السبت، 28 ديسمبر 2024

In response to the article written by Hilal Khashan titled “Why Syria Remains Ungovernable”

By Ahmad Helwani, PhD


In response to the article written by Hilal Khashan titled “Why Syria Remains Ungovernable,” published in Geopolitical Futures on December 26, 2024, it is clear that it contains numerous historical and methodological errors that must be corrected, as well as conclusions unsupported by sufficient evidence. Below is a response:


First: Historical Errors in the Article

1. Syria’s Independence

The author claims that Syria gained independence in 1943, which is a historical error. Syria achieved full independence on April 17, 1946, the day the last French troops withdrew from the country. This fundamental mistake highlights a lack of understanding of Syria’s historical context.

2. Demographics and Sectarian Composition

The author states that Sunnis constitute 60% of Syria’s population, which is inaccurate. According to reliable sources, such as the CIA World Factbook, Sunnis make up approximately 74% of the population*. This omission undermines the credibility of the analysis presented in the article.

*Source


3. Diversity in the Region

The claim that Syria is the most diverse country in the Middle East overlooks clear facts. Lebanon, for example, is far more diverse, with an officially recognized sectarian makeup of 18 distinct communities. A comparison with Lebanon reveals that the article ignores clear examples from the region.


Second: Methodological Errors in the Article

1. Framing Diversity as a Negative Factor

The author presents Syria’s ethnic and sectarian diversity as the primary reason for its alleged ungovernability, which is a biased and unscientific conclusion. There are many examples of diverse countries that have achieved political stability, such as Switzerland and the United States, where diversity has been a source of strength rather than weakness.

2. Bias Against the Syrian Opposition

The assumption that Al-Julani or any opposition figure is incapable of achieving peace or governance is subjective and lacks objectivity. This prejudgment reflects personal opinion rather than analysis supported by facts or experience.

3. Ignoring Syria’s Democratic Periods

The author disregards the era of Shukri al-Quwatli and the democratic phase of Syria after independence, when the country was governed under a parliamentary and democratic system before military interventions. This omission creates a misleading impression of Syria’s history.

4. Claiming Alawites and Druze Are Not Arabs

The assertion that Alawites and Druze are not Arabs is a significant error. The majority of Alawites and Druze identify as part of the Arab identity, as affirmed by their cultural and linguistic affiliations.


Third: Additional Points Worth Addressing

1. Population and Sectarian Statistics

The article either ignores or downplays the complexities of the Syrian conflict, overly emphasizing sectarian divisions while failing to consider geopolitical influences or foreign interventions, which have played a significant role in complicating the crisis.

2. Bias Against Rural Syrians

Describing rural Syrians in negative terms (such as uncivilized) reflects an unwarranted class bias. Historically, rural Syria has been an economic and cultural backbone, and it cannot be held solely responsible for political crises.

3. Misrepresentation of Political and Social History

The article paints a grim and unrealistic picture of Syrian society, ignoring periods of political prosperity and peaceful coexistence among sects during various phases of Syria’s history.


Conclusion


The article suffers from clear historical and methodological inaccuracies and obvious biases in interpreting events and addressing Syria’s demographic composition. A proper response to such articles must present the facts clearly and highlight the contradictions in the analysis. Syria is not “ungovernable” because of its diversity but due to external interventions and oppressive policies that have weakened national institutions.

بالرد على المقال الذي كتبه هلال خشان بعنوان “لماذا تظل سوريا غير قابلة للحكم”

بقلم د. أحمد حلواني


بالرد على المقال الذي كتبه هلال خشان بعنوان “لماذا تظل سوريا غير قابلة للحكم”، في مجلة Geopolitical Futures بتاريخ ٢٦/١٢/٢٠٢٤ يتضح أنه يحتوي على العديد من الأخطاء التاريخية والمنهجية التي يجب تصحيحها، بالإضافة إلى استنتاجات غير مدعومة بالأدلة الكافية. فيما يلي رد:



أولاً: الأخطاء التاريخية في المقال

1. استقلال سوريا

يدعي الكاتب أن سوريا نالت استقلالها في عام 1943، وهو خطأ تاريخي. سوريا حصلت على استقلالها الكامل في 17 أبريل 1946، وهو اليوم الذي انسحبت فيه آخر القوات الفرنسية من البلاد. هذا الخطأ الجوهري يُظهر ضعف المعرفة بالسياق التاريخي لسوريا.

2. التركيبة السكانية والطائفية

ذكر الكاتب أن السنة يشكلون 60% من سكان سوريا، وهو رقم غير دقيق. وفقًا لتقارير موثوقة مثل إحصاءات وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، يشكل السنة حوالي 74% من السكان*. هذا الإغفال يضعف مصداقية التحليل الذي يقدمه المقال.
المصدر

3. التنوع في المنطقة

الادعاء بأن سوريا هي الأكثر تنوعًا في الشرق الأوسط يتجاهل حقائق واضحة. لبنان، على سبيل المثال، يُعد أكثر تنوعًا بفضل تركيبته الطائفية التي تضم 18 طائفة معترف بها رسميًا. المقارنة مع لبنان تظهر أن المقال يُغفل أمثلة واضحة من الواقع.




ثانياً: الأخطاء المنهجية في المقال

1. التعامل مع التنوع كعامل سلبي

الكاتب يقدم التنوع العرقي والطائفي في سوريا كسبب رئيسي لعدم قابليتها للحكم، وهو استنتاج متحيز وغير علمي. هناك أمثلة عديدة لدول متنوعة نجحت في تحقيق استقرار سياسي مثل سويسرا والولايات المتحدة، حيث استطاع التنوع أن يكون مصدر قوة وليس ضعف.

2. التحامل على المعارضة السورية

الافتراض بأن الجولاني أو أي شخصية معارضة أخرى لن تتمكن من تحقيق السلام أو الحكم هو ادعاء غير موضوعي. هذا الحكم المسبق يعكس رأيًا شخصيًا وليس تحليلاً مدعومًا بالوقائع أو التجارب.

3. إهمال الفترات الديمقراطية في تاريخ سوريا

تجاهل الكاتب فترة شكري القوتلي والمرحلة الديمقراطية في سوريا بعد الاستقلال، حين كانت البلاد تُدار بنظام برلماني وديمقراطي حقيقي قبل التدخلات العسكرية. هذا التجاهل يخلق انطباعًا مضللًا عن تاريخ سوريا.

4. الادعاء بأن العلويين والدروز ليسوا عربًا

الادعاء بأن العلويين والدروز لا يُعتبرون عربًا هو خطأ فادح، إذ أن غالبية العلويين والدروز يعتبرون أنفسهم جزءًا من الهوية العربية، وهو ما تؤكده الانتماءات الثقافية واللغوية.




ثالثاً: نقاط أخرى تستدعي التعقيب

1. الإحصاءات السكانية والمذهبية

المقال يتجاهل أو يُقلل من تعقيدات الصراع السوري، مع التركيز المبالغ فيه على الانقسامات الطائفية، دون أن يأخذ في الاعتبار التأثيرات الجيوسياسية أو التدخلات الأجنبية التي لعبت دورًا كبيرًا في تعقيد الأزمة.

2. التحيز ضد الريف السوري

وصف سكان الريف السوري بصفات سلبية (مثل الفظاظة) في المقال يعكس تحيزًا طبقيًا غير مبرر. الريف السوري كان تاريخيًا ركيزة اقتصادية وثقافية، ولا يمكن تحميله مسؤولية الأزمات السياسية.

3. الإساءة للتاريخ السياسي والاجتماعي

المقال يُظهر صورة قاتمة وغير واقعية للمجتمع السوري، متجاهلًا فترات الازدهار السياسي والتعايش السلمي بين الطوائف في مراحل متعددة من التاريخ السوري.



إن المقال يعاني من أخطاء تاريخية ومنهجية وتحيزات واضحة في تفسير الأحداث والتعامل مع التركيبة السكانية. الرد على مثل هذه المقالات يجب أن يُظهر الحقائق بوضوح ويُبرز التناقضات في التحليل المطروح. سوريا ليست “غير قابلة للحكم” بسبب تنوعها، بل بسبب التدخلات الخارجية والسياسات القمعية التي أضعفت المؤسسات الوطنية.






الاثنين، 23 ديسمبر 2024

أهمية الحياة الحزبية في سورية

بقلم د. أحمد حلواني


في أعقاب سقوط النظام السوري مع بشار الأسد، يُطرح تساؤل بالغ الأهمية حول مستقبل الحياة السياسية في البلاد، وخاصة دور التنظيم الحزبي في سوريا الجديدة. لقد كانت التجربة الحزبية السورية منذ الاستقلال وحتى اندلاع الثورة عام 2011 محدودةً بظروف تاريخية معقّدة، بدءاً من التعدّدية النسبية التي ميّزت بدايات الاستقلال، مروراً بالمراحل التي ساد فيها نفوذ الأحزاب القومية واليسارية والاشتراكية، وانتهاءً بفترة حكم حزب البعث الذي أحال الحقل الحزبي والسياسي برمّته إلى مساحة مغلقة خاضعة للأجهزة الأمنية ومنزوعة من أي حيوية سياسية حقيقية.



مع ذلك، شهدت الحقبة التي تلت الاستقلال مباشرة (من 1946 حتى أواخر الخمسينيات) حراكًا حزبيًا متنوعًا شمل أحزابًا ليبرالية وقومية ودينية، فضلًا عن أخرى اشتراكية ويسارية. إلا أنّ هذا التنوع ظلّ هشًّا بسبب تعقيداتٍ سياسية واجتماعية عديدة، لم تسمح بإرساء تجربةٍ حزبيةٍ راسخة.



التجربة الحزبية في سوريا قبل البعث



بدايات التعدّدية الحزبية


في فترة ما بعد الاستقلال وأواخر الأربعينيات والخمسينيات، ظهرت أحزاب كالحزب الوطني وحزب الشعب، تمكّنت من تحقيق قدرٍ نسبيٍّ من الحضور السياسي، وعكست توجهات أكثر براغماتية وارتباطًا بالقضايا الوطنية الرئيسة، مثل الاستقلال والهوية السورية. إلا أنّ هذه التجربة لم تتحوّل إلى حياةٍ حزبيةٍ مستقرة؛ بسبب الانقلابات العسكرية المتتالية وتعاقب النخب السياسية على الحكم في ظلّ أجواء إقليمية مضطربة.



أثر الوحدة مع مصر وحلّ الأحزاب


جاءت الوحدة بين سوريا ومصر (الجمهورية العربية المتحدة عام 1958) لتغيّر المشهد جذريًا؛ فقد اشترط الرئيس المصري جمال عبد الناصر حلّ الأحزاب في سوريا، مقتديًا بما كان قائمًا في مصر آنذاك ضد ما وُصف بـ”الأحزاب الرأسمالية و الإقطاعية”. اختلفت الآراء حول هذه الخطوة؛ فمن رأى فيها ضرورةً لتوحيد الصف وإنجاح الوحدة، بينما عدّها آخرون ضربةً للعمل الحزبي السوري الناشئ، إذ حرمت البلاد من التنوع السياسي وأضعفت فرصة تطوّر تجربة ديمقراطية حقيقية، ولم تخدم عمليًا لا مصلحة سوريا ولا تجربة الوحدة السورية المصرية نفسها.



الثغرة العقائدية في بعض الأحزاب


على الرغم من التنوّع النسبي في التوجّهات، عانت بعض الأحزاب العقائدية الكبرى مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي، وحزب البعث، والحزب الشيوعي، من فجوةٍ واضحة بين خطابها وأولويات المجتمع السوري. فقد تمحورت تلك الأحزاب حول رؤًى أيديولوجية كبرى (قومية، اشتراكية، أممية) يغلب عليها الطابع النظري، من دون أن تُقدّم حلولًا واقعيةً لمشكلات المواطن الاقتصادية والاجتماعية. وبدلًا من وضع الإنسان في صلب برامجها، ركّزت على “مشروعٍ نهضويٍّ شامل” أو “واقعٍ افتراضيٍّ بديل” لا يراعي ظروف البلاد آنذاك، ما قلّل من جماهيريتها الفعلية وجعلها تبدو منفصلةً عن هموم الناس.



حزب البعث وفشله في بناء دولة وطنية



وصول البعث إلى السلطة


بعد انهيار تجربة الوحدة مع مصر وعودة الحياة السياسية إلى دمشق، وجد بعض قادة حزب البعث مجالًا للصعود بفضل خطابه القومي والاشتراكي. تمكّن الحزب من الاستيلاء على السلطة عام 1963 بدعم من حزب البعث العراقي بقيادة علي صالح السعدي، ثم قام حافظ الأسد ابتداءً من عام 1970 بتوطيد أركانه، محوّلًا الدولة إلى أداةٍ في يد حزبٍ شمولي. اعتمد النظام على جهازٍ أمنيٍّ قمعيٍّ ورفض التعدّدية السياسية والفكرية، مختزلًا الهوية الوطنية في منظورٍ قومي عربي لا يراعي التنوع الثقافي والديني والمذهبي للمجتمع السوري.



“الحزب القائد” وتهميش الأحزاب الأخرى


تبنّى حزب البعث مبدأ “الحزب القائد للدولة والمجتمع”، وأجبر بقية الأحزاب على العمل ضمن “الجبهة الوطنية التقدمية”، التي بقيت تحت عباءته ومن دون تأثير فعلي في القرارات المصيرية. هذا النهج الاستحواذي أدّى إلى تفريغ الدولة من حيويتها السياسية، وتآكل مشروعية النظام في نظر شريحة واسعة من الشعب، ما انكشف جليًا مع اندلاع الانتفاضة عام 2011 حين تعرّى النظام أمام أزماته الداخلية العميقة.



أهمية التنظيم الحزبي في سوريا ما بعد الأسد



بات من الواضح أنّ أي مشروع لإعادة بناء سوريا على أسس ديمقراطية لا يمكن أن يقوم على الفراغ السياسي أو الشخصيات الفردية فقط. فالعمل الحزبي المنظّم هو إحدى الركائز الرئيسة للديمقراطيات الحديثة؛ إذ يتيح إطارًا للمشاركة والرقابة وتمثيل مختلف المكوّنات المجتمعية ضمن مؤسسات منتخبة تحول الاهتمامات الشعبية إلي مواقف سياسية. من هنا، تبرز ضرورة تأسيس أحزابٍ وطنيةٍ حقيقية تأخذ على عاتقها صياغة الرؤى السياسية والبرامج الاقتصادية والاجتماعية، وتدعم آلياتٍ عادلة للمساءلة والتداول السلمي للسلطة.



الدولة المدنية ودور الأحزاب


الدولة المنشودة يجب أن تكون مدنية، قائمة على المؤسسات والقانون، لا على الطائفة أو العقيدة. وعليه، على الأحزاب أن تنطلق من قاعدةٍ مدنيّة تحترم التعدّدية وحرية المعتقد، مع اعتماد قوانين تُقرّ عبر حوارٍ دستوري شامل. هذا لا يعني التخلي عن الهويات الثقافية أو الدينية، بل يعني عدم فرضها على الدولة كأيديولوجيا رسمية. فمن الضروري أن تُقدّم الأحزاب برامج واقعية تطرح حلولًا لقضايا الاقتصاد والتنمية والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، بعيدًا عن الاكتفاء بالشعارات والمشاريع الإقصائية أو العقائدية.



الدولة المدنية أم الدولة العلمانية؟ وهل الأهمّ أن تكون الدولة “تنويرية”؟


في خضم النقاش حول مستقبل سوريا، قد يخلط البعض بين مفاهيم “الدولة المدنية” و”الدولة العلمانية”، وهناك من يطالب بعلمانيةٍ صارمة تفصل الدين تمامًا عن الدولة، فيما يكتفي آخرون بمبدأ الدولة المدنية التي تضمن حرية المعتقد والمساواة أمام القانون.

• الدولة المدنية: تقوم على المواطنة وسيادة القانون واحترام الحقوق والحريات، وتفصل بين السلطات؛ فلا يُحكَم الناس باسم الدين أو العسكر أو أيّ أيديولوجيا مفروضة. وهي لا تعادي الدين، بل تحيّده عن دوائر الحُكم.

• الدولة العلمانية: تعني الفصل المؤسسي بين الدين والدولة، لكن درجتها قد تختلف من بلدٍ لآخر؛ فقد تكون صارمة (نموذج فرنسا) أو مرِنة (نموذج بريطانيا أو الدنمارك).

• الدولة التنويرية (أو ذات المنحى التنويري): الأهمّ من التسمية (مدنية/علمانية) هو مدى التزام الدولة بقيم التنوير كالعقلانية وحقوق الإنسان والحرية؛ أي ضمان حرية الفرد والمجتمع في التفكير والاختيار ومساءلة السلطة.



دروس من التجربة السويسرية في إدارة التعدّدية



لماذا النموذج السويسري؟


أن الاعتراض باستحضار التجربة السويسرية يتنافى مع الانتقاد لاستيراد الأفكار من الخارج دون تمحيص بحكم اختلاف الواقع السوري عن الحالة السويسرية. لكن لا تهدف الإشارة إلى النموذج السويسري إلى استنساخٍ حرفيٍّ بقدر ما تسعى للاستفادة من تجربةٍ أثبتت نجاعتها في إدارة تنوّعٍ لغوي وديني وثقافي، ضمن إطارٍ فيدراليٍّ وديمقراطيٍّ توافقي. وفي الوقت الذي تواجه فيه دولٌ ديمقراطيةٌ عريقةٌ تحدّياتٍ مع صعود حركاتٍ شعبويةٍ يمينية (مثل الجبهة الوطنية في فرنسا أو حزب البديل من أجل ألمانيا AfD)، يبقى النموذج السويسري مثالًا ناجحًا للتعايش واستدامة الحوار والتوافق.



سويسرا: “علمانية مرنة” أم دولة مدنية؟


تتبع سويسرا شكلًا من أشكال “العلمانية المرِنة”، إذ لا تفصل الدين عن الدولة بشكل صارم، فبعض الكانتونات تعترف رسميًا بديانةٍ ما فيما لا تعترف أخرى بأيّ دين. ورغم ذلك يظل النظام الفدرالي برمّته قائمًا على مبدأ حيادية الدولة تجاه الأديان وصون الحريات الدينية للجميع. هذا النهج يجعل من سويسرا دولة مدنية ديمقراطية تحرص على حرية الفرد وسيادة القانون، ما يضمن احترام التنوع وضبطه ضمن إطارٍ سياسيٍّ مستقر.



آلية الحكم ودور الأحزاب في السلطة بسويسرا

1. الديمقراطية التوافقية

تميّز سويسرا نموذج “الديمقراطية التوافقية”، حيث تشارك الأحزاب الرئيسية في المجلس الفدرالي (الحكومة). يدفع هذا النظام الأحزاب إلى البحث عن حلولٍ وسط وتجنّب الإقصاء، ما يخفّف حدّة الاستقطاب السياسي.

2. الديمقراطية المباشرة

يتمتّع المواطنون في سويسرا بحق طرح مبادرات شعبية واستفتاءاتٍ متكرّرة، ما يعزّز الشعور بالمسؤولية المشتركة في صناعة القرار. وهذا يشجّع الأحزاب على تقديم برامجٍ واقعية ومحدّدة، وإشراك الناس في القرارات المفصلية.

3. التعدّد اللغوي والديني في إطار مشترك

تعترف الدولة السويسرية بأربع لغاتٍ رسمية، وتضمن حياديتها الدينية وحرية المعتقد. هذا يخلق انتماءً وطنيًا عامًا رغم التنوع القائم، ويحدّ من النزعات الانفصالية أو الاستقطابية فيها.



الأحزاب السويسرية: تركيز على البرامج المشتركة


رغم اختلاف التوجّهات بين اليمين المحافظ (حزب الشعب السويسري SVP/UDC) واليسار الاشتراكي (SP/PS) والليبراليين (FDP/PLR) والوسط (Die Mitte/Le Centre) والخُضر (GPS/PES وGLP/PVL)، تتقاطع جميعها في التركيز على قضايا واقعية كالضرائب والبنية التحتية والتأمينات الاجتماعية والبيئة، بدلًا من الانغماس في مشاريع أيديولوجيةٍ كبرى قد لا تجد تأييدًا واسعًا بين المواطنين.



الفرق بين أفكار الأحزاب السويسرية الحالية والأيديولوجيات الكبرى


بينما تسعى الأيديولوجيات الكبرى (كالقومية الشمولية أو الأممية الماركسية أو الاشتراكية المتشددة) إلى “إعادة صياغة” المجتمع والإنسان وفق رؤيةٍ فكريةٍ عابرةٍ للحدود، تطرح الأحزاب السويسرية – حتى الأكثر راديكاليةً ضمن الإطار السويسري – برامجًا ومبادراتٍ براغماتية تتمحور حول احتياجات المواطن. قد تستند هذه الأحزاب إلى خلفياتٍ فكرية أو قيمية معينة، لكنها تُكيّف توجّهاتها السياسية والاقتصادية والبيئية بحسب الواقع الفيدرالي والتعدّدي للبلاد، بدلًا من تقييد نفسها بعقيدةٍ شموليةٍ لا تتيح مساحة للمخالفة أو للتطوّر.



دروس مستفادة لسوريا الجديدة



1. اللامركزية والتوازن في الصلاحيات

يمكن لسوريا الاستفادة من نموذجٍ لامركزيٍّ في المناطق السورية، لضمان المشاركة المحلية وتجنّب عودة المركزية المطلقة.

2. التوافق والحوار السياسي

اعتماد آلياتٍ توافقية لتشكيل الحكومات والهيئات التشريعية يُعزّز المشاركة ويحدّ من تهميش أي طرف.

3. الديمقراطية المباشرة والرقابة الشعبية

إدخال استفتاءاتٍ شعبية وآليات محاسبةٍ ديمقراطيةٍ يساهم في إشراك المواطنين في اتخاذ القرارات المصيرية، ويمنع إعادة إنتاج الدكتاتورية.

4. التعدّدية الدينية واللغوية

ينبغي وضع قوانين ومؤسساتٍ حيادية تحترم مكونات الشعب السوري المتعددة، ما يحوّل التنوع السوري إلى مصدرٍ للثراء بدلًا من أن يكون سببًا للانقسام.



خاتمة



إن إدراك الأخطاء التاريخية في التجربة الحزبية السورية، ومحاولة تجاوزها عبر تأسيس أحزابٍ وطنية ديمقراطية، هو خطوة أساسية نحو بناء سوريا جديدة تتجنّب تكرار مآسي الماضي. وفي هذا المسعى، لا تتناقض الاستفادة من نماذجٍ ناجحٍة في العالم مع ضرورة مراعاة الخصوصية السورية؛ إذ يُمكن انتقاء الآليات الملائمة وتكييفها بما يتماشى مع الواقع المحلي.



ورغم التحدّيات التي تواجه حتى الديمقراطيات العريقة جرّاء صعود تياراتٍ شعبويةٍ يمينية، يظلّ النموذج السويسري دليلاً على إمكان ضبط التعدّد في إطارٍ فيدراليٍّ وديمقراطيٍّ تشاركي؛ وهو ما تحتاجه سوريا في طورها الجديد لتطوير عقدٍ اجتماعيٍّ يشمل الجميع ويؤسّس لإعادة بناء الدولة على أسسٍ مدنية عادلة. بذلك، يمكن لسوريا الانتقال من حقبة الاستبداد والدمار إلى حقبة البناء الديمقراطي الشامل، حيث تكون الأحزاب هي البيئة المؤسساتية الأولى لمعالجة هموم المواطنين وتطلعاتهم، في ظلّ دولةٍ مدنيةٍ تنويرية ترتكز على الحرية والعقلانية وسيادة القانون.

السبت، 21 ديسمبر 2024

بين صرخات الضحايا وصمت العالم … دروسٌ من الندم والواجب


بقلم د. أحمد حلواني

منذ ما يزيد عن أربعة عشر عاماً، انطلقت في سورية ثورةٌ شعبيةٌ سلميةٌ تطالب بالحرية والكرامة، فتصدّى لها نظام بشار الأسد بكلّ أدوات البطش. كانت تلك السنوات كفيلة بأن يرى العالم بوضوحٍ ما يحدث، ورغم ذلك، بقيت ردود الفعل الدولية في مجملها تتراوح بين الصمت والتواطؤ والخطابات الجوفاء. فبدل أن يتحمّل النظام وحده المسؤولية، رأينا العقوبات والأحمال تقع على كاهل شعبٍ كان يدفع ثمن تطلّعه للحرية. لقد أدرك الأسد وعائلته أنّه لا عقاب حقيقياً سيطاله، وأنّ العالم سيكتفي بالمشاهدة وإطلاق الوعود أو البيانات “القلقة”، فأمعن في قتل الأبرياء، ونهب ثروات البلاد، وتحويلها إلى مركزٍ للفساد وتجارة المخدرات، بينما دُفن صوت المطالبين بالحقوق تحت ركام منازلهم.


إنّ بقاء الأسد وعصابته في مأمنٍ من العدالة الدولية منحهم الجرأة على مواصلة الجرائم. لم يُعاقب على استخدامه السلاح الكيميائي، ولا على تهجير ملايين البشر، ولا على مئات آلاف المعتقلين والمغيبين قسرياً. كلّ ذلك حدث أمام كاميرات العالم، بينما كانت القوى الكبرى تنشغل بتبرير صمتها وازدواجية معاييرها، فتارةً تدّعي الحرص على “حماية الأقليات”، وتارةً تتذرّع بالحرب على الإرهاب، متجاهلةً أنّ الضحية الأكبر كانت أغلبية الشعب السوري، بكلّ تنوّعه الديني والعرقي والمذهبي. هذا الشعب هو الذي تلقّى الضربة، وطُحن تحت رحى الاستبداد، دون أن يحظى بنصرة حقيقية من عالمٍ يتغنى بحقوق الإنسان في العلن، ويتجاهلها عند المحك.


حين كُتبت التحذيرات قبل اثني عشر عاماً بأسماءٍ مستعارة، كان الهدف إنقاذ الأرواح لا مجرّد تسجيل موقف. ومع ذلك، تبقى أرواح الشهداء والمنكوبين والمهجّرين ومئات الآلاف من المعتقلين هي المعيار الأعلى الذي لا يفوقه أي خطاب أو نداء. إن تذكيرنا بتلك الرسالة القديمة ليس للتمجيد، بل للتأكيد على أنّ فرصاً عديدة أُهدرت، وأنّ المجتمع الدولي والعربي والإقليمي كان بإمكانه التدخّل في وقتٍ مبكر لمنع هذه المأساة. لكنّ الإدانة الخطابية والتمنّي من دون فعل حقيقي جعلت الدكتاتور يدرك أنه بمنأى عن العقاب، وأنّ من سيدفع الثمن هو الشعب لا غير.


وبعد أن حوّل النظام السابق سورية إلى ساحة صراع دولي وأرضٍ مستباحة، لا يسعنا إلا أن نطالب بالمراجعة الذاتية والنقد الذاتي. كيف وصلنا إلى هذه الحال التي نخاف فيها إبداء الرأي، ونضطر لاستخدام أسماءٍ مستعارة؟ وكيف نقبل أن تُدار شؤون بلدنا بمنطق الاستبداد والتبعية بينما نقف عاجزين؟ لا بد أن نتعلم أنّ الحرية ليست مطلباً فردياً، وأنّ حياة الإنسان أغلى من كلّ مزاعم السيادة الكاذبة، وأنّ التنوع الديني والمذهبي ليس ذريعة لحماية قاتل، بل دافعاً لصياغة عقد اجتماعي جديد يكفل المساواة والكرامة للجميع دون استثناء.


إنّ الكلام عن حماية “الأقليات” في وقتٍ تُذبح فيه الأغلبية وتُسحق تحت أقدام الطغيان، ليس سوى نفاق دولي مكشوف. فالواجب اليوم هو أن نعي أنّ من حق كلّ سوري، أياً كان معتقده أو لغته أو أصله، أن يحيا في كنف الحرية والأمن والعدالة. نحتاج إلى دولةٍ يحكمها القانون، لا عائلةٌ حاكمة ولا حزبٌ متحجّر الفكر. دولةٌ لا يخشى فيها الكاتب ذكر اسمه الحقيقي، ولا تكمّم فيها أفواه الصحفيين والمواطنين. بهذا فقط نضمن ألّا تتكرّر المأساة، وأنّ السنوات الطويلة من الألم والدم لن تذهب هدراً.


إنّ إعادة نشر الرسالة التي كُتبت قبل عقدٍ ونيّف، والتي وُضعت حينها على الصفحة الأولى في صحيفة الحياة، لا يرمي إلى تعظيم شأن قلمٍ مرتجفٍ خلف اسم مستعار، بل إلى توثيق زمنٍ كان التراجع عنه ممكناً لو أنّ العالم تدخّل وأصغى. أمّا اليوم، فالمطلوب هو وعيٌ حقيقي، ونقدٌ شجاع لأسباب الصمت والخذلان، وعزمٌ على تغيير المستقبل نحو حرية التعبير والمعتقد، ونحو دولة تُصان فيها كرامة الإنسان السوري دون أن تقتله رصاصةُ ديكتاتورٍ أو تفتك به “مخاوف” دولية جوفاء. الحرية والكرامة والحياة فوق كلّ اعتبار، وهذا الدرس الأهم الذي يجب أن نحمله معنا إلى الغد.

———————————————


التاريخ: آذار ٥, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة




رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأسد - بقلم رفيق الأحمد*

الرئيس الدكتور بشار الأسد،
ترددت طويلاً قبل ان أكتب رسالتي هذه، فلقد كنت على شبه يقين انك لا بدّ من ان تجد طريقاً للخلاص من الحالة الشعبية المنتفضة، بسلام يحفظ لسورية كرامتها ووحدتها ويردّ لشعبها بعضاً مما أعطاك وأمله فيك قبل تولّيك الرئاسة وبعدها.

وقد استندت في هذا الى تكوينك الشبابي الحداثي، ودراستك العلمية، واطّلاعك على تجارب العالم المعاصر، وزواجك من سيدة انكليزية من أصل سوري تنتمي الى عائلة محترمة من حيث الأب والأم، ومن مدينة حمص قلب سورية النابض بالحيوية والعطاء الوطني التي احتضنت رفات خالد بن الوليد وقدّمت مناضلين وطنيين قادوا مسيرة التحرر والبناء والتقدم.

قبل ان أبدأ رسالتي، اسمح لي ان أقدّم نفسي لكم، تعريفاً مختصراً:

أنا مواطن عربي سوري آمنت بدور لسورية طليعي في بناء وطن عربي حر متقدم وموحّد في ظلّ حياة ديموقراطيّة تظلّلها عدالة اجتماعية. وفي سبيل ذلك، عملت مع والدكم الرئيس الراحل حافظ الأسد ضمن مجموعة من الرفاق المؤمنين بالاهداف نفسها وواجهنا قوى متحزّبة متعصّبة لا ديموقراطية، فدعمنا الحركة التي قادها والدكم في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، وعلى رغم الصعوبات التي واجهت المسيرة، والتغيّرات التي رافقت الحركة بسبب طبيعة السلطة واغراءاتها، بقي الامل في ان تبقى سورية مركزاً عربياً معطاء للسوريين وللعرب بعامة، وبقيتُ مؤمناً بذلك، صامتاً عن كثير من الاساءات الشخصية والعامة التي ظهرت في الحياة السياسية السورية وانعكاساتها السلبية، بخاصة ان غالبية الاقطار العربية تعيش حالات مشابهة او أسوأ.

كما حرصت على المحافظة على تاريخ عملي في مواقع هامة في السياسة والادارة والنشاط النقابي، اضافة الى التدريس الجامعي. وعند وفاة والدكم والحالة التي وصل اليها البلد والتي رتّبها الوالد مسبقاً، وحرصاً على أمان سورية وتقدمها، وبحكم ما كنتَ تُظهره من مواقف وأفكار سياسية منفتحة، وتشجيع لمجموعة اعلان دمشق، وما كنت تتحدث فيه امام اعضاء الجمعية السورية للمعلوماتية، فقد تفاءلتُ مع كثيرين غيري بمقدمك ورئاستك، وترشيح نائب الرئيس لك، على رغم مخالفتها للأصول الديموقراطية والنظام الجمهوري وفكر حزب البعث الذي كان قد فقد دوره وتحوّل الى اداة استخباراتية وسلطوية.

ومع تقدم فترة رئاستك كان تراجعك عمّا كنت تُعلنه ورفعك الحصانة عن بعض أعضاء مجلس الشعب، الذين انتقدوا مظاهر الفساد في الادارة الحكومية التي تتمتع برعايتك، لدرجة اعتقالهم وتعذيبهم وإهانتهم.

لقد اتضح ان مباذخ السلطة والنفاق المصلحي من المحيطين والمقربين والمستفيدين والعلاقات مع المتموّلين العرب وهداياهم، والاستقبالات الدولية لكم ولزوجتكم، قد أنستكم الكثير من البرامج والخطط التي وعدت بها. وقد أعلنت ذلك في خطابك في مجلس الشعب بعد بداية الاحداث مبرراً تأخّر التنفيذ بانشغالات غير مقنعة من الجانب السياسي.

وعلى رغم قصور واضح في المفهوم السياسي لمعالجة الأحداث، ومع تطورها، بقيتُ آملُ بالعودة الى تكوينك المأمول بالاخلاص الوطني، وبالتالي بالبحث عن طرق للخلاص الديموقراطي، بحيث تتحول الى نموذج للأثرة والانتقال السلمي للسلطة. لكن ما حدث كان مخالفاً لكل توقّع، وتم الاعتماد على قوالب جاهزة من الاتهامات. وكأنك كنت تتعامى عن حقائق الأمور، معتمداً على نصائح المقرّبين وتقارير الاستخبارات وقوةٍ عسكرية تمّ تجييش غالبيتها مصلحياً وطائفياً بمزيد من الاسف، حتى وصل الامر الى تدمير لم يسبق أن شهدته سورية او اي دولة في العالم على يد حكامها الوطنيين، لا دفاعاً عن سلطة او حكومة شرعية او غير شرعية. فالسياسة الشرعية لها قيودها وشروطها، واتهام المنتفضين بأنهم عصابات ومرتزقة طريقة لم تعد مقبولة أو مجدية، بخاصة إذا اتُهمت شريحة واسعة من الشعب كما هو الحال في ما يحدث منذ سنتين. وهذا إذا تأدّى عن ذلك قتيل أو أكثر، فما بالك وقد قتل عشرات الألوف وشرّد الملايين ودمّرت المدن والبلدات والقرى والمزارع والمصانع وقوى الجيش الذي ضحّى الشعب السوري بموارده من اجل تأهيله كي يدافع عنه ويحرّر اراضيه المحتلّه؟

انّ ما يحدث في ظلّ رئاستك للقوات المسلّحة وللعمل السياسي الحكومي يجعلني على يقين بأنك لم تعد بشار الاسد الذي تفاءلنا به وبحداثته وبما أعلنه من أفكار للتحديث والتطوير.

إنّ شهوة السلطة التي تربيّت عليها وملذّاتها في ظل ديكتاتورية مطلقة ومستشارين منافقين ومقرّبين من الاقارب لا يشبعون يسترجعون طريقة الوالد وظروف حكمه واستعادته للسيطرة بعد اهتزاز... كل ذلك فعل فعله السلبي عندكم وانتصر على ارادة التحديث والتغيير السلمي والتوجّه الديموقراطي لسورية المستقبل، فأدخلتها في محرقة وجعلتها لعبة في يد الغرباء عنها وصرت انت خاضعاً لإرادات خارجية دفاعاً عن قراراتك وشخصك، في الوقت الذي تستهجن استماتة المعارضين لك في طلب مساعدة الخارج، وكأنك تبيح لنفسك ما ترفضه لغيرك متجاهلاً موقف الغالبية والرأي العام العربي والدولي خارج اطار الرأي الطائفي الذي اصبح الاساس لديك – مضطّراً اليه -، بسبب ما حشرت به حُكمك وطريقة معالجتك الدموية.

أعود لأقول انّ قراءة التاريخ السياسي السوري وسيرة الزعماء الوطنيين السوريين وتعاملهم مع الأحداث الصعبة لحماية امن سورية وشعبها ولحمتها الوطنية، هي الرجاء الوحيد في ما تبقى من الوقت لكم. وأولُ أمرٍ أتمنى حمايته هو في إبعادِ أبناء الطائفة العلوية الهامة في النسيج السوري، عن حالة العداء للغالبية من افراد الشعب السوري، وتخفيف حالة الحقد الذي يسترجع أحداثاً تاريخية لا دخل لأحد من الاجيال الحالية بها، كما يبقيهم على أوهام امكانية استمرار الفساد وفوائده، مما اكتسبوه ظلماً وعدواناً منهم وعليهم.

المطلوب والأمل والرجاء، هو في المشاعر السورية الحقيقية عندك وأسرتك وزوجك وأولادك وعشيرتك من الجبل والساحل السوري الى الجزيرة والفرات وشمال سورية ووسطها وجنوبها والى المهجّرين في لبنان والاردن والعراق وتركيا - التي ارتبطت معها بزيارات وصداقات ومصالح، كما دولة قطر الشقيقة التي لم تبخل عليكم - والى جميع المهجّرين في أرجاء العالم الواسع الذين يناجون المولى ان يهديكم سواء السبيل والمخرج وأن يحمي سورية ويحقق آمال شعبها.

* كاتب سوري











الثلاثاء، 17 ديسمبر 2024

الدولة إطار للحرية والقانون

بقلم د. أحمد حلواني



في الوقت الذي نضمد فيه جراح سورية بعد سنوات طويلة من تسلط نظام الأسد، تقف البلاد على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة. برحيل النظام، انكشفت الساحة السياسية على فراغ كبير، ما جعل سورية ساحة مفتوحة أمام القوى الدولية المتصارعة، بدءاً بإسرائيل التي سعت لتوسيع نفوذها في الجولان، ووصولاً إلى مساعي روسيا وإيران (ممثلتين ببوتين وخامنئي) اللتين طالما استغلتا وجود الأسد لترسيخ مصالحهما، وليس انتهاءً بالقوى الأخرى الطامعة في ثروات سورية الطبيعية وموقعها الاستراتيجي.


رغم أن هذه القوى قد لا ترى في سورية سوى حقول نفط وفرصاً لإعادة تنظيم خطوط أنابيب الغاز، أو مشاريع اقتصادية سريعة الربح، فإن المسؤولية الكبرى تبقى على عاتق الشعب السوري نفسه. وحده هذا الشعب قادر على صياغة عقد اجتماعي جديد، وبناء مؤسسات دولة مدنية حديثة تعيد لسورية مكانتها الإقليمية وثقلها الثقافي والإنساني. إنه الشعب الذي عانى القمع والتهميش وفقدان الكرامة لعقود، والذي يمكنه الآن، بإرادته الحرة، أن يضع أسس مجتمع يضمن حرية الاعتقاد والتعبير والملكية، ويعيد للإنسان السوري إحساسه بالانتماء والاعتزاز بهويته.


في هذا الإطار تشكل مواقف هيئة تحرير الشام بما فيه الصريح قائدها أحمد الشرع أحمد الشرع الهامة في ضمان مستقبل سورية الحرة، إضافة إلى عدم الانجرار إلى حرب جديدة مع إسرائيل، رغم الاستفزازات، خطوة حكيمة تساعد في تفادي استنزاف سورية من جديد في صراعات عبثية. كما أن حرص الهيئة على الحوار مع الأقليات الدينية والإثنية، والعمل على بلورة عقد اجتماعي مدني جامع، يعكس وعياً متزايداً بضرورة احتواء الجميع وبناء دولة تحترم التعددية. إنه مسار يشجّع على نبذ سياسات الماضي القائمة على تفرقة المجتمع والاستقواء بالخارج.


لكنّ الطريق نحو المستقبل يمرُّ حتماً عبر الاستفادة من دروس الماضي. فبعد نيلها الاستقلال عن فرنسا، خطت سورية خطوات مشهودة نحو الحداثة: تميّز دستورها الأوّل بحماية حرية التعبير، وصيانة حق التملك، وضمان حرية الأديان السماوية، وحماية مختلف الطوائف الدينية. هذه الوثيقة لم تكن مجرد نص قانوني، بل شهادة حيّة على تسامح السوريين وقدرتهم على تأسيس دولة تضمن التنوع وتحميه. إلا أنّ حقبة آل الأسد عطّلت هذا التطور، وحوّلت الدولة إلى أداة قمع واستغلال، وزرعت بذور الطائفية والفرقة في المجتمع، فضاعت القيم الدستورية الأصيلة التي أرستها تلك المرحلة المبكرة من تاريخ سورية المستقلة.


اليوم، ومع سقوط النظام الذي استغلّه بوتين وخامنئي لترسيخ نفوذهما على حساب السيادة السورية، تبرز حاجة ملحة لاستعادة تلك القيم وبناء إطار دستوري معاصر. هذا الإطار لن يكون مجرد عودة إلى الماضي، بل انطلاقة جديدة تدمج قيم الحرية والمواطنة والمساواة، وتغذيها بتجارب الشعوب الأخرى التي نجحت في بناء دول مدنية محايدة تجاه الأديان. فالهدف هو أن يسترد السوريون بيوتهم وأرضهم وحقوقهم، وأن يعيشوا بكرامة في وطنٍ يحفظ وحدة نسيجه الاجتماعي والثقافي ويتيح لأبنائه إعادة البناء الاقتصادي والثقافي. إن استعادة الاقتصاد الوطني وتحويله إلى رافعة للازدهار ليس مجرد رغبة في الرفاه المادي، بل هو جزء لا يتجزأ من إعادة نسج الهوية السورية على أساس الكرامة والحرية والإبداع.



1. الدين والدولة: التمييز بين الطبيعتين

الدين، بطبيعته، علاقة روحية شخصية بين الفرد وخالقه، وهو يقوم على الإيمان الحر والاختيار الفردي. أما الدولة، فهي كيان سياسي يسعى إلى تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات على أسس قانونية عادلة، تحمي الحقوق وتصون الحريات.


وقد عرّف الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط التنوير بـ "التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. وهذا القصور هو عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر. ويجلب الإنسان على نفسه ذنب هذا القصور عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، بل إلى العزم والشجاعة اللذين يحفزانه على استخدام العقل بغير توجيه من إنسان آخر. لتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك، ذلك هو شعار التنوير".
التنوير، إذن، دعوة للعقلانية والاستقلالية، لتحرير الإنسان من سطوة السلطات الدينية أو السياسية. فصل الدين عن الدولة ليس عداءً للدين، بل خطوة حتمية نحو ضمان حرية جميع الأفراد، بحيث يبقى الإيمان شأناً اختيارياً لا تفرضه السلطة ولا تستغله للتلاعب بالمجتمع.


إذا اختارت الدولة ديناً رسمياً، فهي تحوّل الروحاني إلى إجباري، وتضيّق دائرة التنوع. لتكون الدولة عادلة، عليها أن تظل محايدة تجاه الأديان، بحيث تُعامل مواطنيها على قدم المساواة، وتحمي حق كل فرد في اختيار معتقده.



2. الأساس القرآني لحرية الإيمان

الإسلام ذاته يدعو إلى حرية الإيمان، كما يتضح من الآيات القرآنية الكريمة:

"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌِ" (البقرة: 256)


"وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًاْ" (الكهف: 29)

هذا يؤكد أن الإيمان مسألة شخصية لا يجوز فرضها بالقوة. الدولة السورية المنشودة ليست مسؤولة عن إكراه أحد على دين معيّن، بل عن حماية هذا الحق وضمان حرية الاعتقاد للجميع.



3. التجربة التركية: دروس في فصل الدين عن الدولة

التجربة التركية في فصل الدين عن السياسة تقدّم درساً عملياً. أسست الجمهورية التركية على علمانية تمنع استغلال الدين سياسياً، دون أن تنكر وجوده أو تحجبه، بل تضمن حريته في إطار مدني. ورغم تحديات عديدة، ساهمت هذه الخطوة في تقليل الانقسامات الطائفية ووفّرت فضاءً للمساواة أمام القانون وحافظت على وحدة الجمهورية التركية.


4. مصدر التشريع: توافق القيم

لا ينبغي لمصدر التشريع في سورية المستقبل أن ينحاز لعقيدة بعينها. يمكن اعتماد منظومة قانونية مستمدة من القيم الإنسانية الجامعة، ومنسجمة مع الديانات الإبراهيمية، وعلى رأسها الإسلام كجزء من التراث الثقافي الغالب، دون أن يتحوّل إلى مصدر إقصائي وحيد. بهذه الطريقة، تُحترم هوية الأغلبية الدينية من دون إهمال حقوق الأقليات.



5. ضبط التسامح بالقانون

التسامح الذي ميز المجتمع السوري تاريخياً يحتاج اليوم إلى إطار قانوني يحميه من التراجع. القانون، هنا، ليس قيداً على الحرية بل حماية لها، إذ يضمن الالتزام بالتعددية والمساواة ويمنع الاضطهاد والتمييز الديني أو العرقي.



6. تجارب دولية: دروس من أوروبا

التجربة الأوروبية مثال على قدرة المجتمعات المتنوعة على التعايش في ظل قانون يساوي بين الجميع.
المهاجرون السوريون من خلفيات شتى نالوا حقوقهم هناك بناءً على مبدأ المواطنة، وليس على أساس الدين. هذه التجارب تؤكد أهمية الأسس القانونية والأخلاقية الجامعة في بناء مجتمع متعدد ومنسجم.



7. المواطنة هي أساس بناء الدولة

الدولة الحديثة تقوم على مفهوم المواطنة، حيث يتساوى الأفراد أمام القانون وتمنح الدولة لهم الفرص، مهما اختلفت معتقداتهم. الدولة المحايدة تحمي حق كل إنسان على الأراضي السورية، وفي الوقت ذاته تصون وحدة المجتمع.


الوطن ملك للجميع فتاريخ سورية يعلّمنا أن شخصيات من طوائف وأديان مختلفة، كفارس الخوري، ابراهيم هنانو، سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي مثلت البلاد في أوقات حرجة. اختيار القادة على أساس الكفاءة لا المذهبية والعنصرية، يحفظ وحدة الوطن ويحقق استثماراً أمثل لجميع طاقاته البشرية.



8. العقد الاجتماعي: أساس الدولة المحايدة

بحسب جان جاك روسو وغالبية المفكرين السياسيين من بعده، يقوم المجتمع السياسي على "عقد اجتماعي" يسنه المواطنون فيما بينهم لتحقيق العدالة. الدين، باعتباره شأناً روحياً، لا ينبغي أن يكون جزءاً من هذا العقد. الدولة المسؤولة عن إدارة شؤون الحياة المشتركة، لا عن تنظيم المعتقدات الفردية، تكون أكثر حصانة ضد الصراعات الطائفية.



9. الأخلاق كبديل مدني

القيم الإنسانية المشتركة، كالعدالة والمساواة والحرية، هي القاسم المشترك الذي يمكن للدولة الاستناد إليه. ليست هذه القيم حكراً على دين واحد، بل هي حصيلة التجربة البشرية جمعاء وإرث إبراهيمي. دولة القانون والعقلانية تضمن التعايش والاستقرار بعيداً عن التناحر الديني.



نحو دولة المواطنة والقانون

إن إعادة بناء سورية بعد سنوات من القهر والاستغلال الخارجي تتطلب إعادة الاعتبار للدستور والقانون، واستلهام قيم التسامح والانفتاح التي امتلكها السوريون في لحظات مشرقة من تاريخهم. في ظل التحديات الدولية والصراعات على الموارد، يبقى الخيار الوحيد للسوريين هو العمل على صياغة عقد اجتماعي يحمي التنوع ويطلق طاقات الإبداع الإنساني، ويضمن عودة المهجّرين إلى بيوتهم، وتوظيف الخبرات الوطنية لإعادة بناء اقتصاد وطني مزدهر، وثقافة حرة قادرة على إثراء الحضارة الإنسانية.


بتحرير الدولة من الوصاية العقائدية المتعددة وتحويلها إلى إطار محايد للحرية والقانون، يمكن للسوريين استعادة كرامتهم وبناء مجتمع حر وقادر على مواجهة التحديات. هكذا تصبح سورية وطناً لجميع أبنائها، ونموذجاً للتعايش في منطقة طالما عانت من الانقسامات، ورافداً ثقافياً يُسهم في إثراء الإنسانية جمعاء.

الخميس، 12 ديسمبر 2024

The Era of Syrian Renewal

By Ahmad Helwani, PhD

Syria’s Democratic Aspirations Amid Global Turmoil

For decades, the Syrian people suffered under a regime that exploited the country’s human and cultural diversity not as a source of national enrichment, but as a tool to sow division, weaken national unity, and reinforce its own authoritarian rule. Yet despite the long and murky horizon, Syrians have always carried within them a spirit of tolerance, innovation, and faith in a more just tomorrow. Today, with the fall of the ruling dynasty and the emergence of openly declared intentions among certain leaders to move toward more inclusive governance, Syria stands at a crossroads that could, at last, lead to the birth of a truly democratic society.

Observers may understand the skepticism they feel, given that Western media coverage frequently focuses on instability, sectarian fragmentation, and lurking foreign interests. It is not easy to ignore a painful past of repression, violence, and interwoven regional agendas. Still, another narrative is possible—one built on Syria’s deep-rooted heritage of coexistence, a renewed longing for dignity after years of autocratic stagnation, and the will to shape a future whose legitimacy stems from the people’s will rather than the whims of a single ruler.

A New Dawn for Syrian Democracy

It is worth remembering that the yearning for freedom did not suddenly spring forth in Syria. Before dictatorship tightened its grip, Syrians experienced a vibrant cultural and political life, upholding longstanding traditions of dialogue and acceptance of the other. The people have not forgotten these roots. Indeed, recent statements by certain victorious revolutionary leaders rejecting extremist, border-crossing rhetoric and focusing instead on local governance rooted in popular legitimacy may point to a genuine possibility of turning the page. Such a shift could open the door to healing wounds and building institutions founded on trust rather than fear, on participation rather than exclusion.

For Syria to become a democratic beacon in the region and beyond, it must draw lessons from effective global governance experiments in developed countries. In an era when the world urgently needs to rediscover the importance of democracy—at a time when even the largest democracies appear to be faltering, and when the distinction between a “republic” and a “democracy” is muddled by forces indifferent to the people’s voice—the nascent Syrian experience takes on special significance. Emerging democracies can offer what some established ones have failed to deliver: proof that the essence of democracy is not merely holding periodic elections, but elevating human dignity, freedom, and equality for all.

A Global Context: Democracy Under Strain

We live in an era not lacking in challenges. The rise of far-right movements in Europe—such as the Alternative for Germany (AfD) and Marine Le Pen’s National Front in France—and the confusion among some major powers about the core of democracy versus the mere trappings of republican institutions are alarming indicators. As the German physicist Prof. Sabine Hossenfelder pointed out in one of her podcasts, some elites within longstanding democratic systems have eroded public trust in institutions. The U.S. electoral system, for instance, suffers from issues like gerrymandering, misleading media, and debates over the Electoral College—all of which strip genuine meaning from popular votes.

From this perspective, Syria could serve as a living example of starting anew from a clean slate. To ensure this opportunity is not lost, it is imperative to hold fast to principles that transcend past rivalries: freedom of expression for everyone—especially those with whom we disagree—fair and transparent elections, robust institutions that can curb authoritarianism, and an unwavering commitment to human rights. Here, Noam Chomsky’s famous quote resonates: “If we don’t believe in freedom of expression for people we despise, we don’t believe in it at all.” Ensuring the safe expression of all voices is the cornerstone of building trust and credibility in this emerging system.

The Swiss Model of Direct Democracy: Lessons for Syria

If a practical source of inspiration is needed, the Swiss model of direct democracy stands out. It hinges on broad popular participation, not limited merely to parliamentary representation but extending to regular referendums and popular initiatives that give citizens a real hand in shaping legislation and decision-making. This system respects linguistic and cultural diversity, emphasizes consensus rather than conflict, and makes transparency and ongoing dialogue the lifeblood of political life.

Imagine a Syria where people turn to referendums to settle national issues, where religious and ethnic differences transform from political fault lines into sources of pride for a unifying national identity. Picture a political culture where extremism and confrontation are not rewarded, but where dialogue and bridge-building are prized. After suitable adaptations, Syria could adopt a new approach—respecting local particularities within a unified national framework, thereby strengthening the sense of belonging and laying the groundwork for lasting stability.

Building a Legacy of Freedom and Tolerance

This will not be achieved overnight. Healing the wounds inflicted by decades of authoritarianism will take time. Establishing solid democratic institutions demands patience, a commitment to civic education, and balanced public debate. Yet the resilience the Syrian people have shown through these long, harsh years—and their insistence on dignity, their welcoming of liberation movements—are evidence of their capacity to achieve the impossible. With inclusive policies, balanced laws, and a shared vision, Syria can entrench a democratic model that not only benefits its own citizens but also guides others, supported by international understanding of Syria’s realities.

As for current Israeli attacks on Syrian military sites, these stand in direct contradiction to the 1974 Disengagement Agreement between the then-Syrian regime and Israel, facilitated by the United States and its Secretary of State Henry Kissinger. This agreement, which ensured the absence of ongoing aggression between the two parties for the past 50 years, is now threatened by Israel’s attempts to bring it to an end. Such developments have not been considered by the current factions because the priority is to organize Syria’s internal situation. Only then can a renewed understanding be reached regarding the broader Arab situation and the legitimate Palestinian cause, as endorsed by the Arab Summit in Beirut in 2002.

We hope that at a time when democracy sometimes appears shaky, Syria can serve as proof that true democracy—founded on equality, freedom of expression, and mutual respect—can indeed rise from the rubble. By drawing on its rich heritage of tolerance and learning from global examples that have succeeded in expanding popular participation, Syria can become a testament to the truth that no matter how long the night of tyranny lasts, the sun of freedom can rise again.

زمن التجدد السوري

بقلم د. أحمد حلواني


آمال سورية الديمقراطية في ظل الاضطراب العالمي


على مدى عقود، عانى الشعب السوري تحت وطأة نظامٍ استغلّ التنوّع البشري والثقافي في البلاد لا بوصفه مصدر ثراء، بل كأداة لتفريق الصفوف، وإضعاف الوحدة الوطنية، وتعزيز سلطته الاستبدادية. ورغم ضبابية المشهد الطويل، لطالما حمل السوريون في داخلهم روح التسامح والابتكار والإيمان بغدٍ أكثر عدلاً. واليوم، مع سقوط السلالة الحاكمة وظهور نياتٍ معلنة من شخصيات قيادية للتحوّل نحو إدارة أكثر انفتاحاً، تقف سورية عند مفترق طرق قد يفضي في النهاية إلى ولادة مجتمع ديمقراطي حقيقي.


ربما يتفهّم المراقبون الشكوك التي تساورهم، إذ غالباً ما تُركّز التغطيات الإعلامية الغربية على عدم الاستقرار، والتفتّت الطائفي، والأطماع الخارجية المتربصة. وليس من السهل تجاهل ماضٍ أليمٍ من القمع والعنف والمصالح الإقليمية المتداخلة. لكن هناك سردية أخرى ممكنة، مبنية على الإرث السوري العريق في التعايش، وعلى توقٍ متجدد للكرامة بعد سنوات من الجمود الاستبدادي، وعلى إرادة صوغ مستقبل يستمدّ شرعيته من إرادة الشعب لا من نزوات حاكم فرد.


فجر جديد للديمقراطية السورية


ينبغي التذكير بأن النزوع نحو الحرية لم ينبت فجأة في سورية. فقبل تغوّل الدكتاتورية، عرف السوريون حراكاً ثقافياً وسياسياً حيوياً، وحافظوا على تقاليد عريقة في الحوار والقبول بالآخر. ولم ينسَ الشعب هذه الجذور. بل إن التصريحات الأخيرة لبعض القادة، الثوار المنتصرين عن نبذ الخطاب المتشدد العابر للحدود والتركيز على حكمٍ محلي يستمد شرعيته من الناس، قد تشير إلى إمكانية حقيقية لطي صفحة الماضي. هذا التحوّل يمكن أن يفتح الباب أمام التئام الجراح وبناء مؤسسات تقوم على الثقة بدل الخوف، وعلى المشاركة بدل الإقصاء.


وكي تصبح سورية منارة ديمقراطية في المنطقة والعالم، عليها استلهام الدروس من التجارب العالمية في الحكم القائم في دول العالم المتطور. إن العالم اليوم يحتاج أكثر من أي وقت مضى لإعادة اكتشاف أهمية الديمقراطية. ففي زمنٍ تبدو فيه كبرى الديمقراطيات وكأنها تتراخى، وحين يزداد الخلط بين “الجمهورية” و”الديمقراطية” لصالح قوى تتغافل عن صوت الشعوب، تكتسب التجربة السورية الناشئة أهمية خاصة. هنا يمكن للديمقراطيات الناشئة أن تقدّم ما عجزت عنه بعض الديمقراطيات الراسخة: أن تثبت أن جوهر الديمقراطية ليس مجرد إجراء انتخابات دورية، بل إعلاء كرامة الإنسان وحريته والمساواة بين أفراده.


سياق عالمي: الديمقراطية تحت الضغط


نحن نعيش في زمن لا يخلو من التحدي. فصعود التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا—كحزب البديل في ألمانيا (AfD) وحركة لوبان في الجبهة الوطنية في فرنسا—وارتباك بعض القوى الكبرى في التفريق بين الجوهر الديمقراطي والممارسات الجمهورية الشكلية، كلها مؤشرات مقلقة. كما أشارت الفيزيائية الألمانية سابين هوسنفيلدر في أحد برامجها الصوتية إلى أن بعض النخب في الأنظمة الديمقراطية الراسخة باتت تضعف الثقة الشعبية بالمؤسسات، وأن النظام الانتخابي الأميركي مثلاً يشهد مشاكل تلاعب تقسيم الدوائر الانتخابية والإعلام المضلل والجدل حول الهيئة الانتخابية، ما يفرغ التصويت الشعبي من مضمونه الحقيقي.


من هذه الزاوية، قد تشكّل سورية مثالاً حيّاً للبدء من جديد، على أساس نقي. ولضمان عدم ضياع هذه الفرصة، لا بد من التمسّك بمبادئ تتجاوز الخصومات الماضية: حرية التعبير للجميع—وخاصة لمن نختلف معهم—وانتخابات نزيهة وشفافة، ومؤسسات قوية تكبح الاستبداد، وتؤكد التزاما لا يتزعزع بحقوق الإنسان. وهنا تحضر مقولة نعوم تشومسكي الشهيرة: “إذا كنت لا تؤمن بحرية التعبير لمن تخالفهم الرأي، فأنت لا تؤمن بحرية التعبير من الأساس.” إن ضمان حق الجميع في التعبير الآمن أساسٌ لبناء الثقة والمصداقية في النظام الوليد.


النموذج السويسري للديمقراطية المباشرة: دروس لسورية


إذا كانت ثمة تجربة يمكن أن تقدّم إلهاماً عملياً، فهي التجربة السويسرية في الديمقراطية المباشرة. يعتمد النموذج السويسري على مشاركة شعبية واسعة، لا تقتصر على تمثيل نيابي وحسب، بل تمتد إلى استفتاءات دورية ومبادرات شعبية تمنح المواطنين دوراً فعلياً في صياغة التشريعات والقرارات. هذا النظام يحترم التعدد اللغوي والثقافي، ويشدّد على التوافق بدلاً من الصراع، ويجعل الشفافية والحوار المستمر نَسَغ الحياة السياسية.


تخيلوا سورية حيث يلجأ الناس إلى الاستفتاءات لحسم القضايا الوطنية، وحيث تتحوّل الاختلافات الدينية والعرقية من خطوط انقسام سياسي إلى مصادر اعتزازٍ بهوية وطنية جامعة. تخيلوا ثقافة سياسية لا يكافَأ فيها التطرف والصدام، بل تُقدَّر فيها قيمة الحوار وبناء الجسور. يمكن أن تتبنى سورية، بعد تكييفات مناسبة، نهجاً جديدا، فتُحترم الخصوصيات المحلية ضمن إطار وطني واحد، بما يعزّز الشعور بالانتماء ويؤسس لاستقرار دائم.


بناء إرث من الحرية والتسامح


لن يتحقق هذا بين ليلة وضحاها. ستستغرق عملية تضميد الجراح الناتجة عن عقودٍ من الاستبداد وقتاً طويلاً. وبناء مؤسسات ديمقراطية راسخة يتطلب صبراً والتزاماً بالتعليم المدني والنقاش العام المتزن. غير أن صمود الشعب السوري طيلة هذه السنوات العجاف، وإصراره على نيل كرامته واستقباله المؤيد لفصائل التحرير، تشهد على قدرة السوريين على اجتراح المستحيل. فمع سياسات شاملة، وقوانين متوازنة، ورؤية مشتركة، يمكن لسورية أن ترسّخ نموذجاً ديمقراطياً لا يخدم أهلها فحسب، بل ينير الدرب للآخرين برعاية دولية تتفهم هذا الواقعي السوري. أما الاعتداءات الإسرائيلية القائمة حاليا على المواقع العسكرية في سورية فهو يتناقض تناقضا تاما مع اتفاقية فك الارتباط التي عقدت بين النظام السوري في حينه و إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق وزير خارجيتها هنري كسينجر الذي يؤكد عدم وجود عدوان استمر بين الطرفين وهو ما تم خلال ال50 سنة الماضية ولكن إسرائيل تسعى إلى إنهاء هذا الاتفاق وهو ما لم تفكر به الفصائل القائمة لأن الأمر يعود إلى تنظيم الوضع السوري وبالتالي إجراء تفاهم حول الوضع العربي والقضية الفلسطينية المشروعة من جديد والتي وافق عليها مؤتمر القمة العربية في بيروت في عام 2002.




آملين أنه في زمن تبدو فيه الديمقراطية أحياناً مهتزة، يمكن للمثال السوري أن يثبت أن الديمقراطية الحقيقية—القائمة على المساواة، وحرية التعبير، والاحترام المتبادل—قادرة على النهوض من تحت الأنقاض. باستلهامها من تراثها العريق في التسامح، ومن نماذج عالمية نجحت في توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، يمكن لسورية أن تصير شاهداً على أن ليل الاستبداد مهما طال، فإن شمس الحرية قادرة على الشروق من جديد.




الأربعاء، 11 ديسمبر 2024

A New Syria in Light of the End of the Assad Regime

In light of the end of the Assad regime, Syria today is no longer the state once known for its ancient history and harmonious society. For decades, it has been subjected to systematic fragmentation of its social fabric and the destruction of its political and economic foundations under a dictatorial regime that employed violence to tighten its grip. Ever since the Baath Party seized power, the regime has worked to drain the country of its intellectual vitality and modernization projects. It deliberately fueled sectarian strife and religious incitement, employing its security and military apparatus to subjugate the Syrian people and silence their voices, thus depleting the historical reserve of coexistence in this richly diverse nation.

Before the Baath seized the reins of power, Syria experienced a more dynamic political life. The national governments of that era strived to build a successful modern state with a sound social fabric, working to create a balanced political climate that allowed various social components to participate actively in development and decision-making. However, when power became a tool wielded by a clique determined to impose its ideology by force, the balance was upended. Freedoms diminished, educational institutions were destroyed, and economic liberties were shackled by sectarian constraints. This paved the way for external powers to exploit the ensuing chaos.

In recent decades, Syria witnessed repeated attempts to resist the Baathist approach, which drew its models from the totalitarian systems of the communist bloc. Syrian society faced numerous forms of repression, most prominently killing and displacement, as well as deepening sectarianism and the stirring up of divisions among various social groups. Amid this atmosphere, movements and voices emerged demanding change—through demonstrations, statements, and proclamations. The “Damascus Declaration” was one such peaceful civic attempt, aiming to revive Syria’s inclusive national role and achieve a genuine democratic transition.

With the outbreak of the Syrian revolution, the rebels scored some field victories, reclaiming certain towns from the regime’s grip. This represented a turning point in the Syrian people’s awareness of their rights. Yet, this initial success did not settle the struggle. Chaos opened the door to regional and international interventions. The Assad family sold the entire country in exchange for power and hollow prestige, turning Syria into an international battleground exploited by Iran, distorting the image of Islam by spreading ignorance and intellectual stagnation, and stifling productive minds by corrupting universities, discouraging enlightenment, and restricting any economic advancement along tribal lines.

This turbulent scene made it easier to spread propaganda that portrayed Syrians—especially Muslims—as inherently incapable of peaceful coexistence, while conveniently forgetting the shining chapters of Syrian history. Syrians had once welcomed Jews fleeing the Inquisition in Andalusia and rescued Armenians escaping conflict with the Ottoman authorities. They also warmly received migrants from Central Asia, from Mediterranean islands such as Sicily, and from the Maghreb during historical crises, integrating them into Syrian life as citizens, leaders, scholars, and influential traders.

This concentrated historical amnesia made it easy to present Syrians as mere fuel for false conflicts, depicting them as inheritors of terrorism and thereby giving Israel a pretext to justify unjustified military incursions.

Despite this bleak picture, there remains an opportunity to revive Syria anew—an opportunity to restore vitality to this “broken old man” who has been detained behind the bars of repression for 54 years. The world must demand a constructive approach to the Syrian issue and seize this chance to achieve a genuine renaissance that returns the country to a path of development and stability. Rather than transforming Syria into a venue for settling regional and international scores, efforts must focus on healing wounds and opening the door for genuine national forces to rebuild state institutions, stimulate economic and cultural development, and respect social and religious diversity. In this way, the Syrian people can regain their right to live in dignity under the sunlight of freedom—precisely what they hope for from the leaders of liberation who achieved victory against the tyranny and corruption of the former regime.

Amid this complex landscape, international rhetoric has also emerged that treats Syria as nothing more than "sand and death", as described by U.S. President-elect Donald Trump. Such statements ignore the reality of an ancient people who have lived for thousands of years, contributing to humanity and its civilization. Even if the Syrian people are not currently viewed as friends, they deserve full human dignity. They can indeed become true allies in shaping a shared future based on mutual respect and cooperation, just as they have been over the centuries—hosting diverse peoples and minorities and providing refuge to the persecuted from other lands.

It is no coincidence that UNESCO has described Syria as a “cradle of civilization,” acknowledging that its cultural and historical legacy transcends its borders and belongs to all of humanity, rather than to any single party. Instead of following the principle of “divide and conquer,” which may offer some fleeting gains, the international community should strive to support Syrians and encourage them to live under a higher, more noble vision—one free from the snares of extremism and hatred. Such an approach honors the future of the region and the world. By helping restore Syria’s civilizational and humanitarian role, and elevating it above artificial divisions, we can transform a dark present into a historic opportunity for integration, coexistence, and shared human innovation.

سورية الجديدة على ضوء نهاية نظام الأسد

بقلم د. أحمد حلواني


على ضوء نهاية نظام الأسد لم تعد سورية اليوم تلك الدولة التي عُرفت بتاريخها العريق ومجتمعها المتآلف، فقد تعرّضت على مدى عقود لتفتيتٍ ممنهج لمكوناتها الاجتماعية، وتدمير لبُناها السياسية والاقتصادية، وذلك في ظل نظامٍ ديكتاتوري اتخذ من العنف سبيلاً لإحكام قبضته. لقد سعى هذا النظام، منذ أن تسلّق حزب البعث إلى السلطة، إلى إفراغ البلاد من حيويتها الفكرية ومشاريعها التحديثية، فعمد إلى بث الشقاق الطائفي والتحريض المذهبي، واستخدم أدواته الأمنية والعسكرية لإخضاع الشعب السوري وتكميم أفواهه، ما أدّى إلى استنزاف رصيد التعايش التاريخي في هذه الدولة الغنية بتنوّعها.


قبل استيلاء البعث على مقاليد الحكم، عرفت سورية حياة سياسية أكثر حيوية، حيث اجتهدت الحكومات الوطنية آنذاك في بناء دولة عصرية ناجحة تحمل طابعاً اجتماعياً سليماً، وتعمل على توفير مناخ سياسي متوازنٍ يتيح لمختلف المكوّنات الاجتماعية فرصة المشاركة الفاعلة في التنمية وصياغة القرارات. لكن مع تحوّل السلطة إلى أداةٍ بيد عصبة تسعى إلى فرض أيديولوجيتها بالقوة، اختلّت الموازين، وتراجع منسوب الحريات، ودُمّرت المؤسسات التعليمية، وقُيّدت الحريات الاقتصادية بقيودٍ طائفية، ما مهّد الطريق أمام قوى خارجية لاستغلال هذه الفوضى.


وقد شهدت سورية في العقود الأخيرة محاولاتٍ متكررة لمقاومة نهج البعث، الذي استلهم نماذجه من أنظمة المعسكر الشيوعي الشمولية، فواجه المجتمع السوري أشكالاً متنوعة من القمع، كان أبرز تجلّياتها القتل والتشريد، فضلاً عن تعميق الطائفية وإثارة الخلافات بين مختلف المكوّنات الاجتماعية. في هذا السياق، برزت حركات وأصوات مطالبة بالتغيير عبر التظاهر وإصدار البيانات والإعلانات، وكان “إعلان دمشق” مثالاً على هذه المحاولات المدنية السلمية، التي سعت إلى إعادة إحياء الدور الوطني الجامع وتحقيق انتقالٍ نحو ديمقراطية حقيقية.

ومع اندلاع الثورة السورية، حقق الثوّار انتصارات ميدانية باستعادة بعض البلدات من قبضة النظام، الأمر الذي شكّل نقطة تحوّل في وعي الشعب السوري بحقوقه. لكنّ هذا الانتصار لم يحسم المعركة، إذ أفسحت الفوضى المجال لتداخلات إقليمية ودولية. لقد باعت عائلة الأسد البلاد بأسرها لقاء سلطة وجاه زائفين، محوّلة سورية إلى ساحة صراعٍ دولي، تُستغل من قِبل إيران، وتُشوَّه فيها صورة الإسلام بصورةٍ تنشر الجهل والجمود الفكري، وتجمد العقول المنتجة عبر إفساد الجامعات ومنع التنوير وتقييد أي تقدّم اقتصادي بشكل قبلي.


لقد اسهم هذا المشهد المضطرب في تسهيل نشر دعاية تصور الشعب السوري ولاسيما المسلم منه بشكل خاص وكأنه عدو تاريخي أو عنصر غير قادر على التعايش السلمي متناسين صفحات مضيئة من تاريخ الشعب السوري حين احتضن اليهود الهاربين من محاكم التفتيش في الاندلس وانقذ الشعب السوري الأرمن الهاربين من معاركه مع السلطة العثمانية ، كما استقبلت بترحاب المهاجرين من آسيا الوسطى ومن جزر البحر المتوسط كصقيلية ومن المغرب العربي اثناء ازمات تاريخية وتحوّلو فيها الى مواطنين و قادة وعلماء وتجار مؤثرين في الحياة السورية.


هذا التناسي التاريخي المكثّف جعل من السهل تقديم السوريين كوقود لصراعاتٍ زائفة، تصوِّرهم وكأنهم إرهابيون بالوراثة، ما يقدم لإسرائيل غطاءاً يبرر لإسرائيل التوغّل عسكرياً بلا مبررٍ حقيقي.


لكن رغم هذه الصورة القاتمة، ما زالت هناك فرصة لإحياء سورية من جديد، فرصة لإعادة الروح إلى هذا “العجوز المهمّش” الذي احتُجز 54 عاماً خلف قضبان القمع. إن العالم يجب ان يطالب بأن يتعاطى مع القضية السورية بروحٍ بنّاءة، وأن يستغل هذه الفرصة لتحقيق نهضة حقيقية تعيد البلاد إلى مسار التنمية والاستقرار. بدلاً من تحويل سورية إلى ساحة تصفية حساباتٍ إقليمية ودولية، لا بد من العمل على تضميد الجراح، وفتح المجال أمام القوى الوطنية الحقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحفيز التنمية الاقتصادية والثقافية، واحترام التنوع الاجتماعي والديني، كي يستعيد هذا الشعب حقّه في العيش بكرامة تحت ضوء شمس الحرية وهو مايتأمله الشعب من قادة التحرير الذين حققوا انتصارا ضد طغيان وفساد النظام السابق. 


في ظل هذا المشهد المعقّد، برزت أيضاً خطابات دولية تُعامل سورية وكأنّها مجرّد صحراءٍ من الرمل والموت، كما وصفها الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، متجاهلاً بذلك واقع شعبٍ عريق عاش آلاف السنين مُقدّماً إسهاماته للبشرية وحضارتها. إنّ أبناء سورية، وإن لم يُنظر إليهم اليوم كأصدقاء، فهم يستحقون كرامة إنسانية كاملة، ويمكن أن يصبحوا حلفاء حقيقيين في صياغة مستقبل مشترك قائم على الاحترام المتبادل والتعاون، مثلما كانوا عبر القرون الماضية، حين شهد تاريخهم استضافة شعوب وأقليات مختلفة، وتأمين ملاذ لمن اضطُهدوا في أراضٍ أخرى.

ليس عبثاً أن تصف منظمة اليونسكو سورية بأنّها “موطن للجميع”، حيث ينتمي إرثها الحضاري وإنجازاتها التاريخية إلى الإنسانية جمعاء، وليس لطرفٍ واحد. وبدلاً من اتباع قاعدة “فرّق تسد” التي قد تحقّق مكاسب قصيرة الأجل لبعض الجهات، فإنّ السعي نحو دعم السوريين وتحفيزهم للعيش في إطار مشروع أسمى، بعيداً عن الوقوع في فخّ التطرف والكراهية، هو النهج الذي يليق بمستقبل المنطقة والعالم. إنّ المساهمة في استعادة سورية لدورها الحضاري والإنساني، والارتقاء بها فوق الانقسامات المصطنعة، قد يحوّل الحاضر المظلم إلى فرصةٍ تاريخية للتكامل والتعايش والإبداع البشري المشترك.

السبت، 7 ديسمبر 2024

On the Current Syrian Situation

The complexity of the Syrian situation can be traced back to its very beginnings, particularly following the Syrian opposition’s control of Aleppo and its attempts to expand into other Syrian cities. Debate and analysis among researchers and observers have intensified, often influenced by pre-existing biases and preconceived notions.


Despite the meetings of the committee formed under UN Security Council Resolution 2254, as well as the Astana talks, the goal of achieving peace and restoring Syria’s full sovereignty has remained elusive. Multiple interventions have played a role in this stalemate, including those by Iran and its regional proxies—most notably Hezbollah and certain Iraqi factions—as well as Russia with its military bases in Hmeimim and Tartus, and Turkey in northern Syria. In addition, the Democratic Union Party’s (PYD) control and its alliance with the United States have effectively cut off vital oil and wheat resources from the rest of the country. This has led to the displacement of many of the region’s Arab residents to other parts of Syria and into Turkey.


Renewing efforts to find a solution to the Syrian dilemma is closely tied to international dynamics. Ideally, the UN Security Council nations would achieve a global understanding that transcends the narrow interests each country holds in its relations with Syria and the broader Middle East.


Ending the war may follow a pattern similar to the agreement reached regarding Lebanon and the implementation of Resolution 1701, which helped pave the way for an international approach to the Syrian crisis. It seems imperative to accelerate support for the international committee tasked with forging a consensus on the Syrian situation.


The Syrian-Lebanese relationship is particularly complex, be it at the border, social, or political levels. This complexity has its roots in the U.S.-Syrian agreement of the past century, which allowed the Syrian army to enter Lebanon under specific conditions aimed at achieving internal stability. However, this stability was undermined by the assassination of Rafik Hariri, leading to ongoing problems until the recent agreement to implement Resolution 1701.


Current events, which spread rapidly from Aleppo—a key city once considered Syria’s second capital—to other southern areas and around Damascus, resulted in the Syrian regular army’s defeat in numerous locations such as Horan, Hama, and As-Suwayda. This was followed by contentious remarks from the Syrian Minister of Defense, describing the withdrawal as a “tactical operation to save lives”—a puzzling and unusual justification in wartime history. These developments opened the way for opposition factions to advance toward Homs and eventually Damascus, raising the possibility of regime collapse and ushering in a new phase in which a reunited Syria emerges under a progressive, civilian system aligned with the political factions’ previously stated goals.


International positions have remained ambiguous and swayed by unfolding events. While numerous statements from the United States and the European Union signal interest in Syrian affairs, Russian support—via its air force and military bases like Hmeimim—continues unabated. Still, Russian Foreign Minister Sergey Lavrov’s remarks during his visit to Doha suggest Russia’s willingness to seek an understanding on Syria, potentially indicating a shift in Moscow’s stance.


Amid these developments, several nations made their views clear at a meeting in Baghdad attended by the foreign ministers of Syria, Iraq, and Iran—all supporters of the Damascus regime. Concurrently, efforts by Egypt and Jordan underscored the need for President Assad to step down, paving the way for a transitional president selected from among current Syrian national officials. Such a move would facilitate a transitional period to restore stability, while also addressing the situation in the Jazira region, where the PYD—backed by the United States—holds sway. Addressing this issue must be part of a comprehensive national solution that avoids racial bias or unilateral authority. Control over these territories should be incorporated into a joint agreement with a transitional government, coordinated with Turkey. After all, Arab-Kurdish relations have long been a cornerstone of Syria’s history, and many Kurdish leaders have played major roles in building the Syrian state since its independence. This legacy should serve as a foundation for reaching a consensus that restores national unity and prevents future conflicts detrimental to the Syrian people’s cohesion.


In the face of these challenges and complexities, hope remains vested in a balanced international role and a rational, nationally driven popular spirit—both of which are capable of imposing a fair, sustainable solution that ends the suffering of the Syrian people and restores stability to the entire region.

حول الحالة السورية

بقلم د. أحمد حلواني 


تعود الإشكالية في الحالة السورية إلى بداياتها، خاصة على ضوء السيطرة على حلب من قبل المعارضة السورية ومحاولاتها التمدد إلى باقي المدن السورية. ويزداد الجدل والتحليل بين الباحثين والمراقبين من خلال توجهات البعض وانحيازهم لآرائهم المسبقة.


وعلى الرغم من اجتماعات اللجنة التي تشكلت على ضوء قرار مجلس الأمن 2254، أو اجتماعات أستانا، فإن الوصول إلى نتيجة تحقق السلام وعودة سوريا إلى سيادتها الكاملة بقي متعثرًا بسبب تدخلات متعددة من إيران وأذرعها في المنطقة، ولا سيما حزب الله وبعض الفصائل العراقية، بالإضافة إلى روسيا وقواعدها العسكرية في حميميم وطرطوس، وكذلك تركيا في الشمال السوري. ولا يمكن تجاهل سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي وتحالفه مع الولايات المتحدة، حيث قطع عن باقي سوريا موارد النفط والقمح بشكل خاص، مما أدى إلى تهجير الكثير من العرب أبناء المنطقة إلى مناطق أخرى في سوريا وتركيا.


إن إعادة الاهتمام بالوصول إلى حل للإشكال السوري يرتبط بشكل كبير بالوضع الدولي، وهو ما كان على دول مجلس الأمن تحقيقه عبر تفاهم دولي، بغض النظر عن المصالح الضيقة لكل دولة في علاقاتها مع سوريا ومنطقة الشرق الأوسط ككل.


إن وقف الحرب قد يكون أمرًا مشابهًا للاتفاق الذي تم بشأن لبنان وتطبيق القرار 1701، والذي ساعد في إيجاد حل دولي للحالة السورية. ويبدو أن الإسراع في دعم اللجنة الدولية المسؤولة عن إيجاد وفاق للحالة السورية يمثل خطوة ضرورية.


خاصة وأن التداخل بين العلاقات السورية واللبنانية معقد، سواء على المستوى الحدودي، الاجتماعي، أو السياسي. وذلك استنادًا إلى الاتفاق الأمريكي-السوري الذي تم في القرن الماضي، والذي أدى إلى دخول الجيش السوري إلى لبنان وفق شروط خاصة هدفت إلى تحقيق استقرار داخلي، لكن هذا الاستقرار تعرض للتخريب بعد اغتيال رفيق الحريري، مما أفضى إلى استمرار المشكلات حتى الاتفاق الأخير المتعلق بتنفيذ القرار الدولي 1701.


إن الأحداث الجارية خلال هذه الفترة، والتي امتدت بسرعة من حلب، المدينة الهامة التي كانت تعتبر العاصمة الثانية لسوريا، إلى بقية المناطق الجنوبية وحول دمشق، أدت إلى هزيمة الجيش النظامي في العديد من المواقع، مثل حوران، حماة والسويداء. وتبع ذلك تصريحات مثيرة للجدل من وزير الدفاع السوري، حيث وصف الانسحاب بأنه “عملية تكتيكية لحماية الأرواح”، وهو تبرير غريب وغير معتاد في تاريخ الحروب. هذا التطور فتح المجال أمام الفصائل المعارضة لمواصلة تقدمها نحو حمص ومن ثم إلى العاصمة دمشق، مما قد يؤدي إلى انهيار النظام وبدء مرحلة جديدة تستعيد فيها الدولة السورية وحدتها، عبر نظام مدني متطور يتماشى مع ما أعلنته قيادات الفصائل السياسية حتى الآن.


أما بالنسبة للموقف الدولي، فقد بدا غامضًا ومتأثرًا بتطورات الأحداث. وعلى الرغم من التصريحات العديدة من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي التي أظهرت اهتمامها بالشأن السوري، فإن المساعدات الروسية، عبر الطيران والقواعد العسكرية مثل قاعدة حميميم، لا تزال مستمرة. ومع ذلك، فإن تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، خلال زيارته إلى الدوحة، أظهرت رغبة روسيا في تحقيق تفاهم للحالة السورية، مما قد يشير إلى بداية تحول في الموقف الروسي.


وفي ظل تلك التطورات، أظهرت عدة دول موقفًا واضحًا خلال اجتماع بغداد الذي شارك فيه وزراء خارجية سوريا، العراق، وإيران، وهي الدول المؤيدة لنظام دمشق. إضافة إلى جهود أخرى من مصر والأردن أكدت ضرورة تنحي الرئيس الأسد. الامر الذي يؤدي الى تكليف بتسليم السلطة إلى رئيس مرحلي مؤقت يتم اختياره من المسؤولين الوطنيين السوريين الحاليين، بما يضمن مرحلة انتقالية تعيد الاستقرار لسوريا مع معالجة الوضع في الجزيرة السورية حيث تمتد سيطرة (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة الأميريكية. فيجب أن يتم التعامل مع هذه القضية في إطار حل وطني شامل، بعيدًا عن الطابع العنصري أو التفرد في السلطة. ومن الضروري أن تكون هذه السيطرة ضمن اتفاق مشترك مع الحكومة الانتقالية، وبالتنسيق مع تركيا، خاصة أن العلاقة العربية-الكردية كانت دومًا ركيزة أساسية في تاريخ سوريا. لقد تحملت العديد من القيادات الكردية مسؤوليات كبيرة في بناء الدولة السورية منذ استقلالها، وهو ما يجب أن يُبنى عليه للوصول إلى توافق يعيد اللحمة الوطنية ويجنب أي صراع مستقبلي قد يضر بوحدة الشعب السوري.


في ظل هذه التحديات والتعقيدات، يبقى الأمل معقودًا على دور دولي متوازن وعقلانية شعبية وطنية، قادران على فرض حل عادل ومستدام، يضع حدًا لمعاناة الشعب السوري، ويعيد الاستقرار إلى المنطقة بأسرها.