السبت، 25 مارس 2017
وسائل الاعلام وقصور الوعي السياسي
من المتعارف عليه أنّ وسائل الاعلام المختلفة ولاسيما الاذاعة والتلفزيون حقّقت تأثيرات كبيرة في الحياة العامة وأصبحت جزءا من السلطات الاجتماعية ذات التأثير والنفوذ الكبير في تشكيل الوعي المجتمعي العام، وتغيير القيم والعادات الراسخة، حتى أن البعض بات يطلق تعبير عصر الحياة الاعلامية، وامكانية جعلها بديلا عن ميادين تعليمية مختلفة.
وفي هذا المجال وبغض النظر عن التأثيرات الايجابية للوسيلة الاعلامية بميادينها المختلفة وفنونها المتنوعة، والتي أُحدثت لها كليات ومعاهد وأقسام أكاديمية، بحيث تحوّلت الى مهنة متخصصة لها مقوّماتها وطرائقها وفنونها، فانّ جوانب سلبية كثيرة بات الاعلام ميدانا وناشراً لها، لدرجة أنّ البعض أطلق على الاعلام القائم تعبير(المستنقع الاعلامي) جرّاء تعامله مع القضايا الكبيرة باسلوب دعائي واعلامي سريع أو استعراضي فيه الكثير من التضليل والتزييف للحقائق والتشويه بغية تحقيق انحراف عام في التوجّهات وعدم الوصول الى الحقائق،تحت غطاءات آيديولوجية وادعاءات مبدئية مغيّبة.
من الجوانب التي سنتوقف عندها:دور الاعلام الدعائي في تقزيم مفهوم الوعي المجتمعي وحرفه بالتوقف عند الشعارات العامة، واعتبارها أهدافا سامية ومبدئية، دون تعمّق معرفي أو تحليل علمي، مما ينشر حالة القصور المعرفي العام ويؤدي الى اضطرابات وخلخلة في المواقف والمفاهيم تجاه القضايا المختلفة.
في هذا المجال يمكن التوقف عند القضايا السياسية:
المعروف أنّ السياسة علم من العلوم الانسانية والاجتماعية ذات أبعاد تطبيقية خاصة من حيث الزمان والمكان ببيئته ومحيطه الاقليمي والدولي.
جاء في تعريف السياسة انّها:
الاجراءات والطرق المؤدّية لاتخاذ قرارات من أجل المجموعات والمجتمعات البشرية، وتسيير أمورها وقيادتها، ومعرفة كيفية التوفيق بين التوجهات الانسانية المختلفة والتفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد.
وتعرّف السياسة أيضا بأنها العلم الذي يشرح كيفية توزّع القوة والنفوذ بمجتمع ما أو نظام معيّن، وأنّها الاستخدام الحكيم للوصول الى تحقيق الأهداف النبيلة التي تحقّق تطوّر حياة المجتمع نحو الأفضل.
لذلك قيل: السياسة فنّ الحكم وفن ادارة الصراع. ولعلّنا جميعا نذكر ما قاله معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي في السياسة: والله لو كان بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت، فان شدّوا رخوْت، وان رخوْا شددّت.
والعلوم السياسية تتفرع الى نظريات وفلسفة وعلوم مدنية،ومقارنة، وأنظمة وتحليل وقانون وهيئات دولية ولذلك أطلق عليها العلوم السياسية، تأكيدا لمفهوم العلم وتفريدا لتخصّصاته الأكاديمية المتنوعة
الاّ أن الملاحظ جرّاء توظيف وسائل الاعلام توظيفا دعائيا واعلانيا للأنظمة السياسية أو لتيارات سياسية بعينها ،أوجد حالة من العلم بالشيء مع نقص في تحليله ودراسته الدراسة العلمية اللازمة. فأوجد حالة من المعرفة الناقصة جعلت الكثير من أنصاف المتعلمين، وهم كثر في مجتمعاتنا بحكم التخلّف والفقر والأمّية، يدّعون المعرفة الكاملة التي لايدخلها الباطل، ويتحولون الى دعاة متعصبين لما سمعوه واقتنعوا به، متوقفين عند أفكار ومواقف عفّ عليها الزمن وتجاوزتها الحداثة التي يعيشها العالم المتطوّر والفاعل. وهو ما يدعونا الى التأكيد على اعادة النظر في مسؤولية الوسيلة الاعلامية، وشروط عملها ومقوّمات العاملين الاعلاميين بها، ولاسيما في مجال التخصص، والقدرة على مسايرة نظرية الشفافية التي تعدّ أساس العمل الاعلامي والسياسي الصادق والمخلص.
انّ حالة الحراك العربي القائمة الآن في غالبية الأقطار العربية، والمترافقة مع حالة تشتّت اعلامي في الوسائل الاعلامية العاملة فضائيا، ذات التبعية لأنظمة وتيارات ومموّلين، جعلت من المتابع العربي في حالة قلق كبير على مستقبل أمّته، خاصة وأنّ الأنظمة التي تواجه الحراك تستخدم وسائلها الاعلامية بالطريقة المشوّهة التي بيّناها، مقتصرة على مفهوم السلطة المستمرّة دون قبول اعتراض أو معارضة من غير صنعها وموافقتها، معتمدة على نظرية استمرار الحكم وشرعيّته بعيدا عن مفهوم علم السياسة الذي يحمّل المسؤولين من حكّام ووزراء وقياديين لتيارات سياسية فاعلة، تبعات الحياة السياسية للمجتمع والمشاكل التي يواجهها، ممّا يدعوهم الى اتخاذ خطوات استشارية استثنائية واجراءات ديمقراطية يعرف المتخصصون بالعلوم السياسية مجرياتها وتفاصيلها بما يتلاءم والظروف والحماية الوطنية والاجتماعية.
انّ مدرسة السياسة الميكيافيلية التي تستند اليها الكثير من وسائل اعلام الأنظمة بغطاءات أيديولوجية استنادا الى مواقف مبدئية ثابتة ومستمرة، هي مدرسة أصبحت من مخلّفات الماضي ،وسُبّة في في العلوم السياسية المعاصرة، تجاوزها الزمن ورماها التطور في سلة المهملات بعد دخول عصور التنوير والنهضة والحداثة وما بعدها، فلم يعد غطاء الادّعاءات الآنفة مقبولا لمجتمعنا في عصر التحوّلات القائمة. بل أصبح يشكّل عائقا في وجه التطور الحضاري المأمول. الأمر الذي يجعل من الخطوات الوطنية الجريئة والسياسية الحقّة، المنتظر والمتوقع بديلا عن التضليل والمناكفة والآيديولوجيات البائدة،التي تخلق مزيدا من الانقسامات والتمزق الاجتماعي، المخالف لمفهوم السياسة الوطنية ودور قياداتها الديمقراطية.
مع الثقة الكبيرة في قدرة المتلقي العربي على التجاوب مع التطور في حال تقديمه بأسلوب علمي صادق وشفّاف استنادا الى قيمه الدينية والوطنية التي نشأ عليها أسريا واجتماعيا، بالرغم من سياسة الأنظمة القمعية في تهميش القيم الاجتماعية الايجابية لمجتمعاتنا عبر منظمات كرتونية ومناهج تربوية هزيلة ومشوّهة قُدّمت كبدائل لمناهج الأخلاق والعلوم المدنية.
سورية ولبنان .. علاقات متشابكة وقلقة
تشكّل العلاقات السورية اللبنانية حالة قلقة منذ إنشاء دولتي سورية ولبنان بشكلهما الحالي في ظلّ الانتداب الفرنسي في الربع الثاني من القرن العشرين الماضي، وازداد هذا القلق مع تفجّر الأزمة السورية منذ أواسط العام 2011م وتشكّل حكومة نجيب ميقاتي بدعم من الجهات المؤيدة لنظام حكم بشار الأسد وبحكم أهمية نظام الحكم القائم في سورية وتحالفه مع الجمهورية الإيرانية التي تقدّم دعماً كبيراً لحزب الله في لبنان، يأتي غالبيته عن طريق سورية، الأمر الذي أوجد حالة تحالف قوي بين الحزب ونظام الحكم السوري.
انّ الدعم الدولي لضمان استقلال لبنان وسيادته وزيارة قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان والإشارات التي أبداها في تعاطفه مع الشعب السوري ورفضه للعنف الجاري معه، شكّلت كلها مجالا لإعادة دراسة العلاقات بين سورية ولبنان وإمكانية تفادي وصول العنف إليه خصوصا وانّ الحكومة اللبنانية رفعت شعار النأي بالنفس عن الازمة السورية.الاّ أنّ مسيرة الأحداث ولاسيما الحدودية منها ومعارك بلدة (القصير) ومحيطها وما رافقها من تصريحات واتهامات متبادلة بين حزب الله والمعارضة السورية، والانتقادات الدولية لتدخل حزب الله داخل الأراضي السورية لصالح نظام الأسد، أعاد إشكالية العلاقة التاريخية المتشابكة بين دولتي سورية ولبنان.
فيما يأتي استعراض تاريخي سريع لهذه العلاقات
اعتراف صعب بالاستقلال:
بعد فرط عقد الدولة العثمانية وانسلاخ ولاية الشام عنها. وتتويج الأمير فيصل ابن الحسين ملكاً عليها، تشكّل مجلس تشريعي تأسيسي في دمشق ضم ممثلين عن المناطق السورية واللبنانية والفلسطينية في تأكيد على وحدة سورية الطبيعية (الكبرى) والتي تمثّل من الناحية الجغرافية بلاد الشام، وهي وفق التسميات الحالية( سورية ولبنان والأردن وفلسطين). وبسبب الاحتلال الفرنسي والبريطاني لسورية الكبرى وفّق اتفاقية (سايكس بيكو) تم إسقاط الملكية في سورية وخروج الملك فيصل الأول من دمشق متجهاً إلى إمارة شرقي الأردن والذي عيّنته السلطات البريطانية فيما بعد ملكاً على العراق في محاولة منها للسيطرة على الإشكاليات الاثنية والطائفية في العراق بحكم انتماء الملك فيصل بن الشريف حسين إلى أسرة الرسول محمد (ص) واعترافاً بفضل هذه الأسرة بالتعاون مع البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى، والانتفاض على الدولة العثمانية، فيما سمي بالثورة العربية الكبرى التي تمّت وفق مراسلات (حسين ـ مكماهون).
ووفق اتفاقية (سايكس ـ بيكو) دخلت الجيوش الفرنسية لبنان وسورية وقامت بتوسيع دائرة ما كان يسمى (متصرفية جبل لبنان) حيث الأكثرية المسيحية المارونية والتي كانت تتمتع باستقلالية محليّة تحت حكم الدولة العثمانية، استناداً إلى الطبيعة الدينية لنظام الحكم العثماني، وتعاملاً مع الضغوط الغربية على الباب العالي في ذلك الوقت.
لكن الانتداب الفرنسي للبنان قرّر توسيع دائرة متصرفية جبل لبنان وإنشاء دولة لبنان الكبير، بضمّ الأقضية الأربعة إلى المتصرفية والتي كانت في غالب الاوقات تتبع ولاية الشام أو ولاية بيروت بحكم التشكيل الإسلامي لغالبية سكان هذه الأقضية وهي طرابلس وبيروت وصيدا وبعلبك.
لكن السوريين وكذلك غالبية سكان هذه الأقضية لم يعترفوا بهذا الضم وبقيت القضية معلّقة من الناحيتين السياسية ومشاعر الانتماء، التي ترفض كلّ مايقرّره الاحتلال.
وبعد استقلال كل من سورية ولبنان في أعقاب الحرب العالمية الثانية ونتيجة لها في عامي 1946 و1947م، بقيت إشكالية الاعتراف السوري بدولة لبنان الكبير قائمة. الا انّ التعاون المسيحي الإسلامي (السني والشيعي)اللبناني بصيغته الجديدة بعد الاستقلال، شكّل ضغطاً كبيراً على الحكومة السورية للموافقة على هذا الاعتراف.
ومثّل هذا التعاون عن الجانب المسيحي بشارة الخوري الزعيم الماروني الذي انتخب رئيساً للجمهورية اللبنانية، وعن الجانب الإسلامي، رياض الصلح الزعيم السني، الذي صار رئيساً للوزراء، وآل الأسعد وحمادة من وجهاء شيعة لبنان اللذين تناوبا على رئاسة المجلس اللبناني. (كامل الأسعد وصبري حمادة).
وعند تشكيل جامعة الدول العربية حدثت الصدامات المباشرة بين الوفدين السوري واللبناني بشأن انتساب لبنان كدولة مستقلة ومؤسسة للجامعة. وكان الموقف السوري معارضاً لهذا الانتساب إلاّ أن الضغوط التي مارستها كل من مصر (الملكية) في ذلك الوقت ممثلة بحكومة مصطفى النحاس باشا , والمملكة العربية السعودية توصلتا إلى القبول السوري بالانتساب اللبناني والمشاركة في تأسيس الجامعة ونيْل عضويتها الكاملة، دون أن يعني ذلك تنازلاً سوريّاً عن حقها في الأقضية الأربعة. واكتفى السوريون بعدم إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان، خلافاً لما عليه الحال مع باقي الدول العربية بما فيه أمارة شرقي الأردن في ذلك الوقت.
وبقي الحال على هذا الشكل طيلة فترة ما قبل قيام الوحدة بين سورية ومصر وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة،عام 1958 م، حيث شهدت فترة الوحدة علاقات دبلوماسية امتداداً للعلاقات الدبلوماسية التي كانت قائمة قبل الوحدة بين مصر ولبنان.
شهدت تلك الفترة تأثيراً كبيراً لسفارة الجمهورية العربية المتحدة في الشأن اللبناني. حيث كان السفير في ذلك الوقت هو عبد الحميد غالب والذي كان له الكلمة الأهم في تسيير الحياة السياسية في لبنان، بتأييد فعّاليات كبيرة من مختلف الطوائف اللبنانية بما فيها المطران المعوشي بطريرك الطائفة المارونية آنذاك.
بعد الانفصال السوري عن الجمهورية العربية المتحدة عادت حال العلاقات السورية ـ اللبنانية إلى ما كانت عليه قبل الوحدة وعاد الخلاف السوري اللبناني بشأن الاعتراف السوري بالدولة اللبنانية وإقامة علاقات دبلوماسية، وتمّ الاكتفاء بوجود مكتب للشؤون اللبنانية في سورية طبيعته إدارية وليست دبلوماسية أو سياسية.
كما تم الاتفاق على الاتصالات المباشرة عبر الهاتف أو الزيارات لرئيسي الوزراء السوري واللبناني أو لرئيسي الجمهورية، إلا أن أي رئيس للجمهورية السورية لم يقم بزيارة للبنان. وعند تأزّم العلاقات كان يحدث لقاء في خيمة تنصب على الحدود السورية اللبنانية.
الحرب الاهلية ودخول الجيش السوري:
وشكّل دخول الجيش السوري في السبعينيات إلى لبنان بغطاء عربي، في إطار قوة الردع العربية أولاً، وبغطاء دولي للقوات السورية ثانياً،(ووفق ترتيبات دقيقة لم تسمح بانتشار في جنوب لبنان، أو ما سمي بعدم تجاوز الخط الأخضر)، بقصد إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، حالة جديدة للعلاقات السورية اللبنانية تم ترتيبها بعقد اتفاقية أو (معاهدة) الأخوّة والتعاون بين سورية ولبنان والتي وقّعها الرئيسان الراحلان حافظ الأسد وإلياس الهراوي حين كان رفيق الحريري رئيساً للوزراء وتم تشكيل مجلس أعلى للبلدين سمي (المجلس الأعلى السوري اللبناني) يرأسه الرئيسان السوري واللبناني وله أمين عام مركزه دمشق يتابع تنفيذ الاتفاقية ويعمل على تمتين وتطوير العلاقات السورية اللبنانية في إطار المعاهدة.(عيّن أول أمين عام لبناني ينتمي إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي)ولم يتم تعيين امين مساعد له خلافا لنظام المجلس.
مرحلة صعبة جديدة بعد اغتيال الرئيس الحريري:
بعد خروج الجيش السوري من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والضغط الدولي، عادت الأمور السورية اللبنانية إلى إشكالياتها السابقة، ولم يعد للمجلس الأعلى السوري اللبناني أي دور سوى في تبادل الرسائل بين البلدين، في محاولة لإثبات استمرارية وجوده.
وجاءت الخطوة الفرنسية في الضغط على سورية لإقامة علاقات دبلوماسية بين سورية ولبنان لتشكّل متابعةً للدور الفرنسي في تأسيس الدولتين السورية واللبنانية وتنفيذاً للرغبات الدولية في إيقاف التدخل السوري بالشأن اللبناني وتأكيدا لاستقلالية لبنان وإقامة مؤسسات دولته بشكل ديمقراطي، تنفيذاً للقرار الدولي 1701 ومنع النفوذ الإيراني في لبنان الذي يمرّ عبر سورية في دعمه لحزب الله.
وبالفعل فقد تمت إقامة علاقات دبلوماسية بين سورية ولبنان وتم تعيين سفيرين في البلدين، إلا أن العلاقات استمرت على قلقها المضطرب وأبدت تيارات وقوى كثيرة ولاسيما قوى 14 آذار (مارس) تشكّكها في هذه العلاقات ومطالبتها بوضع حدٍ لتصرفات السفير السوري في بيروت وإيقاف التدخل السوري في الشأن اللبناني و ضرورة ترسيم الحدود بين الدولتين.
ومنذ بدء انتفاضة الشعب السوري ضد النظام القائم بشكل سلمي بداية، مرتكزاً على ثورات ماسمي بالربيع العربي، ضمن الحراك الشعبي العربي العام، ومن ثمّ اشتعال آلية العنف المدمّر والقاتل في جميع البقاع السورية فيما بعد وفق خطط اتبعها النظام لمواجهة الانتفاضة، باتّهامه لها بالإرهابية والتكفيرية والعمالة الخارجية. وفشل خطة جامعة الدول العربية ومراقبيها , ومن ثم فشل خطة كوفي عنان المستندة إلى قرار مجلس الأمن. ومراوحة مهمة المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي في النقطة التي استقال منها كوفي عنان، دون تحقيق أي تقدم. بدأت بوادر العنف تنتقل إلى لبنان، بحكم اعتبارات عديدة، من جوار جغرافي وتداخل شعبي واجتماعي وحتى عشائري، إلى خلافات سياسية في التيارات السياسية اللبنانية تجاه النظام السوري وعلاقتها معه، سواء خلال الوجود العسكري السوري في لبنان أو بعده، من خلال المصالح الاقتصادية والعلاقات المخابراتية، أو من خلال المواقف المبدئية. وتتجلى في هذه المرحلة بانقسامات سياسية بعضها ميليشياوي خطير. متضحة في عدم قدرة الرئيس المكلف تمام سلام من تشكيل حكومة لبنانية جامعة بعد مرور أكثر من شهرين على تكليفة. مع تفجيرات واغتيالات من هنا وهناك تخلق حالة قلق داخلي خطير.
الدعم الدولي للبنان:
إنّ الدعم الدولي لاستقلال لبنان وضمان سيادته وزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان والإرشاد الرسولي الذي وجهه إلى مسيحيي الشرق وجميع أبناء المنطقة. تؤكد أهمية لبنان كبلد رسالة للشرق والغرب، إضافة إلى أهميته للمجتمع العربي في مفهوم التعايش الوطني والحياة الديموقراطية واجواء حرية التعبير والتعليم الأكاديمي. الأمر الذي يؤكد ضرورة النأي الحقيقي للبنان والوقوف في وجه التدخلات التي تمارسها الأطراف اللبنانية المختلفة مع أطراف خارجية عربية وأجنبية إضافة الى إسرائيل.
إن الأمل كبير بأن يعي العالم ضرورة العمل الفاعل والسريع لإيقاف العنف في سورية البلد المجاور والمؤثّر في لبنان، وتحقيق السلام والطمأنينة، وحرية شعبه وطموحاته الديمقراطية. ليدخل البلدان في مرحلة تعاون حقيقي مبني على الاحترام المتبادل والاعتراف التام باستقلالية كل منهما وسيادته.
وهو ما سيؤثر إيجاباً على السلام في المنطقة كلّها بشكل عام وعلى الحياة السياسية العربية بشكل خاص.
لقد تحمّل السوريون والشوام عموما، الدور الكبير في حركة النهضة العربية وشكّلوا الطليعة الرائدة من اجل التقدم والحرية وتجاوز أسباب القهر والتخلّف. وأملهم بتفهم العرب والعالم لسورية ودورها وضرورة دعمها لإيقاف نزيفها، بدل هذه المراوحة والانتظار والتحجّج بأسباب غير دقيقة، تؤدي الى القتل والتدمير والتفكك والتعصّب والثأر المدمّر.
علاقة التنمية البشرية بثقافة المحبة
موضوعان كبيران يشكلان المساحة الأوسع في الحياة الثقافية العربية العامة منذ أواسط القرن الماضي وحتى الآن، أولهما ثقافة التنمية وثانيهما ثقافة الحب.
تمت الدعوة إلى إعادة صياغة السياسات الثقافية في إطار احترام الخصوصيات ودعم الهوية الوطنية والحضارية ضمن تعميق مفهوم الثقافة العربية وتأكيد الانتماء الوطني لها بحكم تمثيلها للعمق الثقافي الإنساني الحضاري المنفتح على الثقافة الإنسانية ككل.
وشكل مشروع العواصم الثقافية العربية والإسلامية مجالاً مهماً لهذا الأمر، الأمر الذي فتح فضاءات واسعة لجهود إبداعية في مختلف أوجه المنظومة الثقافية، وانطلاقاً من أن التركيز على المفهوم الثقافي وترسيخه كان يهدف باستمرار إلى إدماج الثقافة في جوهر عملية التنمية.
أما موضوع ثقافة الحب والذي شكل أيضاً مجالاً كبيراً لأبحاث النخب الثقافية في المجتمع العربي وعقدت من أجله مؤتمرات وحلقات بحث كان من أهمها مؤتمر ثقافة الحب والكراهية الذي عقدته جامعة فيلاديلفيا الأردنية في مؤتمرها الثالث عشر والذي تضمن محاور عن الحب الصوفي والحب والكراهية في الإطار الديني وفي الأدب واللغة وفي الإطار الاجتماعي والفنون ووسائل الإعلام والاتصال والذي خلص إلى الاهتمام بثقافة الحب وتعزيز مبادئها وقيمها في مجمل المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والإعلامية منها.
كما أكد على الدور الواضح والمفصلي للنخب الثقافية والفكرية والإعلامية في نشر ثقافة الحب بين الجمهور العام لتكون أساساً للتفكير والسلوك وبناء العلاقات الفردية والجماعية.
وركّز على موقف الثقافة العربية من الحب والإشادة بالمؤلفات التراثية المتخصّصة في هذا المجال والدعوة إلى إعادة نشرها وترويجها بين القرّاء والجمهور انطلاقاً من أن الاهتمام بثقافة الحب يعزز محبة الناس لأوطانهم وحقهم المشروع في مقاومة الاحتلال والدفاع عن الهوية والوجود بكل الأشكال.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن الحب هو ثاني أكبر وأعمق المحاولات الإنسانية نجاحاً بعد الإيمان بالله للخروج من أنانية الوحدة وأسر الذات الفردية والاندماج في الوجود الإنساني والاجتماعي الرحب وهو طريق الخروج من وحشة العزلة والأنانية إلى فضاء التعاون والتعاطف فإن الدمج بين المفهومين الهامين الذي قدمت فيه لهذا المقال بين ثقافة التنمية وثقافة الحب يعد مركز الانطلاق للعمل التنموي لأن الحب أو ما أستطيع أن أعبّر عنه بـ المحبة هو أساس العمل للتنمية والإبداع فالدمج بين هذين المفهومين هو العملية الإخصابية المؤدية لنجاح خطة التنمية.
وفي ذلك استطاع الاعتماد على معنى الحب لغةً ومضموناً فمعنى الحب في اللغة وفق"ابن منظور"يتركز على خمسة مفاهيم هي البياض والصفاء، والعلو والظهور، واللزوم والثبات، واللب والحفظ والإمساك.
كما أن المحبة تفسر بالإرادة والإيثار وهو ما جعلني أقارب بين ثقافة التنمية وثقافة الحب أو المحبة.
ففي معنى الإرادة ارتكزت إلى قوله تعالى:"فيه رجال يحبون أن يتطهّروا"وفي معنى الإيثار قوله تعالى:"إن استحبّوا الكفر على الإيمان"وفيه قوله تعالى:"وأما ثمود فهديناهم، فاستحبّوا العمى على الهدى".
ويأتي معنى المحبّة أيضاً بالإثابة ومنه قوله تعالى:"إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين".
فالحب نقيض للبغض والكراهية وهو في معناه مضاد للأنانية وفي ذلك يهدف الحب إلى جلب المنفعة للآخر وإلى إنكار الذات والتمسك بالقيم الاجتماعية المخلصة. وجميع دارسي مضمون الحب أو المحبة يؤكدون أن أساسه هو الزهد في النفع الشخصي والارتقاء إلى مرتبة من المحبة الروحانية تستمد من محبة الله التوجه إلى الكمال المطلق من منطلق محبة الله لذاته لا لثوابه وإحسانه وهو أساس مفهوم الإيمان بالأديان بشكل عام.
يقول تعالى:"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".
وإذا كانت الدراسة الاجتماعية والتربوية والنفسية الغربية ركّزت على المفهوم الجنسي للحب كما عند فرويد واعتمدت على نمو اتجاهات علمية تركزت على دراسة وتحليل واقع مسألة التربية الديموقراطية التي تشكل، وفق منطلقات الدراسات الغربية عملية متكاملة تتمثل في مبدأ العدالة الاجتماعية مبتعدين بمنطلقاتهم البحثية عن القيم الروحية للمجتمع التي ترسخها الأديان، الأمر الذي أفقد منتوج الحضارة الغربية المعاصرة ومجتمعاتها بنية التماسك الاجتماعي وأدى إلى الكثير من الفساد والحروب والاختراعات التدميرية والعمل على تجاوزها آليات ومنظمات إنسانية وهو ما جعل الكثير من الباحثين يناقشون هذا الأمر مؤكدين في الوقت ذاته على أهمية البعد الروحي لعملية التطور والبناء بمفاهيم المحبة الكامنة في الروح الإنسانية الراقية والمستندة إلى قيم وبنية صافية. الأمر الذي دعاهم إلى التأكيد على قيمة الحب في الحياة الإنسانية القابلة للتطور والبناء والعطاء وهو ما نستطيع أن نستعيده في دراستنا لإشكالية الحب أو لمفهوم الحب في تراثنا العربي الإسلامي الذي بيّناه من خلال المعاني اللغوية والأهداف في المضمون الإسلامي والتي تفتح لثقافة التنمية فضاءات واسعة من حيث تبنيها كقيمة إنسانية واجتماعية تؤمّن ديمومة الحياة الهانئة للجميع.
الشيخ عبدالحميد بن باديس تراث حي في مسار النهضة الجزائرية
نشر في الحياة
من خلال دراسة تاريخ الأمة نستخلص الصورة الصادقة لخصائص الشعب وطبائعه وطريقة تكوين اتجاهاته ومواقفه تجاه الأحداث. ولقد حرصت الشعوب الحية على دراسة تاريخها والبحث فيه وتحليل مجرياته كما حرصت النخبة على تدريس تاريخ الأمة قديمه وحديثه للأجيال الناشئة ترسيخاً لهويتها واعتداداً وتأكيداً للانتماء إليها وتشديداً على تحقيق التواصل الدائم غير المنقطع بين الماضي والحاضر. إنها طريقة في التعليم والتربية أكثر منها معلومات ومعارف فقط، لذلك كان التركيز دائماً على تدريس التاريخ الوطني وإنجازات الأمة في كل المجالات والميادين المعرفية قبل غيره من تاريخ وإنجازات الشعوب الأخرى في حين كان العكس يحصل في حال استلاب إرادة الأمة بالاحتلال أو مسميات الانتداب والحماية والاستعمار أو حتى بالغزو الثقافي من طريق المنح والمساعدات الدراسية. لقد كانت أنظمة المستعمر تفرض مناهج لدراسة التاريخ تستند أساساً الى تدريس تاريخها وإنجازاتها في محاولة لربط الشعوب المستضعفة بها تأكيداً لاستلاب هويتها الثقافية والوطنية وهو ما نجحت به عند بعض المجتمعات وأخفقت فيه عند البعض الآخر. وفي أمتنا العربية والإسلامية نجحت وأخفقت في آن واحد؛ نجحت حيث استطاعت تغريب ثقافة الكثير من كبار المتعلمين وربطهم بالثقافة الغربية ووضع منتوجات الثقافة العربية والإسلامية في سلة التخلف والاحتقار والإرهاب. وكان إخفاق مخططات الغزو الثقافي في الجانب المتعلق بالتراث العربي والإسلامي، فهذا الجانب على رغم من كل محاولات التحريف والتخفيف من أهميته، بقي مصاناًَ بقواعده وأصوله وطريقة دراسته وتدريسه. لذلك كانت دراسة التراث هي الملجأ الوطني لمواجهة أي نائبة أو كارثة تصيب الوطن وتحول دون تحقيق أهداف شعبه ومقاصده. وفي هذا الاطار ووفق الاهداف السامية للتراث عقدت مؤسسة الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس برعاية رئيس الجمهورية الجزائرية عبدالعزيز بوتفليقة، ملتقىً دولياً في قسنطينة مدينة الشيح ابن باديس وعاصمة الشرق الجزائري بعنوان «الفكر السياسي عند العلامة عبدالحميد بن باديس»، يومي 19 و20/ 5/ 2012. وشارك في الملتقى عدد كبير من الأساتذة والباحثين من الجزائر ومصر وسورية ولبنان وتونس والسعودية وفلسطين. افتتح الملتقى وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري بكلمة وبحث مفصل عن أهمية الملتقى في هذا الظرف السياسي الحساس الذي تعيشه الجزائر في إطار انتخاباتها التشريعية وتحديث مؤسساتها السياسية مستندة في ذلك إلى خصوصية الوضع الجزائري وإلى هوية مجتمعه وثقافته الإسلامية التي فصّل فيها وبيّن أهمية البناء عليها ومواكبتها لمنهج التطور الذي رسمه الشيخ ابن باديس. كما تحدث في جلسة الافتتاح د. عبدالعزيز فيلالي رئيس مؤسسة الإمام ابن باديس والأستاذ الجامعي المعروف، مبيناً دور المؤسسة ونشاطاتها في تسليط الضوء على تراث الشيخ ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عموماً ليكون ذلك قاعدة لحركة التطور النهضوي التي تنشدها الجزائر وأجيالها الناشئة الطموحة. أقيمت جلسات المؤتمر في المسرح الجهوي في وسط المدينة بحضور عدد كبير من المهتمين والباحثين وجمهور المدينة، الأمر الذي لفت الانتباه للاهتمام الشعبي بمثل هذه النشاطات الفكرية ولا سيما تلك المتعلقة بفكر ابن باديس، وتعاقب على رئاسة الجلسات عمار طالبي وأحمد حلواني وفراد أرزقي ومولود عويمر، وتناولت الأبحاث كل جوانب الفكر السياسي للإمام ابن باديس من حيث الفكر المقاصدي عنده في فتاواه السياسية ومفهوم الأمة وتكامل الفكر التربوي مع الفكر السياسي والعلاقة بين الوطنية والسياسة والوطن والوطنية في فكره. وقدم د. أحمد بن نعمان الباحث المتخصص في فكر ابن باديس، بحثاً عن مفهوم الوطن والوطنية في في هذا الفكر، مبيناً أن كل وطني هو سياسي ولا ينطبق العكس على هذه المقولة. وقدم د. علي بن محمد، مرجعيات الهوية الجزائرية في فكر الإمام، مؤكداً أن الإسلام والثقافة العربية بغض النظر عن الاثنية الأصلية هي المرجعية الأساسية للهوية الجزائرية في فكر ابن باديس. وقدم مولود عويمر بحثاً عن فكرة الحرية عند الشيخ الإمام، وتحدث فراد ازرقي عن مكانته في بلاد القبائل من خلال أشعار أمازيغية، في حين قدم د. عبدالحكيم الطحاوي الأستاذ الجامعي من مصر بحثاً عن علاقات ابن باديس بقضايا الشرق بحكم تكامل المشرق والمغرب العربي ضمن مفهوم الأمة الأكبر. تناول الدكتور أحمد حلواني الأستاذ الجامعي من سورية استقبال أهل بلاد الشام لفكر الإصلاح والنهضة عند الإمام من خلال مذكرات السياسيين السوريين (الشوام) والكتب والدراسات الصادرة عن مفكري النهضة في الجزائر والمغرب العربي عموماً، مبيناً اهتمام رجال النهضة والإصلاح بفكر ابن باديس خارج إطار الفكر القومي التعصبي الذي اعتمدته الأحزاب السياسية التي اعتنقت القومية على الطراز الأوروبي. وقدم عددٌ من الباحثين الآخرين أبحاثاً عن موقف ابن باديس من المؤامرة الدولية على فلسطين (فايد بشير من جامعة صطيف)، وعن تونس في زمن الاستعمار الفرنسي في فكر وكتابات الإمام (حمدي يامن من تونس). وخرج المؤتمر بمجموعة توصيات تتركز على أهمية دعم مؤسسة ابن باديس لتتمكن من متابعة مهامها النهضوية وإصدار أعمال ابن باديس وأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والدراسات المتعلقة بإنتاجاتهم وتشجيع الباحثين وطلبة الدراسات العليا المهتمين في هذا المجال. وترافق انعقاد الملتقى مع الاحتفال بيوم الطالب الجزائري الذي يرسّخ نضال الطلبة الجزائريين ومشاركتهم في الثورة الجزائرية التّحررية.
من خلال دراسة تاريخ الأمة نستخلص الصورة الصادقة لخصائص الشعب وطبائعه وطريقة تكوين اتجاهاته ومواقفه تجاه الأحداث. ولقد حرصت الشعوب الحية على دراسة تاريخها والبحث فيه وتحليل مجرياته كما حرصت النخبة على تدريس تاريخ الأمة قديمه وحديثه للأجيال الناشئة ترسيخاً لهويتها واعتداداً وتأكيداً للانتماء إليها وتشديداً على تحقيق التواصل الدائم غير المنقطع بين الماضي والحاضر. إنها طريقة في التعليم والتربية أكثر منها معلومات ومعارف فقط، لذلك كان التركيز دائماً على تدريس التاريخ الوطني وإنجازات الأمة في كل المجالات والميادين المعرفية قبل غيره من تاريخ وإنجازات الشعوب الأخرى في حين كان العكس يحصل في حال استلاب إرادة الأمة بالاحتلال أو مسميات الانتداب والحماية والاستعمار أو حتى بالغزو الثقافي من طريق المنح والمساعدات الدراسية. لقد كانت أنظمة المستعمر تفرض مناهج لدراسة التاريخ تستند أساساً الى تدريس تاريخها وإنجازاتها في محاولة لربط الشعوب المستضعفة بها تأكيداً لاستلاب هويتها الثقافية والوطنية وهو ما نجحت به عند بعض المجتمعات وأخفقت فيه عند البعض الآخر. وفي أمتنا العربية والإسلامية نجحت وأخفقت في آن واحد؛ نجحت حيث استطاعت تغريب ثقافة الكثير من كبار المتعلمين وربطهم بالثقافة الغربية ووضع منتوجات الثقافة العربية والإسلامية في سلة التخلف والاحتقار والإرهاب. وكان إخفاق مخططات الغزو الثقافي في الجانب المتعلق بالتراث العربي والإسلامي، فهذا الجانب على رغم من كل محاولات التحريف والتخفيف من أهميته، بقي مصاناًَ بقواعده وأصوله وطريقة دراسته وتدريسه. لذلك كانت دراسة التراث هي الملجأ الوطني لمواجهة أي نائبة أو كارثة تصيب الوطن وتحول دون تحقيق أهداف شعبه ومقاصده. وفي هذا الاطار ووفق الاهداف السامية للتراث عقدت مؤسسة الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس برعاية رئيس الجمهورية الجزائرية عبدالعزيز بوتفليقة، ملتقىً دولياً في قسنطينة مدينة الشيح ابن باديس وعاصمة الشرق الجزائري بعنوان «الفكر السياسي عند العلامة عبدالحميد بن باديس»، يومي 19 و20/ 5/ 2012. وشارك في الملتقى عدد كبير من الأساتذة والباحثين من الجزائر ومصر وسورية ولبنان وتونس والسعودية وفلسطين. افتتح الملتقى وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري بكلمة وبحث مفصل عن أهمية الملتقى في هذا الظرف السياسي الحساس الذي تعيشه الجزائر في إطار انتخاباتها التشريعية وتحديث مؤسساتها السياسية مستندة في ذلك إلى خصوصية الوضع الجزائري وإلى هوية مجتمعه وثقافته الإسلامية التي فصّل فيها وبيّن أهمية البناء عليها ومواكبتها لمنهج التطور الذي رسمه الشيخ ابن باديس. كما تحدث في جلسة الافتتاح د. عبدالعزيز فيلالي رئيس مؤسسة الإمام ابن باديس والأستاذ الجامعي المعروف، مبيناً دور المؤسسة ونشاطاتها في تسليط الضوء على تراث الشيخ ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عموماً ليكون ذلك قاعدة لحركة التطور النهضوي التي تنشدها الجزائر وأجيالها الناشئة الطموحة. أقيمت جلسات المؤتمر في المسرح الجهوي في وسط المدينة بحضور عدد كبير من المهتمين والباحثين وجمهور المدينة، الأمر الذي لفت الانتباه للاهتمام الشعبي بمثل هذه النشاطات الفكرية ولا سيما تلك المتعلقة بفكر ابن باديس، وتعاقب على رئاسة الجلسات عمار طالبي وأحمد حلواني وفراد أرزقي ومولود عويمر، وتناولت الأبحاث كل جوانب الفكر السياسي للإمام ابن باديس من حيث الفكر المقاصدي عنده في فتاواه السياسية ومفهوم الأمة وتكامل الفكر التربوي مع الفكر السياسي والعلاقة بين الوطنية والسياسة والوطن والوطنية في فكره. وقدم د. أحمد بن نعمان الباحث المتخصص في فكر ابن باديس، بحثاً عن مفهوم الوطن والوطنية في في هذا الفكر، مبيناً أن كل وطني هو سياسي ولا ينطبق العكس على هذه المقولة. وقدم د. علي بن محمد، مرجعيات الهوية الجزائرية في فكر الإمام، مؤكداً أن الإسلام والثقافة العربية بغض النظر عن الاثنية الأصلية هي المرجعية الأساسية للهوية الجزائرية في فكر ابن باديس. وقدم مولود عويمر بحثاً عن فكرة الحرية عند الشيخ الإمام، وتحدث فراد ازرقي عن مكانته في بلاد القبائل من خلال أشعار أمازيغية، في حين قدم د. عبدالحكيم الطحاوي الأستاذ الجامعي من مصر بحثاً عن علاقات ابن باديس بقضايا الشرق بحكم تكامل المشرق والمغرب العربي ضمن مفهوم الأمة الأكبر. تناول الدكتور أحمد حلواني الأستاذ الجامعي من سورية استقبال أهل بلاد الشام لفكر الإصلاح والنهضة عند الإمام من خلال مذكرات السياسيين السوريين (الشوام) والكتب والدراسات الصادرة عن مفكري النهضة في الجزائر والمغرب العربي عموماً، مبيناً اهتمام رجال النهضة والإصلاح بفكر ابن باديس خارج إطار الفكر القومي التعصبي الذي اعتمدته الأحزاب السياسية التي اعتنقت القومية على الطراز الأوروبي. وقدم عددٌ من الباحثين الآخرين أبحاثاً عن موقف ابن باديس من المؤامرة الدولية على فلسطين (فايد بشير من جامعة صطيف)، وعن تونس في زمن الاستعمار الفرنسي في فكر وكتابات الإمام (حمدي يامن من تونس). وخرج المؤتمر بمجموعة توصيات تتركز على أهمية دعم مؤسسة ابن باديس لتتمكن من متابعة مهامها النهضوية وإصدار أعمال ابن باديس وأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والدراسات المتعلقة بإنتاجاتهم وتشجيع الباحثين وطلبة الدراسات العليا المهتمين في هذا المجال. وترافق انعقاد الملتقى مع الاحتفال بيوم الطالب الجزائري الذي يرسّخ نضال الطلبة الجزائريين ومشاركتهم في الثورة الجزائرية التّحررية.
البيئة في ظلّ القيم والتقاليد: تركيز على البعد الأخلاقي
نشر في الحياة
البيئة وسلامتها، صحة وجمالاً، حقٌ لسكّان المعمورة يشكّل أساس استمرار الكون والحياة الهانئة السليمة. ونتيجة للتدهور الكبير الذي أصاب البيئة في العالم أجمع ودراسة إشكالات هذا التدهور وضرورة إيقافه صوْناً لسلامة الحياة البشرية وديمومتها، ازدادت الدراسات العلمية والمؤتمرات الإقليمية والدولية التي خُصّصت لهذا الأمر، وكان آخرها قمّة باريس حول المناخ، وقمّة مراكش للمناخ التي ركّزت على أولوية الزراعة والمياه، مع ما سبقهما من مؤتمر كيوتو في اليابان سنة1997، وقمة الأرض في ريودو جانيرو، وبروتوكول مونتريال المتعلق بالمواد المؤثّرة في طبقة الأوزون ومؤتمرات أخرى كثيرة تتعلّق بالأمطار الحامضة وتلويث البحار وترشيد استهلاك المياه (ينظر كتاب «تعرّف إلى علم البيئة» تأليف ديفيد بورني وترجمة هاني حدّاد، وزارة الثقافة- دمشق، 1992). إضافة إلى اتفاقية منع الإتجار بالحيوانات المهدَّدة بالانقراض، واتفاقية باريس التي وُقّعت في 2015 بشأن خفض انبعاث غازات التلوّث خصوصاً ثاني أوكسيد الكربون، ودعم التوجّه لتبنّي الطاقات النظيفة. ونشط الكثير من حماة البيئة في إنشاء مجموعات ضاغطة من متطوعين ومتبرّعين عبر جمعيات مدنية لنشر وعي جماهيري لحماية البيئة ومنع اختبار الأسلحة النووية، وإنشاء مراكز للتخلّص من النفايات، ومراكز بحوث لدراسات علمية في كل المجالات المتعلقة بالبيئة ومنها ما يتعلّق بسلامة البيئة البحرية مستذكرين اتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط وبرنامج العمل الإستراتيجي SAP إضافة إلى تأسيس أحزاب للبيئة كما حزب الخضر في ألمانيا. لقد ترافقت كل المؤتمرات والاتفاقيات والمبادرات مع نشاط توْعوي ببُعْد أخلاقي يرتكز إلى واجب الإنسان ودوره في الحفاظ على سلامة كوكبه ومحيطه. وإذا توقفنا مع هذا البُعد الأخلاقي المعتمد على علوم البيئة الاجتماعية وعلم التحليل النفسي أو الإيكولوجي وفق تيودور روزاك، مدير معهد علم النفس الإيكولوجي في جامعة كاليفورنيا (ينظر مدخل إلى الفكر الإيكولوجي -مجموعة من المؤلفين- ترجمة معين رومية، وزارة الثقافة في دمشق 2007) والتي يؤكد فيها أنّ مسؤوليتنا الأخلاقية نحو الطبيعة والمستقبل ذات أهميّة وراهنيّة لم نعهدهما من قبل، وهي مسؤولية لا يمكننا التهرّب منها، ففي أيدينا الجامحة واللامبالية حتى الآن يكمن مصير بيئتنا الطبيعية وإخوتنا من الأنواع الحية والأجيال اللاحقة). وإزاء هذه المقدمة التي بيّنت مدى الاهتمام العالمي بالبيئة ومخاطر تدميرها، نتساءل عن مدى تجاوب الإنسان العربي مع هذا الموضوع ومع الاهتمام العالمي، في ظل قيم مجتمعنا وعقائده وتقاليده والخطط الحكومية القائمة. من المتعارف عليه أنّ قيم المجتمع تتشكّل من مجموعة عوامل تستند إلى عقيدة المجتمع ونظرياته التربوية وتقاليده الاجتماعية ومدى تقيّده بالأنظمة وخطط البلد المنتسب إليه وقوانينه، ونستطيع اعتماد دراسات علم الاجتماع باعتبار العقيدة الدينية من أول العوامل المؤثّرة، تليها النظرية التربوية المعتمدة في النظام التعليمي والتطبيق الدقيق للأنظمة المعمول بها وفق القوانين من دون تفرقة أو فساد ورشى، وفي هذا يقول ابن خلدون إنّ «الإنسان كائن ثقافي أكثر منه كائناً عضوياً، لأن الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألِفَهُ في الأحوال حتى صار خلقاً ومَلكَة ، بحيث ينزل ذلك منزلة الطبيعة والجِبِلّة». اهتمامات ابن خلدون في علاقة البيئة بالإنسان لم تكن مقطوعةَ الصلة بماضيها، وانما جاءت امتداداً وتنقيحاً لما قبله من اهتمامات العلماء العرب والمسلمين الأوائل وفق ما جاء عند المسعودي في كتاب «التنبيه»، والمقدسي في «أحسن التقاسيم»، وابن فضلان في رسالته، إذ بيّنوا جميعهم أنّ سبب انتشار الأوبئة يعود إلى تبدّلات الجو وفساد الهواء (ينظر كتاب حماية البيئة في الحضارة الإسلامية، د. محمد يونس، الرافد- دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، 2014)، كما ابن رضوان في رسالته عن تلوّث مياه النيل «دفع مضار الأبدان بأرض مصر والسودان». أما الأطباء العرب والمسلمون، فقد توسّعوا في الحديث عن إفراط الكيفيات على الهواء من بخار المياه الراكدة والمتعفّنة وروائح الجيف والقتلى المسببة للحمى الوبائية وفق الزهراوي الطبيب المشهور. ما قدمناه من عرضٍ سريعٍ لاهتمام العلماء والكتّاب في التراث العربي والإسلامي، يؤكد أنّ موضوع حماية البيئة لم يغب عن قيم الحياة العربية الإسلامية، فالمطالبة بمنع الإضرار بالبيئة تظهر بوضوح في الفقه الذي استند إلى: 1- درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح. 2- لا ضرر ولا ضرار. ففي درء المفاسد كانت النظم تمنع طرح النفايات والجيف في الأسواق والطرقات، كما تمنع طرح كلّ أنواع الزبالة والمعوِّقات في الطرقات وفق الحديث المأثور: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة». وعليه، صار وضع خطط المدن أو هندستها وفق الاصطلاح المعاصر، والضوابط التي تحكم تصرفات المسلم تجاة البيئة محكومة بالقاعدتين المذكورتين، يضاف إليهما الحرص الشديد على الزراعة وفق الحديث الشريف: «لو جاءت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها في الأرض». والحرص الكبير أيضاً على نظافة الماء من تلويثه باعتباره طاهراً طهوراً. والآية الكريمة تقول: «وجعلنا من الماء كلّ شيء حي». ونخلص إلى أنّ التربية الإسلامية ركّزت بشكل واضح على تحمّل المسلم مسؤولية حماية البيئة بتأمين نظافتها والامتناع عن كل ما يفسدها، بحيث ارتبطت النظافة بالتقاليد الاجتماعية، وأصبح تعبير: «النظافة من الإيمان» تقليداً ملزماً على الصعيدين الشخصي والعام. لكن الواقع المعاصر الذي تشكّل نتيجة عوامل متشابكة من حيث التخلّف والأميّة التي ترافقت مع فترة الاحتلال وانتشار صراعات وتعصّبات لمذاهب أيديولوجية متباينة، قوّض الكثير من التقاليد التي رسختها التربية وحوّل مفاهيمها، فأصبحت شخصانية بدلاً من عامة أو شعاراتيّة بدلاً من التنفيذ والعمل، وقد أعاد البعض ذلك أيضاً إلى الأنظمة الشموليّة التي حكمت الكثير من الأقطار وطبّقت أنظمتها المستوردة خلافاً لتقاليدنا وتربيتنا الأصيلة. فصار الصرف الصحي، وهو من مسؤولية الحكومات، يصبّ في البحار أو الأنهار والوديان، وصارت القمامة تُرمى على الشواطئ أو تُطمر في الأراضي والساحات، وصارت المسالخُ والمدابغ إلى جوار البيوت والمساجد والمدارس، والمعاملُ والمصافي تنفث دخانها في هواء المدن وتُرمى عوادمها على الأراضي ومزروعاتها، وغيره الكثير. أما الأنظمة، فقد انتشر التفاوت في تطبيقها وعدم تطويرها بما يلائم مستجدات الحياة الصناعية والزراعيّة المتسارعة، إضافة إلى الفساد والرشى التي استشرت إلى حدّ التغوّل. الأمر الذي يدعو وبقوةٍ وإيمانٍ عميق إلى العودة إلى الأصول في قيَمنا وعدمِ الاكتفاء بالقول دون الفعل، تأكيداً للقول المأثور «لا ينفع قول لا فعل فيه»، مستذكرين ما نُقل عن الشيخ محمد عبده حين عودته من فرنسا: «لقد وجدت الإسلام في فرنسا ولم أجد المسلمين، ووجدت المسلمين في بلادنا ولم أجد الإسلام!». إن البيئة التي نعيش فيها بحاجة ماسّة إلى تطبيق القيم التي استندت إليها تربيتنا بالمفاهيم الأصيلة المستندة إلى أخلاقية المجتمع بعمومه، ومساواة تطبيق الأنظمة على الفرد والجماعة، بما فيه المؤسسات ومسؤوليها، ومساءلة المخالفين مهما علت مراتبهم ومسؤولياتهم، فالمسؤولية خدمة وعبء من منطلق خادم القوم سيّدهم، فلا ميزة من دون خدمة كاملة بإخلاص وتفانٍ. إنّ ثورة تعيشها بلدان العالم سمّيت بالثورة الكونية، وفي هذا يتحدّث المفكر المصري د. سيد يس محدداً الثورة الكونية بأبعاد ثلاثة هي: السياسية والقيمية والمعرفية، ونستطيع إدراج موضوع البيئة في حياتنا العربية بالبعدين الثاني والثالث، مستبعدين في حالتنا القائمة البعد الأول على رغم أن بعض الدول شكّلت أحزاباً للبيئة كما ذكرنا، فقد استخدم باحثون كبار موضوع الانتقال من القيم المادية إلى القيم مابعد الحداثية وفق الباحث الأميركي أنكل هارت، إذ أدرجت قائمة كبيرة وجديدة أثّرت في طريقة حياة المجتمعات الغربية المعاصرة، وشكّلت حياة بقيم جديدة، يمكن التوقف عند بعضها وهو حماية البيئة، وبغض النظر عن قبولنا أو عدمه لقيم المجتمعات الغربية، فإن ضرورة الانفتاح على مسيرة المجتمعات المتطوّرة والانفتاح على دراستها والاستفادة منها وفق ما تقتضيه الضرورات، هو أمر مهم كما كان حال المجتمع الأندلسي في اهتمامه بالانتاج الثقافي الغربي وترجمة أمهاته. قد يقول قائل إن مجتمعاتنا لا تزال تبحث عن إشباع حاجاتها الأساسية الماديّة منها، لأنها تعيش حال فشل واضحٍ في إشباع حاجاتها (في ظلّ القهر المعمّم، والحرمان من الديموقراطيّة) وفق سيد يس. وهو ما جعل المجتمعات العربية والإسلامية في غالبيتها تؤمن بقيمها نظرياً فقط من دون تطبيق عام، مكتفية بالبحث الدائم عن سدّ الحاجات الأساسية، في حين أنّ وعياً واسعاً لا بدّ من أن يجد مجاله الحيوي والملائم، بخاصة أن توسّعاً في التعليم بمختلف مستوياته وتخصصاته أصبح أمراً واقعاً يساعد في نشر وعي كبير يحقّق الربط بين بين تأمين الحاجات وحماية بيئته وفق قيمه ومعتقداته، وهو ما يتطلّب من وسائل الإعلام بشكل خاص وجميع ميادين الدعوة والتربية والتعليم التركيز عليها وتوضيح طرائق حمايتها وأهميتها حياتياً وعلمياً.
البيئة وسلامتها، صحة وجمالاً، حقٌ لسكّان المعمورة يشكّل أساس استمرار الكون والحياة الهانئة السليمة. ونتيجة للتدهور الكبير الذي أصاب البيئة في العالم أجمع ودراسة إشكالات هذا التدهور وضرورة إيقافه صوْناً لسلامة الحياة البشرية وديمومتها، ازدادت الدراسات العلمية والمؤتمرات الإقليمية والدولية التي خُصّصت لهذا الأمر، وكان آخرها قمّة باريس حول المناخ، وقمّة مراكش للمناخ التي ركّزت على أولوية الزراعة والمياه، مع ما سبقهما من مؤتمر كيوتو في اليابان سنة1997، وقمة الأرض في ريودو جانيرو، وبروتوكول مونتريال المتعلق بالمواد المؤثّرة في طبقة الأوزون ومؤتمرات أخرى كثيرة تتعلّق بالأمطار الحامضة وتلويث البحار وترشيد استهلاك المياه (ينظر كتاب «تعرّف إلى علم البيئة» تأليف ديفيد بورني وترجمة هاني حدّاد، وزارة الثقافة- دمشق، 1992). إضافة إلى اتفاقية منع الإتجار بالحيوانات المهدَّدة بالانقراض، واتفاقية باريس التي وُقّعت في 2015 بشأن خفض انبعاث غازات التلوّث خصوصاً ثاني أوكسيد الكربون، ودعم التوجّه لتبنّي الطاقات النظيفة. ونشط الكثير من حماة البيئة في إنشاء مجموعات ضاغطة من متطوعين ومتبرّعين عبر جمعيات مدنية لنشر وعي جماهيري لحماية البيئة ومنع اختبار الأسلحة النووية، وإنشاء مراكز للتخلّص من النفايات، ومراكز بحوث لدراسات علمية في كل المجالات المتعلقة بالبيئة ومنها ما يتعلّق بسلامة البيئة البحرية مستذكرين اتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط وبرنامج العمل الإستراتيجي SAP إضافة إلى تأسيس أحزاب للبيئة كما حزب الخضر في ألمانيا. لقد ترافقت كل المؤتمرات والاتفاقيات والمبادرات مع نشاط توْعوي ببُعْد أخلاقي يرتكز إلى واجب الإنسان ودوره في الحفاظ على سلامة كوكبه ومحيطه. وإذا توقفنا مع هذا البُعد الأخلاقي المعتمد على علوم البيئة الاجتماعية وعلم التحليل النفسي أو الإيكولوجي وفق تيودور روزاك، مدير معهد علم النفس الإيكولوجي في جامعة كاليفورنيا (ينظر مدخل إلى الفكر الإيكولوجي -مجموعة من المؤلفين- ترجمة معين رومية، وزارة الثقافة في دمشق 2007) والتي يؤكد فيها أنّ مسؤوليتنا الأخلاقية نحو الطبيعة والمستقبل ذات أهميّة وراهنيّة لم نعهدهما من قبل، وهي مسؤولية لا يمكننا التهرّب منها، ففي أيدينا الجامحة واللامبالية حتى الآن يكمن مصير بيئتنا الطبيعية وإخوتنا من الأنواع الحية والأجيال اللاحقة). وإزاء هذه المقدمة التي بيّنت مدى الاهتمام العالمي بالبيئة ومخاطر تدميرها، نتساءل عن مدى تجاوب الإنسان العربي مع هذا الموضوع ومع الاهتمام العالمي، في ظل قيم مجتمعنا وعقائده وتقاليده والخطط الحكومية القائمة. من المتعارف عليه أنّ قيم المجتمع تتشكّل من مجموعة عوامل تستند إلى عقيدة المجتمع ونظرياته التربوية وتقاليده الاجتماعية ومدى تقيّده بالأنظمة وخطط البلد المنتسب إليه وقوانينه، ونستطيع اعتماد دراسات علم الاجتماع باعتبار العقيدة الدينية من أول العوامل المؤثّرة، تليها النظرية التربوية المعتمدة في النظام التعليمي والتطبيق الدقيق للأنظمة المعمول بها وفق القوانين من دون تفرقة أو فساد ورشى، وفي هذا يقول ابن خلدون إنّ «الإنسان كائن ثقافي أكثر منه كائناً عضوياً، لأن الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألِفَهُ في الأحوال حتى صار خلقاً ومَلكَة ، بحيث ينزل ذلك منزلة الطبيعة والجِبِلّة». اهتمامات ابن خلدون في علاقة البيئة بالإنسان لم تكن مقطوعةَ الصلة بماضيها، وانما جاءت امتداداً وتنقيحاً لما قبله من اهتمامات العلماء العرب والمسلمين الأوائل وفق ما جاء عند المسعودي في كتاب «التنبيه»، والمقدسي في «أحسن التقاسيم»، وابن فضلان في رسالته، إذ بيّنوا جميعهم أنّ سبب انتشار الأوبئة يعود إلى تبدّلات الجو وفساد الهواء (ينظر كتاب حماية البيئة في الحضارة الإسلامية، د. محمد يونس، الرافد- دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، 2014)، كما ابن رضوان في رسالته عن تلوّث مياه النيل «دفع مضار الأبدان بأرض مصر والسودان». أما الأطباء العرب والمسلمون، فقد توسّعوا في الحديث عن إفراط الكيفيات على الهواء من بخار المياه الراكدة والمتعفّنة وروائح الجيف والقتلى المسببة للحمى الوبائية وفق الزهراوي الطبيب المشهور. ما قدمناه من عرضٍ سريعٍ لاهتمام العلماء والكتّاب في التراث العربي والإسلامي، يؤكد أنّ موضوع حماية البيئة لم يغب عن قيم الحياة العربية الإسلامية، فالمطالبة بمنع الإضرار بالبيئة تظهر بوضوح في الفقه الذي استند إلى: 1- درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح. 2- لا ضرر ولا ضرار. ففي درء المفاسد كانت النظم تمنع طرح النفايات والجيف في الأسواق والطرقات، كما تمنع طرح كلّ أنواع الزبالة والمعوِّقات في الطرقات وفق الحديث المأثور: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة». وعليه، صار وضع خطط المدن أو هندستها وفق الاصطلاح المعاصر، والضوابط التي تحكم تصرفات المسلم تجاة البيئة محكومة بالقاعدتين المذكورتين، يضاف إليهما الحرص الشديد على الزراعة وفق الحديث الشريف: «لو جاءت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها في الأرض». والحرص الكبير أيضاً على نظافة الماء من تلويثه باعتباره طاهراً طهوراً. والآية الكريمة تقول: «وجعلنا من الماء كلّ شيء حي». ونخلص إلى أنّ التربية الإسلامية ركّزت بشكل واضح على تحمّل المسلم مسؤولية حماية البيئة بتأمين نظافتها والامتناع عن كل ما يفسدها، بحيث ارتبطت النظافة بالتقاليد الاجتماعية، وأصبح تعبير: «النظافة من الإيمان» تقليداً ملزماً على الصعيدين الشخصي والعام. لكن الواقع المعاصر الذي تشكّل نتيجة عوامل متشابكة من حيث التخلّف والأميّة التي ترافقت مع فترة الاحتلال وانتشار صراعات وتعصّبات لمذاهب أيديولوجية متباينة، قوّض الكثير من التقاليد التي رسختها التربية وحوّل مفاهيمها، فأصبحت شخصانية بدلاً من عامة أو شعاراتيّة بدلاً من التنفيذ والعمل، وقد أعاد البعض ذلك أيضاً إلى الأنظمة الشموليّة التي حكمت الكثير من الأقطار وطبّقت أنظمتها المستوردة خلافاً لتقاليدنا وتربيتنا الأصيلة. فصار الصرف الصحي، وهو من مسؤولية الحكومات، يصبّ في البحار أو الأنهار والوديان، وصارت القمامة تُرمى على الشواطئ أو تُطمر في الأراضي والساحات، وصارت المسالخُ والمدابغ إلى جوار البيوت والمساجد والمدارس، والمعاملُ والمصافي تنفث دخانها في هواء المدن وتُرمى عوادمها على الأراضي ومزروعاتها، وغيره الكثير. أما الأنظمة، فقد انتشر التفاوت في تطبيقها وعدم تطويرها بما يلائم مستجدات الحياة الصناعية والزراعيّة المتسارعة، إضافة إلى الفساد والرشى التي استشرت إلى حدّ التغوّل. الأمر الذي يدعو وبقوةٍ وإيمانٍ عميق إلى العودة إلى الأصول في قيَمنا وعدمِ الاكتفاء بالقول دون الفعل، تأكيداً للقول المأثور «لا ينفع قول لا فعل فيه»، مستذكرين ما نُقل عن الشيخ محمد عبده حين عودته من فرنسا: «لقد وجدت الإسلام في فرنسا ولم أجد المسلمين، ووجدت المسلمين في بلادنا ولم أجد الإسلام!». إن البيئة التي نعيش فيها بحاجة ماسّة إلى تطبيق القيم التي استندت إليها تربيتنا بالمفاهيم الأصيلة المستندة إلى أخلاقية المجتمع بعمومه، ومساواة تطبيق الأنظمة على الفرد والجماعة، بما فيه المؤسسات ومسؤوليها، ومساءلة المخالفين مهما علت مراتبهم ومسؤولياتهم، فالمسؤولية خدمة وعبء من منطلق خادم القوم سيّدهم، فلا ميزة من دون خدمة كاملة بإخلاص وتفانٍ. إنّ ثورة تعيشها بلدان العالم سمّيت بالثورة الكونية، وفي هذا يتحدّث المفكر المصري د. سيد يس محدداً الثورة الكونية بأبعاد ثلاثة هي: السياسية والقيمية والمعرفية، ونستطيع إدراج موضوع البيئة في حياتنا العربية بالبعدين الثاني والثالث، مستبعدين في حالتنا القائمة البعد الأول على رغم أن بعض الدول شكّلت أحزاباً للبيئة كما ذكرنا، فقد استخدم باحثون كبار موضوع الانتقال من القيم المادية إلى القيم مابعد الحداثية وفق الباحث الأميركي أنكل هارت، إذ أدرجت قائمة كبيرة وجديدة أثّرت في طريقة حياة المجتمعات الغربية المعاصرة، وشكّلت حياة بقيم جديدة، يمكن التوقف عند بعضها وهو حماية البيئة، وبغض النظر عن قبولنا أو عدمه لقيم المجتمعات الغربية، فإن ضرورة الانفتاح على مسيرة المجتمعات المتطوّرة والانفتاح على دراستها والاستفادة منها وفق ما تقتضيه الضرورات، هو أمر مهم كما كان حال المجتمع الأندلسي في اهتمامه بالانتاج الثقافي الغربي وترجمة أمهاته. قد يقول قائل إن مجتمعاتنا لا تزال تبحث عن إشباع حاجاتها الأساسية الماديّة منها، لأنها تعيش حال فشل واضحٍ في إشباع حاجاتها (في ظلّ القهر المعمّم، والحرمان من الديموقراطيّة) وفق سيد يس. وهو ما جعل المجتمعات العربية والإسلامية في غالبيتها تؤمن بقيمها نظرياً فقط من دون تطبيق عام، مكتفية بالبحث الدائم عن سدّ الحاجات الأساسية، في حين أنّ وعياً واسعاً لا بدّ من أن يجد مجاله الحيوي والملائم، بخاصة أن توسّعاً في التعليم بمختلف مستوياته وتخصصاته أصبح أمراً واقعاً يساعد في نشر وعي كبير يحقّق الربط بين بين تأمين الحاجات وحماية بيئته وفق قيمه ومعتقداته، وهو ما يتطلّب من وسائل الإعلام بشكل خاص وجميع ميادين الدعوة والتربية والتعليم التركيز عليها وتوضيح طرائق حمايتها وأهميتها حياتياً وعلمياً.
دور الثقافات الشعبيّة في إبراز تراث الأمة وتأكيد خصوصيّتها
أخذ الاهتمام بالثقافات الشعبية العربية في مختلف الأقطار، أشكالاً في الإصدارات والدراسات والأبحاث والمؤتمرات، في مجالات واسعة لبحث واقع الثقافة الشعبية العربية، وأهمية دراستها وتحليلها وعلاقتها بقيم المجتمع، وما شابها من اختلاطات بسبب حالات الضعف والغزو والتداخل مع قيم الشعوب الأخرى المجاورة أو الغازية. فكثرت الإصدارات من المجلات المتخصصة والدراسات والكتب والندوات الجامعية، مثل ندوة جامعة عين الشمس في القاهرة وجامعة فيلادلفيا في عمان. وكلّها تؤكد أهمية هذه الثقافات من منطلق نظريات التحليل الحديثة والمعاصرة، والعمل على توظيف قيمتها الإيجابية في مختلف المجالات.
ومن خلال المتابعة لهذه النشاطات الثقافية، نجد فيها مجالاً مهماً لتأكيد خصوصيتنا وثقافتنا العربية الأصيلة ذات التراث الخصب والعريق، وهوية مجتمعنا أمام محاولات التفتيت الإثني والمذهبي، وكذلك الجغرافي، الذي تحاوله جهات خارجية ذات أهداف معادية للمجتمع العربي الإسلامي، متصلة بمواقف عدائية تجاه العرب والمسلمين.
ومن هذا المنطلق، فإن مبادرة النخب النهضوية الثقافية العربية تعدّ مهمة نبيلة ذات مغزى وطني جامع ومنفتح، وبعيد عن التعصّب الذي انتشر عند البعض بفعل تأثيرات تعصبية ذات منشأ أجنبي (من أصول استعمارية غربية تحديداً)، تبينت أخطاره وأخطاؤه من خلال الحراك الثوري العربي الأخير.
تؤكد حقائق الأمور أن العولمة لا تمثل خطراً حاسماً إلا على الشعوب والأمم التي تفتقر إلى ثوابت ثقافية، في حين أن الأمم التي تمتلك رصيداً ثقافياً وحضارياً غنياً، فإنها قادرة على الاحتفاظ بخصوصيتها والنجاة من مخاطر العولمة وتجاوز سلبياتها، وهي بذلك تستطيع التحكم بالآثار السلبية لهذه العولمة التي أصبحت ظاهرة واقعية تفرض نفسها بحكم قوة النفوذ السياسي والضغط الاقتصادي والتغلغل الإعلامي والمعلوماتي.
الآلية التي ينبغي أن ينصبّ عليها جهد المجتمع وقواه المثقفة، هي ترسيخ الثقافة الوطنية العامة بشكل يجمع كل أشكال الثقافات المحلية التي يزخر بها المجتمع العربي بحكم تركيبته الاجتماعية المتنوعة، والنظر إليها على اعتبارها عناصر أساسية رافدة للثقافة الوطنية الشاملة كقيمة ووعي وسلوك، وإجراء تحليلات دراسية وفق أساليب التحليل العلمي الحديث، ونشر هذه التحليلات بكل وسائل النشر، واعتمادها أكاديمياً بحيث تظهر هذه الدراسات التحليلية مختلف مكوناتها وأهدافها والأشكال الإبداعية فيها.
وفي هذا المجال، يمكن العودة إلى توصيات مؤتمر الثقافات الشعبية الذي عقدته جامعة فيلادلفيا الأردنية في مؤتمرها الدولي السادس عشر، والذي أكد على التنوع الثقافي والفكري في الحياة العربية، وطالب بتأسيس موقع إلكتروني وشبكة معلومات تقدم نماذج من الثقافات والفنون الشعبية العربية، وجمع مفردات هذه الثقافة وتطوير أساليب حفظها وفهرستها من منطلق أهميتها، والإعلاء من مكانتها بوصفها ذخيرة كبيرة في وجه محاولات التغريب والثقافة الاستهلاكية المعولمة.
كما دعت التوصيات الجامعات العربية إلى الاهتمام بالثقافة الشعبية في مقرراتها ومناهجها في الأقسام الأكاديمية ذات العلاقة، مع دعوة الجهات ذات الاهتمام بوضع معجم علمي شامل لمفردات الثقافات الشعبية ومصطلحاتها الأساسية في أقطار الوطن العربي الكبير كله، بقصد أن يكون هذا المعجم موسوعة وبوتقة جامعة شاملة لتنوّعات الثقافة الشعبية في أصولها وتطوّراتها وتأثيراتها الأدبية والاجتماعية.
تؤكد هذه التوصيات أهمية نشر وعي علمي عام في مفهوم الثقافة الشعبية، وتأكيد شموليتها لتنوعات الحياة العربية والإسلامية التي تجمع بدل أن تفرّق، لتشكّل لوحة فسيفسائية جميلة تضفي على الواقع العربي جمالية وغنى ووحدة.
دمشق وغوطتها: عراقة وجمال ومقاومة
د. فادية المليح حلواني
نشر في الحياة
تتميز دمشق الشام بغوطتها التي تحيطها إحاطة الأم لابنها فتمنحها الحماية والجمالية وعذوبة الطقس والغذاء من أجود الفواكه والخضراوات إضافة إلى كونها بؤرة يتمترس فيها الثوار دفاعاً عن دمشق التي يطلقون عليها اسم شام شريف بوصفها عاصمة ورمزاً لعزة الوطن والأمة، ومنطلقاً للثورة من اجل الحرية والكرامة. ولقد خصّت دمشق وغوطتها بالأحاديث النبوية الشريفة وبالتاريخ المجيد والقصائد المدبّجة بوصفها والإشادة بدورها وأهميتها. ففي الأحاديث النبوية يمكن الرجوع إلى أحاديث فضائل الشام للمحدث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط الذي بدأ بالحديث الأول: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ستفتح عليكم الشام، فإذا خيّرتم المنازل فيها، فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم وفسطاطها منها بأرض يقال لها الغوطة». (المسند ٤/١٦٠) والفسطاط الخيمة والحصن. جاء في مختار الصحاح للرازي: «الغوطة بالضم موضع بالشام كثير الماء والشجر وهي -غوطة- دمشق. وقد جاءت التسمية من غوط ماء بردى لتربة المنطقة وكثرة نباتاتها وأشجارها». وتعدّ غوطة دمشق من أفضل مناطق بلاد الشام طقسا وأخصبها ثماراً وخضرة وتنوعاً. أما سكانها فمن أكثر الناس حيوية ومهارة وشجاعة. ويسرد الشيخ الأرناؤوط ثلاثة عشر حديثاً، آخرها: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ينزل عيسى بن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق». مختتماً بقول مشهور يذكره الناس على انه حديث قدسي :»الشام كنانتي، فمن أرادها بسوء رميته بسهم منها». أما التاريخ، فقد أبدع ابن عساكر في موسوعته عن تاريخ دمشق، وذكر فضلها وتسمية من حلّها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها، حققها وأصدرها مجمع اللغة العربية في دمشق وتضمنت ذكر قرى وبلدات الغوطة وعلمائها وكبار زوارها ومآثرها. وأما الشعر، فكثير وجميل في جمال دمشق وغوطتها الغناء. يقول خليل مردم بك وهو رئيس المجمع العلمي العربي ووزير المعارف والخارجية وصاحب النشيد الوطني السوري (حماة الديار) (1859-1959): أدمشقُ ما لِلحُسْنِ لا يعدوكِ حتى خُصِصْتِ به بغير شريك سبحان من أعطاكِ أشهد أنه وفّى وزاد بسيبِه معطيك فبرزت للأبصار أروع مظهر في الحسن والإبداع عن باريك فُقْتِ الحواضرَ والبلاد بنسبة من (قاسيون) إلى الذرى تنميك يا مهبط السحر الحلال الم يكن (حسان) ينشي سحره من فيك وفي خوفه على دمشق يقول : بأبي الشام وأمي إنها كعبة الآمال والحصن الحصين وفي دعوته الى المقاومة من اجل حريتها يقول: وأمد الله قوما بذلوا دونها الأرواح بالروح الأمين أما شفيق جبري شاعر الشام فيقول: قالت دمشق وقد ناجيت غوطتها ومائج الدوح في جنبيّ مطرد ما أنت والبيد تطويها وتنشرها كأنها اليمّ منزوح به الأمد خلّ الفلا والمها والشيح إنّ لها ركباً من الجنّ لا يأوي لهم احد ويقول أيضا في دمشق وغوطتها داعياً بزوال ظلمتها وانقشاعها: مروج دمشق وغيطانها سقتك السحائب هتّانها وهبّت عليك نسيم الصّبا تناغي الجنان وأغصانها وحنّت إليك بنات الهديل ترتّل في الروض ألحانها سلام عليك مجال الهوى جلوت عن النفس أشجانها أما نهر دمشق بردى فيخاطبه خليل مردم مشبهه بسبائك الفضة كما صوّر البحتري بركة المتوكل فيقول: وكأنما بردى سبائك فضة تجري على دربها مسلوك ثم يخاطب دمشق وكأنه معها في هذه المرحلة: إني أرى بردى تفيض عيونه بدموعها حزناً على ماضيك حق الملاحة أن تصان وما أرى أهليك هذا الحق قد وفّوك وعن ضواحي دمشق القريبة والمستلقية على ضفاف بردى يقول: تذكرت الصبا وزمان كنا كأنا في الرياض فراشتان مغانينا التي نأوي إليها مقاصف – دمرٍ والنيربان - جرى بردى ينث لنا حديثا ألذّ من المثالث والمثاني سقى ورعى وحيّا الله عهداً بلغنا فيه معسول الأماني وألهمنا التجلّد في زمان نعاني من أذاه ما نعاني واختم بهذه الأبيات الرائعة في وصف الغوطة التي احتضنت الثورات: لله ما صنعت وما جادت به في الغوطتين يد الربيع الباكر بسطت وثير قطيفة فوق الثرى خضراء فيها كل لون زاهر من أحمر قان وأصفر فاقع أو أزرق زاهٍ وأبيض سافر حيّا جنان الغوطتين وجادها سمح القياد من السحاب الماطر مرآة أحلامي ومرتع صبوتي وهوى فؤادي بل ومتعة ناظري والزهر يلقاني بثغر باسم وبوجنة حمرا وجفن فاتر وأرى الغصون كأذرع ممدودة لتعانقٍ من بعد طول تهاجر والقصيدة طويلة تحدث عنها الدكتور جميل صليبا بإسهاب مركزاً على صورة الغوطة برياضها وأزاهيرها وخمائلها وأطيارها، بحيث يحن إليها كل قارئ لهذا الشعر حنين العاشق إلى معشوقه متطلعاً إلى لُقياها بنفس متعطشة إلى شذى رياحينها وعبق أزهارها وساجع أطيارها وانسياب غديرها وتعانق غصونها. ما قدمته هو محاولة في استرجاع صورة شاعرية أدبية لدمشق الفيحاء وغوطتها الغناء كما صوّرها شعراء الشام حبّاً بها، ليس لأنها موطنهم فقط، بل لأنها الحصن المرتجى للثقافة العربية والمنطلق للتفاعل مع الحضارة الإنسانية المعاصرة. ولهذا فإن تعلّقهم بها هو حب للوطن كله و للأمة العربية بكل ما تحمله من طموحات وآمال، من دون أن نتجاوز أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال في زيارته دمشق قادماً من لبنان: خلّفت لبنان جنّات النعيم وما نبِّئت أن طريق الخُلدِ لبنان آمنت بالله واسثنيت جنّته دمشق روح وجنّات وريحان جرى وصفّق يلقانا بها بردى كما تلقّاك دون الخلد رضوان وكذلك سعيد عقل في «شام يا ذا السيف لم يغب»، ونزار قباني الذي أعطى دمشق وياسمينها العذب ما تملكه موهبته الإبداعية. أتطلع إلى معرفة أبناء الأمة والعالم كله بحقيقة الشام ومغانيها التي تعيش نكبة مأسوية... مع رجاء بأن يحميها الله ويبقيها ذخراً وموئلاً لأهل بلاد الشام كلهم الطيبين المعطائين، وان يتعامل العالم كله مع الشام حباً وسلاماً كما تستحق حضارة وعطاء إنسانياً. إن المصائب والأحزان تجمعنا والسعي والأمل أليفينا، والهدف منشدة مع الشاعر خير الدين الزركلي صاحب الأعلام: لله والتاريخ والدم واللغى حقّ وللآمال والأوطان فهل يتعامل العالم والعرب أولاً مع هذا الحق بإيجابية تنقذه من مأساته المدمرة؟
نشر في الحياة
تتميز دمشق الشام بغوطتها التي تحيطها إحاطة الأم لابنها فتمنحها الحماية والجمالية وعذوبة الطقس والغذاء من أجود الفواكه والخضراوات إضافة إلى كونها بؤرة يتمترس فيها الثوار دفاعاً عن دمشق التي يطلقون عليها اسم شام شريف بوصفها عاصمة ورمزاً لعزة الوطن والأمة، ومنطلقاً للثورة من اجل الحرية والكرامة. ولقد خصّت دمشق وغوطتها بالأحاديث النبوية الشريفة وبالتاريخ المجيد والقصائد المدبّجة بوصفها والإشادة بدورها وأهميتها. ففي الأحاديث النبوية يمكن الرجوع إلى أحاديث فضائل الشام للمحدث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط الذي بدأ بالحديث الأول: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ستفتح عليكم الشام، فإذا خيّرتم المنازل فيها، فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم وفسطاطها منها بأرض يقال لها الغوطة». (المسند ٤/١٦٠) والفسطاط الخيمة والحصن. جاء في مختار الصحاح للرازي: «الغوطة بالضم موضع بالشام كثير الماء والشجر وهي -غوطة- دمشق. وقد جاءت التسمية من غوط ماء بردى لتربة المنطقة وكثرة نباتاتها وأشجارها». وتعدّ غوطة دمشق من أفضل مناطق بلاد الشام طقسا وأخصبها ثماراً وخضرة وتنوعاً. أما سكانها فمن أكثر الناس حيوية ومهارة وشجاعة. ويسرد الشيخ الأرناؤوط ثلاثة عشر حديثاً، آخرها: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ينزل عيسى بن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق». مختتماً بقول مشهور يذكره الناس على انه حديث قدسي :»الشام كنانتي، فمن أرادها بسوء رميته بسهم منها». أما التاريخ، فقد أبدع ابن عساكر في موسوعته عن تاريخ دمشق، وذكر فضلها وتسمية من حلّها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها، حققها وأصدرها مجمع اللغة العربية في دمشق وتضمنت ذكر قرى وبلدات الغوطة وعلمائها وكبار زوارها ومآثرها. وأما الشعر، فكثير وجميل في جمال دمشق وغوطتها الغناء. يقول خليل مردم بك وهو رئيس المجمع العلمي العربي ووزير المعارف والخارجية وصاحب النشيد الوطني السوري (حماة الديار) (1859-1959): أدمشقُ ما لِلحُسْنِ لا يعدوكِ حتى خُصِصْتِ به بغير شريك سبحان من أعطاكِ أشهد أنه وفّى وزاد بسيبِه معطيك فبرزت للأبصار أروع مظهر في الحسن والإبداع عن باريك فُقْتِ الحواضرَ والبلاد بنسبة من (قاسيون) إلى الذرى تنميك يا مهبط السحر الحلال الم يكن (حسان) ينشي سحره من فيك وفي خوفه على دمشق يقول : بأبي الشام وأمي إنها كعبة الآمال والحصن الحصين وفي دعوته الى المقاومة من اجل حريتها يقول: وأمد الله قوما بذلوا دونها الأرواح بالروح الأمين أما شفيق جبري شاعر الشام فيقول: قالت دمشق وقد ناجيت غوطتها ومائج الدوح في جنبيّ مطرد ما أنت والبيد تطويها وتنشرها كأنها اليمّ منزوح به الأمد خلّ الفلا والمها والشيح إنّ لها ركباً من الجنّ لا يأوي لهم احد ويقول أيضا في دمشق وغوطتها داعياً بزوال ظلمتها وانقشاعها: مروج دمشق وغيطانها سقتك السحائب هتّانها وهبّت عليك نسيم الصّبا تناغي الجنان وأغصانها وحنّت إليك بنات الهديل ترتّل في الروض ألحانها سلام عليك مجال الهوى جلوت عن النفس أشجانها أما نهر دمشق بردى فيخاطبه خليل مردم مشبهه بسبائك الفضة كما صوّر البحتري بركة المتوكل فيقول: وكأنما بردى سبائك فضة تجري على دربها مسلوك ثم يخاطب دمشق وكأنه معها في هذه المرحلة: إني أرى بردى تفيض عيونه بدموعها حزناً على ماضيك حق الملاحة أن تصان وما أرى أهليك هذا الحق قد وفّوك وعن ضواحي دمشق القريبة والمستلقية على ضفاف بردى يقول: تذكرت الصبا وزمان كنا كأنا في الرياض فراشتان مغانينا التي نأوي إليها مقاصف – دمرٍ والنيربان - جرى بردى ينث لنا حديثا ألذّ من المثالث والمثاني سقى ورعى وحيّا الله عهداً بلغنا فيه معسول الأماني وألهمنا التجلّد في زمان نعاني من أذاه ما نعاني واختم بهذه الأبيات الرائعة في وصف الغوطة التي احتضنت الثورات: لله ما صنعت وما جادت به في الغوطتين يد الربيع الباكر بسطت وثير قطيفة فوق الثرى خضراء فيها كل لون زاهر من أحمر قان وأصفر فاقع أو أزرق زاهٍ وأبيض سافر حيّا جنان الغوطتين وجادها سمح القياد من السحاب الماطر مرآة أحلامي ومرتع صبوتي وهوى فؤادي بل ومتعة ناظري والزهر يلقاني بثغر باسم وبوجنة حمرا وجفن فاتر وأرى الغصون كأذرع ممدودة لتعانقٍ من بعد طول تهاجر والقصيدة طويلة تحدث عنها الدكتور جميل صليبا بإسهاب مركزاً على صورة الغوطة برياضها وأزاهيرها وخمائلها وأطيارها، بحيث يحن إليها كل قارئ لهذا الشعر حنين العاشق إلى معشوقه متطلعاً إلى لُقياها بنفس متعطشة إلى شذى رياحينها وعبق أزهارها وساجع أطيارها وانسياب غديرها وتعانق غصونها. ما قدمته هو محاولة في استرجاع صورة شاعرية أدبية لدمشق الفيحاء وغوطتها الغناء كما صوّرها شعراء الشام حبّاً بها، ليس لأنها موطنهم فقط، بل لأنها الحصن المرتجى للثقافة العربية والمنطلق للتفاعل مع الحضارة الإنسانية المعاصرة. ولهذا فإن تعلّقهم بها هو حب للوطن كله و للأمة العربية بكل ما تحمله من طموحات وآمال، من دون أن نتجاوز أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال في زيارته دمشق قادماً من لبنان: خلّفت لبنان جنّات النعيم وما نبِّئت أن طريق الخُلدِ لبنان آمنت بالله واسثنيت جنّته دمشق روح وجنّات وريحان جرى وصفّق يلقانا بها بردى كما تلقّاك دون الخلد رضوان وكذلك سعيد عقل في «شام يا ذا السيف لم يغب»، ونزار قباني الذي أعطى دمشق وياسمينها العذب ما تملكه موهبته الإبداعية. أتطلع إلى معرفة أبناء الأمة والعالم كله بحقيقة الشام ومغانيها التي تعيش نكبة مأسوية... مع رجاء بأن يحميها الله ويبقيها ذخراً وموئلاً لأهل بلاد الشام كلهم الطيبين المعطائين، وان يتعامل العالم كله مع الشام حباً وسلاماً كما تستحق حضارة وعطاء إنسانياً. إن المصائب والأحزان تجمعنا والسعي والأمل أليفينا، والهدف منشدة مع الشاعر خير الدين الزركلي صاحب الأعلام: لله والتاريخ والدم واللغى حقّ وللآمال والأوطان فهل يتعامل العالم والعرب أولاً مع هذا الحق بإيجابية تنقذه من مأساته المدمرة؟
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)