحولت إلى ساحة للتدخلات الإقليمية والدولية التي أضرت بإرادة الشعبين.


ومع التطورات السياسية الأخيرة في كلا البلدين،والتي حدثت أواخر العام الفائت في سورية واوائل العام م في لبنان٢٠٢٥ تلوح في الأفق فرصة لإعادة صياغة العلاقات السورية اللبنانية بشكل يخدم مصالح الشعبين ويؤسس لنموذج جديد في التعاون بينهما ومع دول الإقليم كله.


العلاقات السورية اللبنانية: من الاستقلال إلى التدخلات الإقليمية



1. مرحلة الاستقلال: بداية مضطربة



عقب استقلال سوريا ولبنان عن الانتداب الفرنسي، شهدت العلاقات الثنائية اضطرابًا كبيرًا. سعت الأنظمة السورية المتعاقبة منذ البداية إلى ضمان ألا يقع لبنان تحت سيطرة قوى معادية لسوريا، مدركة أهمية لبنان كخاصرة استراتيجية. ومن أبرز المحطات في تلك المرحلة:


أ. فصل العملة السورية واللبنانية: خطوة للسيادة الاقتصادية


في إطار ترسيخ الاستقلال الاقتصادي لكل بلد، قررت حكومة خالد العظم السورية إنهاء العملة المشتركة بين البلدين والتي كان يصدرها بنك سورية ولبنان،إضافة الى الغاء الوحدة الجمركية وتنظيم الانفكاك ووضع نظام جمركي مستقل عن لبنان . كما أنشأت سوريا ميناء اللاذقية كبديل لميناء بيروت لتقليل الاعتماد عليه في عام ١٩٥٠.


ب. الخلاف حول جامعة الدول العربية

رغم التوترات السياسية في بداية الاستقلال، لم توافق سوريا بسهولة على انضمام لبنان كدولة مؤسسة في جامعة الدول العربية إلا بعد تدخل دول مثل السعودية ومصر. كان هذا الموقف يعكس شكوكًا سورية تجاه استقلال لبنان الكامل.
واعتراضا على ضم مناطق الى لبنان بالرغم من تبعيتها بالآصل الى دمشق.

ج. غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية.
والإكتفاء بتبادل التهاني حين انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة في البلدين.
على الرغم من تلك الخلافات، استمرت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الشعبين بشكل طبيعي، حيث بقي التنقل بين البلدين يتم ببطاقات الهوية الشخصية، مما يعكس عمق الروابط الشعبيةوالمصالح المتبادلة. .



2. التوترات الإقليمية والتدخلات العسكرية


مع دخول فترة الخمسينيات والستينيات، زادت التدخلات الإقليمية تعقيد العلاقات الثنائية. وتميزت هذه المرحلة بعدة محطات مفصلية:



أ. الحقبة الناصرية وتأثيرها على لبنان

شكلت الوحدة بين مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر مصدرًا للانقسام في الداخل اللبناني، حيث انقسمت القوى اللبنانية بين مؤيدة ومعارضة للوحدة وسياستها ذات التوجّه الإشتراكي. ساعدت هذه التوترات في وصول اللواء فؤاد شهاب إلى الرئاسة اللبنانية كأول رئيس من الجيش كحلٍ توافقي.


ب. الأزمة الفلسطينية وتداعياتها

بعد أحداث أيلول الأسود وإخراج ياسر عرفات والقوات الفلسطينية من الأردن، دخل ياسر عرفات وقواته إلى لبنان، مما أدى إلى إشكالات جديدة بين الأطراف اللبنانية آخذت بعداً ًطائفياً تم حلّها بتوقيع اتفاق القاهرة في نوفمبر 1969. ووقعه الرئيس شارل الحلو رئيس الجمهورية بحكم ضغط الشارع الإسلامي في لبنان إضافة الى الإجماع العربي . وقد جاء هذا الاتفاق بدعم من عبد الناصر والدول الخليجية، وشكّل بداية التدخل الفلسطيني في السياسة اللبنانية، ما زاد من تعقيد الوضع الداخلي والدخول في مرحلة حرب أهلية.


3. الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990): عقدة التدخل السوري


تصاعدت الخلافات بين التيارات والتنظيمات السياسية والطائفية اللبنانية وصولًا إلى اشتباكات مسلحة واغتيالات لكبار القادة، مما أدى إلى دخول قوات ردع عربية انسحبت لاحقًا، مع بقاء القوات السورية التي قامت بتدخلات وممارسات عنيفة ضد الفصائل المعارضة للنظام السوري اسفرت عن تفتيشات واغتيالات (تنظيم المرابطون واغتيال كمال جنبلاط).


أ. اتفاق الطائف:

كان لاتفاق الطائف الذي تم توقيعه في أكتوبر 1989 دورا محوريا في إنهاء الحرب الأهلية. بدعم سعودي ومساهمة رئيسية من رفيق الحريري، أقر الاتفاق ترتيبات سياسية جديدة لتنظيم الحكم في لبنان، لكنه رسخ النفوذ السوري بشكل واضح، مما أبقى لبنان تحت وصاية دمشق حتى الانسحاب السوري في 2005.


ب. مذكرة التفاهم الأمريكي - السوري (1990):

ساهمت مذكرة التفاهم بين واشنطن ودمشق، نتيجة مفاوضة اجراها جيمس بيكر وزير الخارجية الاميركي وادواد جدجيان السفير الأميركي في دمشق آنذاك،مع النظام السوري برئاسة حافظ الأسد، في تعزيز الوجود السوري في لبنان مع شروط واضحة لضمان استقرار البلاد، منها منع الاحتكاك مع إسرائيل وتحديد خط فاصل لوجود القوات السورية ، وضمان الحريات الاقتصادية والإعلامية والنظم التعليمية اللبنانية .  

i.  الوضع اللبناني في ظل التدخل السوري:
 رغم شروط التدخل فقد تجاوزت القوات السورية دور الوسيط ربدأ النظام السوري بتأسيس نفوذ سياسي واقتصادي واسع بما في ذلك اختيار رئيس للجمهورية وفرض اجندتها الإقليمية وتشكيل تحالفات مع القوى اللبنانية وفق مصلحتها ، الأمر الذي ادّى الى تعميق الآنقسامات السياسيّة والطائفيّة بحيث اصبح لبنان خاضعاً عملياً لوصاية النظام السوري.
 
ii. المجلس الأعلى السوري اللبناني:
استنادًا الى معاهدة تم توقيعها بين البلدين سميت معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بتاريخ ٢٢ـ ٥ ـ١٩٩١م تم انشاء مجلس أعلى سوري لبناني مركزه دمشق وتولىّ امانته نصري الخوري من احد قيادات الحزب القومي السوري يرأس اجتماعاته الدورية وفق توجيهات النظام السوري عبر المسؤول الأمني السوري في لبنان.

iii . اغتيال رفيق الحريري:
في ١٤ من شباط ٢٠٠٥م تم اغتيال الرئيس رفيق الحرير بتفجير شاحنة مفخّخة في بيرت ، وقد ربط الكثيرون عملية الإغتيال بالنظام السوري بحكم وجود قواته وسيطرته الأمنيّة المنتشرة في جميع المناطق اللبنانية مع نفوذ كامل . وهو ما أثار غضبا عارما مع ضغط دولي على الوجود السوري أجبره في النهاية على سحب قواته .
إلّا انّ نفوذ النظام السوري بقي فاعلاً بطرق غير مباشرة عبر حزب الله وآل فرنجية بشكل خاص.

4. اليوم: فرصة لإعادة البناء السياسي



مع سقوط نظام الأسد وتصاعد المطالب الشعبية بالتغيير في سوريا، تقف العلاقات السورية اللبنانية أمام مفترق طرق جديد. هذه اللحظة تمثّل فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسسِِ جديدة. ولتحقيق ذلك، يمكن اتخاذ الخطوات التالية:


أ. إعادة تقييم المعاهدات الثنائية



من الضروري مراجعة اتفاقية المجلس الأعلى السوري اللبناني للتأكد من أن العلاقات تقوم على المصالح المشتركة بدلاً من الهيمنة.


ب. تعزيز الديمقراطية والاستقلالية

لبنان وسوريا بحاجة إلى تعزيز أنظمتهما الديمقراطية وبناء مؤسسات سياسية تمثّل إرادة شعبيهما، بعيدًا عن تدخلات القوى الإقليمية التي ساهمت في تعميق الانقسامات.


ج. تحقيق مصالحة وطنية شاملة

يمكن للبلدين أن يبدآ بمصالحةٍ داخلية لكل منهما، تشمل تعزيز الهويّة الوطنيّة،و محاربة الطائفيّة استنادا الى مفهوم المواطنيّة، ودعم المؤسسات المستقلة. مما يخلق أرضيّة صلبة لعلاقات ثنائية متوازنة.


نحو مستقبل مشترك



بدلاً من أن يكونا ساحةً للصراعات الإقليمية، يمكن لسوريا ولبنان أن يتحولا إلى نموذج للتعاون العربي و الإقليمي. يتمتع البلدان بتراث ثقافي وتاريخي غني يمكن توظيفه في بناء نظام سياسي جديد يعكس تطلعات شعبيهما. كما أن تعزيز التكامل بينهما يمكن أن يساهم في تقديم نموذج جديد للديمقراطية في العالم العربي.




على صعيد أوسع، فإن تطوير دور جامعة الدول العربية لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري بين الدول العربية يمكن أن يكون جزءًا من الحلول التي تضمن حماية سيادة الدول العربية ورغبات شعوبها.



مسؤولية مشتركة لبناء المستقبل



التأخر في رسم سياسة تعاون وثيق بين سوريا ولبنان سيعود بأضرار جسيمة على الشعبين الشقيقين. تقع المسؤولية على عاتق قادة البلدين للعمل بشكل جاد وسريع على وضع ميثاق تعاون شامل يقوم على مصلحة البلدين المشتركة ويعكس آمال شعبيهما في الديمقراطية والاستقرار.

بهذه الرؤية، يمكن لسوريا ولبنان أن يقدما درسًا جديدًا للعالم العربي في المصالحة والبناء المشترك، ويصبحا نموذجًا يُحتذى به في تجاوز آثار الماضي وبناء مستقبل أفضل.



الجمعة، 3 يناير 2025

مستقبل العالم العربي: دروس الماضي ورؤية للمستقبل

بقلم د. أحمد حلواني 


شهد العالم العربي خلال العقد الأخير تحولات جذرية شملت تغييرات سياسية واجتماعية، تمثّلت أبرز ملامحها في اندلاع ثورات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا واليمن والسودان وسورية. وعلى الرغم من الحماسة التي رافقت هذه الثورات، واجهت العديد منها إخفاقات وتحديات معقّدة أعادت صياغة المشهد الإقليمي، ليتحوّل من أمل واسع بالتغيير إلى واقع مرير من التدخلات الخارجية والتنازع على النفوذ والسلطة.

 

في الوقت نفسه، ما زالت بعض الدول، مثل سورية، تعيش في مرحلة دقيقة للغاية؛ إذ تحقّق الثورة هناك تقدّمًا نسبيًّا، لكن التدخلات الخارجية والتجاذبات الإقليمية والدولية تهدد هذا المنجز. وبالنظر إلى المشهد ككل، تبدو الحاجة ماسة إلى رؤية إستراتيجية شاملة تعالج التحديات الكبرى، من  انتشار الفكر الطائفي الذي عممه النظام السابق وتلاعب القوى الخارجية، وصولًا إلى ضرورة بناء تحالفات ذكية تُجنّب المنطقة خطر التبعية وتعزّز استقلالية القرار الوطني.

 

أولًا: دروس من إخفاقات الثورات العربية

 

1. الحالة المصرية: الإخوان والجيش والخليج

 

يُعدّ الفشل النسبي لثورة 25 يناير في مصر واحدًا من أبرز المحطات التي تُظهر مدى تشابك المصالح الإقليمية والدولية. فعدم قدرة الإخوان المسلمين على كسب ولاء الجيش المصري – أو حتى تحييده – جعلهم في مواجهة مؤسسة عسكرية متجذّرة، اعتادت أن تحظى بدعم إقليمي ودولي وسيطرة كبيرة على معظم جوانب الاقتصاد المصري. وقد لعبت دول الخليج دورًا حاسمًا في دعم عودة الجيش إلى الصدارة، تحت ضغط المخاوف الأمنية من التهديد الإيراني الفعلي في المنطقة، واعتمادها الكبير على المظلة الدفاعية الأمريكية لمواجهة ذلك التهديد.

مهما بلغت قوة الأحزاب السياسية أو التيارات الفكرية، تبقى المؤسسة العسكرية عنصرًا مفصليًا في التحولات السياسية، ويجب التعامل معها بمنطق الشراكة المؤسسية لا منطق الإقصاء أو التضاد الكامل. كما تبيّن التجربة المصرية أهمية فهم المعادلات الإقليمية والدولية التي تؤثر في المشهد الداخلي، وأن السياسات الوطنية لا يمكن صياغتها بمعزل عن الأبعاد الأمنية الإقليمية والتحالفات الدولية.

 

2. الحالة التونسية: خطابات إيجابية وتبعية خارجية

 

رغم البدايات الواعدة لثورة الياسمين عام 2011، عادت تونس لتواجه صعوبات بنيوية، إذ تبنّى الرئيس الحالي خطابات ثورية إيجابية خلال حملته الانتخابية، لكنه بعد وصوله إلى الحكم وقع، حسب منتقديه، في شرك ضغوط خارجية حالت دون الوفاء بوعوده الإصلاحية، مما أعاد البلاد إلى حالة ما قبل الثورة أو أدنى. وقد تفاقمت الأوضاع الاقتصادية والسياسية، ما يشير إلى خلل مزمن في إدارة الشأن العام.

يعكس المشهد التونسي أهمية صدقية الخطاب السياسي، وضرورة امتلاك القيادة لرؤية واضحة تتجاوز الشعارات، مع قدرة على موازنة العلاقات الإقليمية والدولية. كما يظهر حاجة مؤسسات الدولة إلى إعادة هيكلة حقيقية تضمن الشفافية واستقلالية القرار السياسي، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية والابتعاد عن اختيار شخصيات فردية غير منتظمة في أحزاب قوية ومعروفة.

 

3. الحالة السورية: إنجاز حذر وتحديات دولية

 

تمكّنت الثورة في سورية من تحقيق إنجاز حقيقي تمثّل في تقويض سيطرة النظام على أجزاء واسعة من البلاد، وكسر جدار الخوف والطائفية. لكن التدخلات الخارجية باتت الآن تمثّل أكبر عائق أمام تحوّل هذا الإنجاز إلى حلّ مستدام. فمن جهة، تنتهك إسرائيل السيادة السورية باستهداف القدرات العسكرية وإضعاف ما تبقى من مقدّرات الدولة، ومن جهة أخرى تستخدم الولايات المتحدة الوجود العسكري في مناطق النفط بوصفه وسيلة للحدّ من النفوذ التركي والإيراني في آن واحد، في عملية شبيهة بالاستراتيجية الغربية ضد روسيا في أوكرانيا باستخدام بعض العناصر الكردية (قسد) بحجج قومية لا وطنية في حين أن الأكراد جزء فاعل من المجتمع السوري على مدى العصور. يُضاف إلى ذلك التنافس الإقليمي، حيث تتسابق تركيا وقطر من جهة، والسعودية والإمارات من جهة أخرى، على صياغة شكل الحكم الجديد والشراكات الاقتصادية والأمنية في سورية.

تؤكد الحالة السورية أنه حتى لو حقّقت الثورات إنجازًا ميدانيًا، فإن غياب الرؤية الوطنية الموحدة، وتركيز القوى الخارجية على مصالحها المتعارضة، يقوّضان أي فرصة حقيقية للتغيير الديمقراطي والتنمية المستدامة. ولا يمكن ضمان نجاح الثورة أو أي عملية سياسية من دون إعادة ترتيب البيت الداخلي وتحقيق توافق وطني واسع حول مستقبل البلاد.

 

ثانيًا: التحديات الكبرى أمام العالم العربي

1. الانقسامات الطائفية والعرقية:

تم تعظيم الخلافات المذهبية والعرقية كأدوات لتمزيق النسيج المجتمعي العربي، ما سهّل استغلال القوى الإقليمية والدولية للتدخل وفرض النفوذ.

2. التدخلات الخارجية وتضارب المصالح:

تزداد التدخلات الخارجية عندما تغيب الرؤية الوطنية الموحدة. وتنعكس هذه التدخلات في صورة دعم عسكري أو مالي لطرف دون الآخر، أو احتلال مباشر للموارد (كما يحدث في سورية واليمن)، الأمر الذي يفاقم الصراعات ويطيل أمدها.

3. الاقتصادات الريعية والاعتماد على النفط:

ما زالت أغلب الدول العربية تعتمد بشدة على النفط كمصدر رئيسي للدخل، ما يعيق تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل تتناسب مع النمو السكاني وإمكانات الشباب مع ملاحظة توجه السعودية إلى تنويع الدخل بشكل جدي ومبشر وهو ما نأمله للجزائر أيضا.

4. ضعف مؤسسات الدولة:

أدى الفساد وغياب الشفافية وضعف الحوكمة إلى انهيار الثقة في الحكومات، وعجزها عن إدارة الأزمات ومواجهة تحديات التنمية والاستقرار.

5. النظام الإقليمي المضطرب:

لم تنجح جامعة الدول العربية ومؤتمرات القمة والمنظمات العربية الأخرى في بناء أرضية مشتركة للتعاون الفعال، وظلت الخلافات السياسية والأيديولوجية معوقًا أمام أي عمل جماعي متماسك. الأمر الذي يؤكد أهمية تطوير الجامعة العربية وصولا إلى نوع قد يكون مشابها للاتحاد الأوروبي في إطار تفكير جماعي يبعد التوجه الإقليمي المصلحي المباشر قصير المدى.

 

ثالثًا: الحل الإستراتيجي الأمثل

 

1. بناء شراكة وطنية واسعة

• يتطلب أي تغيير سياسي ناجح توافقًا بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بما فيها المؤسسة العسكرية، والنخب الاقتصادية، والجماعات الدينية، والشباب ومنظمات المجتمع المدني.

• يجب وضع إرادة الشعوب في صميم أي مشروع للإصلاح، كي لا تتكرر أخطاء الماضي. وينبغي أن يستند هذا التوافق إلى عقد اجتماعي جديد يضمن الحريات الأساسية والعدالة والمساواة في توزيع الثروات.

 

2. تحقيق استقلالية القرار وتعزيز التحالفات الذكية

• ينبغي للعالم العربي أن يتخلّى عن التبعية العمياء لأي قوى دولية، من خلال تبنّي سياسة تحالفات متعددة الأطراف تتيح المرونة في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية.

• على سبيل المثال، موازنة العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وبناء شراكات قائمة على تبادل المصالح والاحترام المتبادل، لا على الاستقواء أو الولاءات الضيقة.

 

3. مواجهة الطائفية وتبنّي خطاب التعايش

• لا يمكن تجاوز الأزمات من دون إعادة صياغة العلاقة بين مختلف المذاهب والطوائف والعرقيات على أساس المواطنة الكاملة، وبعيدًا عن الاستغلال السياسي للاختلافات.

• الاعتماد على نموذج إعلامي وتعليمي يُعلّي قيم التسامح والتعدّدية، ويبرز الموروث التاريخي للتعايش بين مختلف المكونات في المجتمعات العربية (بما في ذلك الجماعات اليهودية التي عاشت في المنطقة تاريخيًا).

 

4. تنويع الاقتصاد والاستثمار في الإنسان

• من الضروري كسر الحلقة الريعية بالانتقال إلى اقتصاد متعدّد القطاعات، والتوسع في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والسياحة والصناعات التحويلية.

• التركيز على التعليم والبحث العلمي والإبداع وريادة الأعمال كعوامل أساسية في بناء اقتصاد أكثر صلابة واستدامة.

 

5. إصلاح الخطاب الإعلامي والمؤسسي

• ينبغي توجيه الإعلام نحو تعزيز ثقافة الحوار البنّاء والتفكير النقدي، لا التحريض أو التهييج الطائفي.

• إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الحوكمة والشفافية والمساءلة، ما يعزّز ثقة المواطنين في النظام السياسي.

 

6. إعادة تفعيل الدور الإقليمي

• يحتاج العالم العربي إلى آليات إقليمية جديدة أو إصلاح المنظومات القائمة (كالجامعة العربية) لتكون أكثر مرونة وتأثيرًا.

• تشجيع التعاون الإقليمي في ملفات الأمن والاقتصاد والبيئة والبحث العلمي، بما يسهم في مواجهة المخاطر المشتركة مثل الإرهاب وتغيير المناخ وأزمات اللاجئين.

 

نحو مستقبل أكثر استقرارًا

 

يقف العالم العربي اليوم على مفترق طرق: إمّا أن تتكرر الدورات التاريخية من الثورات والإخفاقات، أو أن يُصار إلى تبنّي إستراتيجية تغيير جذرية تضع إرادة الشعوب في المقدمة، وتحقق توازنًا بين مصالح الداخل والخارج. إنّ الدروس المستفادة من إخفاقات مصر وتونس واليمن والسودان، والتجربة السورية القائمة حتى اللحظة، تشير بوضوح إلى أن غياب الرؤية الوطنية الجامعة والتبعية غير المحسوبة للقوى الخارجية هما أكبر عائقين أمام تحوّل حقيقي نحو الحرية والتنمية.

 

ولا ريب أن نجاح أي دولة عربية سيكون رافعةً لبقية دول المنطقة، فالتجربة أثبتت أن القضايا العربية متداخلة ومترابطة؛ أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. لذا، فإن بناء مستقبل أفضل يبدأ من الداخل عبر تحقيق التوافق الوطني وبناء مؤسسات صلبة وخطاب إعلامي متزن، ويمتد عبر الخارج من خلال إقامة تحالفات تحترم السيادة وتعتمد على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.

 

في نهاية المطاف، يستطيع العالم العربي – بما يملكه من موارد طبيعية وبشرية هائلة – أن يتحوّل إلى قوة عالمية مؤثرة، شريطة أن ينجح في إدارة موارده وصراعاته بحنكة ووعي، ويتجاوز أزمات الطائفية والتدخلات الخارجية، متبنّيًا مشروعًا تنمويًا عادلًا يرتكز على إرادة شعبه. بذلك وحده يمكن أن تصبح آمال الربيع العربي واقعًا ملموسًا لا حلمًا مؤجلًا.

 

السبت، 28 ديسمبر 2024

In response to the article written by Hilal Khashan titled “Why Syria Remains Ungovernable”

By Ahmad Helwani, PhD


In response to the article written by Hilal Khashan titled “Why Syria Remains Ungovernable,” published in Geopolitical Futures on December 26, 2024, it is clear that it contains numerous historical and methodological errors that must be corrected, as well as conclusions unsupported by sufficient evidence. Below is a response:


First: Historical Errors in the Article

1. Syria’s Independence

The author claims that Syria gained independence in 1943, which is a historical error. Syria achieved full independence on April 17, 1946, the day the last French troops withdrew from the country. This fundamental mistake highlights a lack of understanding of Syria’s historical context.

2. Demographics and Sectarian Composition

The author states that Sunnis constitute 60% of Syria’s population, which is inaccurate. According to reliable sources, such as the CIA World Factbook, Sunnis make up approximately 74% of the population*. This omission undermines the credibility of the analysis presented in the article.

*Source


3. Diversity in the Region

The claim that Syria is the most diverse country in the Middle East overlooks clear facts. Lebanon, for example, is far more diverse, with an officially recognized sectarian makeup of 18 distinct communities. A comparison with Lebanon reveals that the article ignores clear examples from the region.


Second: Methodological Errors in the Article

1. Framing Diversity as a Negative Factor

The author presents Syria’s ethnic and sectarian diversity as the primary reason for its alleged ungovernability, which is a biased and unscientific conclusion. There are many examples of diverse countries that have achieved political stability, such as Switzerland and the United States, where diversity has been a source of strength rather than weakness.

2. Bias Against the Syrian Opposition

The assumption that Al-Julani or any opposition figure is incapable of achieving peace or governance is subjective and lacks objectivity. This prejudgment reflects personal opinion rather than analysis supported by facts or experience.

3. Ignoring Syria’s Democratic Periods

The author disregards the era of Shukri al-Quwatli and the democratic phase of Syria after independence, when the country was governed under a parliamentary and democratic system before military interventions. This omission creates a misleading impression of Syria’s history.

4. Claiming Alawites and Druze Are Not Arabs

The assertion that Alawites and Druze are not Arabs is a significant error. The majority of Alawites and Druze identify as part of the Arab identity, as affirmed by their cultural and linguistic affiliations.


Third: Additional Points Worth Addressing

1. Population and Sectarian Statistics

The article either ignores or downplays the complexities of the Syrian conflict, overly emphasizing sectarian divisions while failing to consider geopolitical influences or foreign interventions, which have played a significant role in complicating the crisis.

2. Bias Against Rural Syrians

Describing rural Syrians in negative terms (such as uncivilized) reflects an unwarranted class bias. Historically, rural Syria has been an economic and cultural backbone, and it cannot be held solely responsible for political crises.

3. Misrepresentation of Political and Social History

The article paints a grim and unrealistic picture of Syrian society, ignoring periods of political prosperity and peaceful coexistence among sects during various phases of Syria’s history.


Conclusion


The article suffers from clear historical and methodological inaccuracies and obvious biases in interpreting events and addressing Syria’s demographic composition. A proper response to such articles must present the facts clearly and highlight the contradictions in the analysis. Syria is not “ungovernable” because of its diversity but due to external interventions and oppressive policies that have weakened national institutions.

بالرد على المقال الذي كتبه هلال خشان بعنوان “لماذا تظل سوريا غير قابلة للحكم”

بقلم د. أحمد حلواني


بالرد على المقال الذي كتبه هلال خشان بعنوان “لماذا تظل سوريا غير قابلة للحكم”، في مجلة Geopolitical Futures بتاريخ ٢٦/١٢/٢٠٢٤ يتضح أنه يحتوي على العديد من الأخطاء التاريخية والمنهجية التي يجب تصحيحها، بالإضافة إلى استنتاجات غير مدعومة بالأدلة الكافية. فيما يلي رد:



أولاً: الأخطاء التاريخية في المقال

1. استقلال سوريا

يدعي الكاتب أن سوريا نالت استقلالها في عام 1943، وهو خطأ تاريخي. سوريا حصلت على استقلالها الكامل في 17 أبريل 1946، وهو اليوم الذي انسحبت فيه آخر القوات الفرنسية من البلاد. هذا الخطأ الجوهري يُظهر ضعف المعرفة بالسياق التاريخي لسوريا.

2. التركيبة السكانية والطائفية

ذكر الكاتب أن السنة يشكلون 60% من سكان سوريا، وهو رقم غير دقيق. وفقًا لتقارير موثوقة مثل إحصاءات وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، يشكل السنة حوالي 74% من السكان*. هذا الإغفال يضعف مصداقية التحليل الذي يقدمه المقال.
المصدر

3. التنوع في المنطقة

الادعاء بأن سوريا هي الأكثر تنوعًا في الشرق الأوسط يتجاهل حقائق واضحة. لبنان، على سبيل المثال، يُعد أكثر تنوعًا بفضل تركيبته الطائفية التي تضم 18 طائفة معترف بها رسميًا. المقارنة مع لبنان تظهر أن المقال يُغفل أمثلة واضحة من الواقع.




ثانياً: الأخطاء المنهجية في المقال

1. التعامل مع التنوع كعامل سلبي

الكاتب يقدم التنوع العرقي والطائفي في سوريا كسبب رئيسي لعدم قابليتها للحكم، وهو استنتاج متحيز وغير علمي. هناك أمثلة عديدة لدول متنوعة نجحت في تحقيق استقرار سياسي مثل سويسرا والولايات المتحدة، حيث استطاع التنوع أن يكون مصدر قوة وليس ضعف.

2. التحامل على المعارضة السورية

الافتراض بأن الجولاني أو أي شخصية معارضة أخرى لن تتمكن من تحقيق السلام أو الحكم هو ادعاء غير موضوعي. هذا الحكم المسبق يعكس رأيًا شخصيًا وليس تحليلاً مدعومًا بالوقائع أو التجارب.

3. إهمال الفترات الديمقراطية في تاريخ سوريا

تجاهل الكاتب فترة شكري القوتلي والمرحلة الديمقراطية في سوريا بعد الاستقلال، حين كانت البلاد تُدار بنظام برلماني وديمقراطي حقيقي قبل التدخلات العسكرية. هذا التجاهل يخلق انطباعًا مضللًا عن تاريخ سوريا.

4. الادعاء بأن العلويين والدروز ليسوا عربًا

الادعاء بأن العلويين والدروز لا يُعتبرون عربًا هو خطأ فادح، إذ أن غالبية العلويين والدروز يعتبرون أنفسهم جزءًا من الهوية العربية، وهو ما تؤكده الانتماءات الثقافية واللغوية.




ثالثاً: نقاط أخرى تستدعي التعقيب

1. الإحصاءات السكانية والمذهبية

المقال يتجاهل أو يُقلل من تعقيدات الصراع السوري، مع التركيز المبالغ فيه على الانقسامات الطائفية، دون أن يأخذ في الاعتبار التأثيرات الجيوسياسية أو التدخلات الأجنبية التي لعبت دورًا كبيرًا في تعقيد الأزمة.

2. التحيز ضد الريف السوري

وصف سكان الريف السوري بصفات سلبية (مثل الفظاظة) في المقال يعكس تحيزًا طبقيًا غير مبرر. الريف السوري كان تاريخيًا ركيزة اقتصادية وثقافية، ولا يمكن تحميله مسؤولية الأزمات السياسية.

3. الإساءة للتاريخ السياسي والاجتماعي

المقال يُظهر صورة قاتمة وغير واقعية للمجتمع السوري، متجاهلًا فترات الازدهار السياسي والتعايش السلمي بين الطوائف في مراحل متعددة من التاريخ السوري.



إن المقال يعاني من أخطاء تاريخية ومنهجية وتحيزات واضحة في تفسير الأحداث والتعامل مع التركيبة السكانية. الرد على مثل هذه المقالات يجب أن يُظهر الحقائق بوضوح ويُبرز التناقضات في التحليل المطروح. سوريا ليست “غير قابلة للحكم” بسبب تنوعها، بل بسبب التدخلات الخارجية والسياسات القمعية التي أضعفت المؤسسات الوطنية.






الاثنين، 23 ديسمبر 2024

أهمية الحياة الحزبية في سورية

بقلم د. أحمد حلواني


في أعقاب سقوط النظام السوري مع بشار الأسد، يُطرح تساؤل بالغ الأهمية حول مستقبل الحياة السياسية في البلاد، وخاصة دور التنظيم الحزبي في سوريا الجديدة. لقد كانت التجربة الحزبية السورية منذ الاستقلال وحتى اندلاع الثورة عام 2011 محدودةً بظروف تاريخية معقّدة، بدءاً من التعدّدية النسبية التي ميّزت بدايات الاستقلال، مروراً بالمراحل التي ساد فيها نفوذ الأحزاب القومية واليسارية والاشتراكية، وانتهاءً بفترة حكم حزب البعث الذي أحال الحقل الحزبي والسياسي برمّته إلى مساحة مغلقة خاضعة للأجهزة الأمنية ومنزوعة من أي حيوية سياسية حقيقية.



مع ذلك، شهدت الحقبة التي تلت الاستقلال مباشرة (من 1946 حتى أواخر الخمسينيات) حراكًا حزبيًا متنوعًا شمل أحزابًا ليبرالية وقومية ودينية، فضلًا عن أخرى اشتراكية ويسارية. إلا أنّ هذا التنوع ظلّ هشًّا بسبب تعقيداتٍ سياسية واجتماعية عديدة، لم تسمح بإرساء تجربةٍ حزبيةٍ راسخة.



التجربة الحزبية في سوريا قبل البعث



بدايات التعدّدية الحزبية


في فترة ما بعد الاستقلال وأواخر الأربعينيات والخمسينيات، ظهرت أحزاب كالحزب الوطني وحزب الشعب، تمكّنت من تحقيق قدرٍ نسبيٍّ من الحضور السياسي، وعكست توجهات أكثر براغماتية وارتباطًا بالقضايا الوطنية الرئيسة، مثل الاستقلال والهوية السورية. إلا أنّ هذه التجربة لم تتحوّل إلى حياةٍ حزبيةٍ مستقرة؛ بسبب الانقلابات العسكرية المتتالية وتعاقب النخب السياسية على الحكم في ظلّ أجواء إقليمية مضطربة.



أثر الوحدة مع مصر وحلّ الأحزاب


جاءت الوحدة بين سوريا ومصر (الجمهورية العربية المتحدة عام 1958) لتغيّر المشهد جذريًا؛ فقد اشترط الرئيس المصري جمال عبد الناصر حلّ الأحزاب في سوريا، مقتديًا بما كان قائمًا في مصر آنذاك ضد ما وُصف بـ”الأحزاب الرأسمالية و الإقطاعية”. اختلفت الآراء حول هذه الخطوة؛ فمن رأى فيها ضرورةً لتوحيد الصف وإنجاح الوحدة، بينما عدّها آخرون ضربةً للعمل الحزبي السوري الناشئ، إذ حرمت البلاد من التنوع السياسي وأضعفت فرصة تطوّر تجربة ديمقراطية حقيقية، ولم تخدم عمليًا لا مصلحة سوريا ولا تجربة الوحدة السورية المصرية نفسها.



الثغرة العقائدية في بعض الأحزاب


على الرغم من التنوّع النسبي في التوجّهات، عانت بعض الأحزاب العقائدية الكبرى مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي، وحزب البعث، والحزب الشيوعي، من فجوةٍ واضحة بين خطابها وأولويات المجتمع السوري. فقد تمحورت تلك الأحزاب حول رؤًى أيديولوجية كبرى (قومية، اشتراكية، أممية) يغلب عليها الطابع النظري، من دون أن تُقدّم حلولًا واقعيةً لمشكلات المواطن الاقتصادية والاجتماعية. وبدلًا من وضع الإنسان في صلب برامجها، ركّزت على “مشروعٍ نهضويٍّ شامل” أو “واقعٍ افتراضيٍّ بديل” لا يراعي ظروف البلاد آنذاك، ما قلّل من جماهيريتها الفعلية وجعلها تبدو منفصلةً عن هموم الناس.



حزب البعث وفشله في بناء دولة وطنية



وصول البعث إلى السلطة


بعد انهيار تجربة الوحدة مع مصر وعودة الحياة السياسية إلى دمشق، وجد بعض قادة حزب البعث مجالًا للصعود بفضل خطابه القومي والاشتراكي. تمكّن الحزب من الاستيلاء على السلطة عام 1963 بدعم من حزب البعث العراقي بقيادة علي صالح السعدي، ثم قام حافظ الأسد ابتداءً من عام 1970 بتوطيد أركانه، محوّلًا الدولة إلى أداةٍ في يد حزبٍ شمولي. اعتمد النظام على جهازٍ أمنيٍّ قمعيٍّ ورفض التعدّدية السياسية والفكرية، مختزلًا الهوية الوطنية في منظورٍ قومي عربي لا يراعي التنوع الثقافي والديني والمذهبي للمجتمع السوري.



“الحزب القائد” وتهميش الأحزاب الأخرى


تبنّى حزب البعث مبدأ “الحزب القائد للدولة والمجتمع”، وأجبر بقية الأحزاب على العمل ضمن “الجبهة الوطنية التقدمية”، التي بقيت تحت عباءته ومن دون تأثير فعلي في القرارات المصيرية. هذا النهج الاستحواذي أدّى إلى تفريغ الدولة من حيويتها السياسية، وتآكل مشروعية النظام في نظر شريحة واسعة من الشعب، ما انكشف جليًا مع اندلاع الانتفاضة عام 2011 حين تعرّى النظام أمام أزماته الداخلية العميقة.



أهمية التنظيم الحزبي في سوريا ما بعد الأسد



بات من الواضح أنّ أي مشروع لإعادة بناء سوريا على أسس ديمقراطية لا يمكن أن يقوم على الفراغ السياسي أو الشخصيات الفردية فقط. فالعمل الحزبي المنظّم هو إحدى الركائز الرئيسة للديمقراطيات الحديثة؛ إذ يتيح إطارًا للمشاركة والرقابة وتمثيل مختلف المكوّنات المجتمعية ضمن مؤسسات منتخبة تحول الاهتمامات الشعبية إلي مواقف سياسية. من هنا، تبرز ضرورة تأسيس أحزابٍ وطنيةٍ حقيقية تأخذ على عاتقها صياغة الرؤى السياسية والبرامج الاقتصادية والاجتماعية، وتدعم آلياتٍ عادلة للمساءلة والتداول السلمي للسلطة.



الدولة المدنية ودور الأحزاب


الدولة المنشودة يجب أن تكون مدنية، قائمة على المؤسسات والقانون، لا على الطائفة أو العقيدة. وعليه، على الأحزاب أن تنطلق من قاعدةٍ مدنيّة تحترم التعدّدية وحرية المعتقد، مع اعتماد قوانين تُقرّ عبر حوارٍ دستوري شامل. هذا لا يعني التخلي عن الهويات الثقافية أو الدينية، بل يعني عدم فرضها على الدولة كأيديولوجيا رسمية. فمن الضروري أن تُقدّم الأحزاب برامج واقعية تطرح حلولًا لقضايا الاقتصاد والتنمية والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، بعيدًا عن الاكتفاء بالشعارات والمشاريع الإقصائية أو العقائدية.



الدولة المدنية أم الدولة العلمانية؟ وهل الأهمّ أن تكون الدولة “تنويرية”؟


في خضم النقاش حول مستقبل سوريا، قد يخلط البعض بين مفاهيم “الدولة المدنية” و”الدولة العلمانية”، وهناك من يطالب بعلمانيةٍ صارمة تفصل الدين تمامًا عن الدولة، فيما يكتفي آخرون بمبدأ الدولة المدنية التي تضمن حرية المعتقد والمساواة أمام القانون.

• الدولة المدنية: تقوم على المواطنة وسيادة القانون واحترام الحقوق والحريات، وتفصل بين السلطات؛ فلا يُحكَم الناس باسم الدين أو العسكر أو أيّ أيديولوجيا مفروضة. وهي لا تعادي الدين، بل تحيّده عن دوائر الحُكم.

• الدولة العلمانية: تعني الفصل المؤسسي بين الدين والدولة، لكن درجتها قد تختلف من بلدٍ لآخر؛ فقد تكون صارمة (نموذج فرنسا) أو مرِنة (نموذج بريطانيا أو الدنمارك).

• الدولة التنويرية (أو ذات المنحى التنويري): الأهمّ من التسمية (مدنية/علمانية) هو مدى التزام الدولة بقيم التنوير كالعقلانية وحقوق الإنسان والحرية؛ أي ضمان حرية الفرد والمجتمع في التفكير والاختيار ومساءلة السلطة.



دروس من التجربة السويسرية في إدارة التعدّدية



لماذا النموذج السويسري؟


أن الاعتراض باستحضار التجربة السويسرية يتنافى مع الانتقاد لاستيراد الأفكار من الخارج دون تمحيص بحكم اختلاف الواقع السوري عن الحالة السويسرية. لكن لا تهدف الإشارة إلى النموذج السويسري إلى استنساخٍ حرفيٍّ بقدر ما تسعى للاستفادة من تجربةٍ أثبتت نجاعتها في إدارة تنوّعٍ لغوي وديني وثقافي، ضمن إطارٍ فيدراليٍّ وديمقراطيٍّ توافقي. وفي الوقت الذي تواجه فيه دولٌ ديمقراطيةٌ عريقةٌ تحدّياتٍ مع صعود حركاتٍ شعبويةٍ يمينية (مثل الجبهة الوطنية في فرنسا أو حزب البديل من أجل ألمانيا AfD)، يبقى النموذج السويسري مثالًا ناجحًا للتعايش واستدامة الحوار والتوافق.



سويسرا: “علمانية مرنة” أم دولة مدنية؟


تتبع سويسرا شكلًا من أشكال “العلمانية المرِنة”، إذ لا تفصل الدين عن الدولة بشكل صارم، فبعض الكانتونات تعترف رسميًا بديانةٍ ما فيما لا تعترف أخرى بأيّ دين. ورغم ذلك يظل النظام الفدرالي برمّته قائمًا على مبدأ حيادية الدولة تجاه الأديان وصون الحريات الدينية للجميع. هذا النهج يجعل من سويسرا دولة مدنية ديمقراطية تحرص على حرية الفرد وسيادة القانون، ما يضمن احترام التنوع وضبطه ضمن إطارٍ سياسيٍّ مستقر.



آلية الحكم ودور الأحزاب في السلطة بسويسرا

1. الديمقراطية التوافقية

تميّز سويسرا نموذج “الديمقراطية التوافقية”، حيث تشارك الأحزاب الرئيسية في المجلس الفدرالي (الحكومة). يدفع هذا النظام الأحزاب إلى البحث عن حلولٍ وسط وتجنّب الإقصاء، ما يخفّف حدّة الاستقطاب السياسي.

2. الديمقراطية المباشرة

يتمتّع المواطنون في سويسرا بحق طرح مبادرات شعبية واستفتاءاتٍ متكرّرة، ما يعزّز الشعور بالمسؤولية المشتركة في صناعة القرار. وهذا يشجّع الأحزاب على تقديم برامجٍ واقعية ومحدّدة، وإشراك الناس في القرارات المفصلية.

3. التعدّد اللغوي والديني في إطار مشترك

تعترف الدولة السويسرية بأربع لغاتٍ رسمية، وتضمن حياديتها الدينية وحرية المعتقد. هذا يخلق انتماءً وطنيًا عامًا رغم التنوع القائم، ويحدّ من النزعات الانفصالية أو الاستقطابية فيها.



الأحزاب السويسرية: تركيز على البرامج المشتركة


رغم اختلاف التوجّهات بين اليمين المحافظ (حزب الشعب السويسري SVP/UDC) واليسار الاشتراكي (SP/PS) والليبراليين (FDP/PLR) والوسط (Die Mitte/Le Centre) والخُضر (GPS/PES وGLP/PVL)، تتقاطع جميعها في التركيز على قضايا واقعية كالضرائب والبنية التحتية والتأمينات الاجتماعية والبيئة، بدلًا من الانغماس في مشاريع أيديولوجيةٍ كبرى قد لا تجد تأييدًا واسعًا بين المواطنين.



الفرق بين أفكار الأحزاب السويسرية الحالية والأيديولوجيات الكبرى


بينما تسعى الأيديولوجيات الكبرى (كالقومية الشمولية أو الأممية الماركسية أو الاشتراكية المتشددة) إلى “إعادة صياغة” المجتمع والإنسان وفق رؤيةٍ فكريةٍ عابرةٍ للحدود، تطرح الأحزاب السويسرية – حتى الأكثر راديكاليةً ضمن الإطار السويسري – برامجًا ومبادراتٍ براغماتية تتمحور حول احتياجات المواطن. قد تستند هذه الأحزاب إلى خلفياتٍ فكرية أو قيمية معينة، لكنها تُكيّف توجّهاتها السياسية والاقتصادية والبيئية بحسب الواقع الفيدرالي والتعدّدي للبلاد، بدلًا من تقييد نفسها بعقيدةٍ شموليةٍ لا تتيح مساحة للمخالفة أو للتطوّر.



دروس مستفادة لسوريا الجديدة



1. اللامركزية والتوازن في الصلاحيات

يمكن لسوريا الاستفادة من نموذجٍ لامركزيٍّ في المناطق السورية، لضمان المشاركة المحلية وتجنّب عودة المركزية المطلقة.

2. التوافق والحوار السياسي

اعتماد آلياتٍ توافقية لتشكيل الحكومات والهيئات التشريعية يُعزّز المشاركة ويحدّ من تهميش أي طرف.

3. الديمقراطية المباشرة والرقابة الشعبية

إدخال استفتاءاتٍ شعبية وآليات محاسبةٍ ديمقراطيةٍ يساهم في إشراك المواطنين في اتخاذ القرارات المصيرية، ويمنع إعادة إنتاج الدكتاتورية.

4. التعدّدية الدينية واللغوية

ينبغي وضع قوانين ومؤسساتٍ حيادية تحترم مكونات الشعب السوري المتعددة، ما يحوّل التنوع السوري إلى مصدرٍ للثراء بدلًا من أن يكون سببًا للانقسام.



خاتمة



إن إدراك الأخطاء التاريخية في التجربة الحزبية السورية، ومحاولة تجاوزها عبر تأسيس أحزابٍ وطنية ديمقراطية، هو خطوة أساسية نحو بناء سوريا جديدة تتجنّب تكرار مآسي الماضي. وفي هذا المسعى، لا تتناقض الاستفادة من نماذجٍ ناجحٍة في العالم مع ضرورة مراعاة الخصوصية السورية؛ إذ يُمكن انتقاء الآليات الملائمة وتكييفها بما يتماشى مع الواقع المحلي.



ورغم التحدّيات التي تواجه حتى الديمقراطيات العريقة جرّاء صعود تياراتٍ شعبويةٍ يمينية، يظلّ النموذج السويسري دليلاً على إمكان ضبط التعدّد في إطارٍ فيدراليٍّ وديمقراطيٍّ تشاركي؛ وهو ما تحتاجه سوريا في طورها الجديد لتطوير عقدٍ اجتماعيٍّ يشمل الجميع ويؤسّس لإعادة بناء الدولة على أسسٍ مدنية عادلة. بذلك، يمكن لسوريا الانتقال من حقبة الاستبداد والدمار إلى حقبة البناء الديمقراطي الشامل، حيث تكون الأحزاب هي البيئة المؤسساتية الأولى لمعالجة هموم المواطنين وتطلعاتهم، في ظلّ دولةٍ مدنيةٍ تنويرية ترتكز على الحرية والعقلانية وسيادة القانون.