الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

جبلة بلدة السلطان إبراهيم بن الأدهم والمجاهدالشيخ عز الدين القسّام


د.أحمد حلواني *
أثارت الأحداث الجارية في سورية منذ آذار )مارس) 2011م اهتمام العالم بجغرافية سورية ومواقعها التاريخية ومكتنزاتها الأثرية والتعريف ببلدانها ومدنها وقراها وشواهد تاريخ انجازات شعبها العريق. في القديم والحديث والمعاصر.   من هذه البلدان مدن الثغور على الساحل الشرقي للبحر المتوسط،(الممتد من خليج اسكندرون الى ساحل غزّة،حيث يبدأ برّ الشام، بعد برّ مصر). متوقفين عند أشهرها تاريخيا بين المدن السورية والتي تقع بين اللاذقية وبانياس،  وهي بلدة ،جبلة، والتي تحمل اسما أو تعريفا مرافقا له، هو، الأدهمية، نسبة إلى السلطان إبراهيم بن الأدهم، أحد أعلام الصوفية في الإسلام (وفق د. عبد الحليم محمود في كتابه الذي أصدرته سلسلة أعلام العرب عن الهيئة المصرية للكتاب) والذي قَدِمَ إليها متصوّفاً متنسّكاً، من خراسان تاركا وراءه جاه السلطانية وثروة أسرته، حيث أقام فيها متزهّدا في إحدى مغاراتها البحرية حتى وفاته، وتبعته أمّه التي عُرفت بأمّ السلطان، باحثة عنه مع قافلة كبيرة من المرافقين، فأشادت إلى جانب قبره جامعا كبيرا بطراز معماري جميل ما يزال معلما دينيا ومعماريا هاما يحمل اسمه (جامع السلطان إبراهيم بن الأدهم)تحاك حوله الحكايا والاساطير ، وأوقفت له امه أراضٍ زراعية وعقارات وحمّاماً كبيرا على أحسن طراز، لتأمين استمراريته ونفقات صيانته وأجور عمّاله و إطعام المحتاجين ونزلاء تكاياه، وجرّ المياه العذبة  من نبع الفوّار القريب منه بحدود ثلاثة كيلومترات للشرب والنظافة والاستحمام، وتشغيل الطاحون الحجري بقوة سقوط الماء من برِّ البلدة العالي على شاطئ البحر المميز بجمال فريد ،والذي تشاهد منه اوقات الصحو اللاذقية وجبال جزيرة قبرص التي تبعد حوالي مائة ميل، وتربطها ببحارتها وموانئها، ولاسيما مينائي ليماسول وفاماغوستا، روابط قوية،سواء في الصيد، او النقل البحري مع موانئ شرق المتوسط.
تأخذ جبلة اسمها وفق روايات كثيرة، منها ما يعيده إلى (جبلة بن الأيهم) ، وهو بعيد عن القبول، لكن الغالب في أصل هذه التسمية هو علوّها الصخري عن مستوى الساحل البحري حيث ترتفع بشكل ملحوظ عن مثيلاتها من المدن المحاذية للشط الشرقي للمتوسط كما هو حال اللاذقية وبانياس وطرطوس وطرابلس وباقي مدن شرق المتوسط، فيكون اسم جَبَلَة هو نوع من التصغير عن الجبل على غرار جبيْل اللبنانية.   لهذه البلدة تاريخ عميق بالقِدَم و تقوم الكثير من فرق التنقيب بدراسة التلال المنتشرة بها كتلة’ التوينة وتلّة سوكاس التي تم فيها الكثير من اللقى والمنحوتات الي تعود الى العصر الفينيقي وما قبله،اضافة الى  غيرهما من التلال في محيط البلدة وريفها الواسع.
أمّا الحقبة الفينيقية فقد كان ميناء البلدة من الموانئ النشطة، حيث وضع  بحّارة البلدة  حجارة كبيرة من الصخور بشكل مدروس لحماية الميناء الطبيعي من أمواج البحر العاتية، وكسرها في بعض فصول السنة.
وكان الميناء يستخدم لنقل صوف حماة، المحمول على قوافل الجمال القادمة على الطريق الجبلي الوحيد الذي يخترق جبال الساحل السوري عبر القدموس،( قبل فتح طريق حماة- الغاب-بيت ياشوط- جبلة)، ليدخل جبلة عبر (بوّابة حماة) التي ما تزال تحمل الاسم نفسه ،و(خان شعيب )الذي كان يأوي  القوافل ودوابها، كما كل الخانات التاريخية .ومن ميناء جبلة ينتقل هذا الصوف إلى موانئ البحر المتوسط المختلفة،والذي عُرف بالأرجوان الأحمر المصبوغ من قبل الصبّاغين الحمويين الذين يستخدمون النباتات التي تنمو على ضفاف نهر العاصي وبادية الشام الغنية، للوصول إلى أفضل أنواع الصباغ ثابت اللون،ومنه اشتهرت كنى الكثير من الاسر الحموية بالصباغ.
مازالت هذه البلدة الصغيرة تحتفظ بقلعتها التاريخية التي فتحها صلاح الدين الأيوبي واسترجعها من الصليبيين مع مدرجها ذي الطابع الروماني بتعاون كبير من أهاليها الذين أرسلوا لصلاح الدين يعلمونه باستعدادهم للتعاون مع جيشه للخلاص من الاحتلال الصليبي للبلدة، ونقلوا له المواقع الأفضل لاختراق مراكز الدفاع الصليبية ،والتي حققت فتح البلدة بسرعة كبيرة.
ومما يجدر ذكره أن المدرّج مازال قابلا للاستخدام كمسرح مكشوف بعد اجراء بعض الترميمات عليه وكشف الكثير من اجزائه التي تراكم عليها التراب وفق خطة المديرية العامة للاثار ، حيث مازالت جمعية عاديات جبلة الثقافية التي يديرها الناشط جهاد جديد والحقوقي طه الزوزو، ويحضر مهرجانها الثقافي والفني السنوي كبار المثقفين والفنانين السوريين والعرب. وذلك قبل الأحداث السورية الجارية الآن.
كانت جبلة تتبع في غالب العهود ولاية طرابلس ومازال المشترك بين المدينتين كبير ومتعدد ،منه، الجامع المنصوري من حيث التسمية والطراز المعماري الواحد والجميل بقبابه وواحاته ومآذنه. إضافة الى قرابات عائلية كثيرة،ولهجة متقاربة،وعلاقات علمية وثقافية واجتماعية، كما كانت تتبع بأحيان أخرى إلى اللاذقية القريبة منها الى الشمال،والى حلب التي تبعد عنها حوالي مائتي كم فقط.
اشتهر من هذه البلدة في العصر الحديث عددٌ كبير من رجالاتها، ولعل أشهرهم الشيخ المجاهد عز الدين القسّام الذي درَس في الأزهر الشريف بالقاهرة ،وعند عودته إلى جبلة بعد تخرّجه ،وجدَ المستعمر يقبعُ على صدر وطنه بقسوة، فآثر الجهاد من أجل طرده وتحقيق الاستقلال، ونظراً لصغر البلدة وإبعادها عن الطريق العام الرابط بينها والطريق الساحلي إلى لبنان وفلسطين، والداخل السوري، تطوّع معه عدد من أهالي جبلة وخرجوا إلى ريف بلدة الحفّة القريبة منهاوالتي تحتضن قلعة(صلاح الدين) التي تعرف ايضا باسم قلعة صهيون بحكم علوها الشاهق، حيث احتمو ا في بساتينها بفضل تعاونِ  الكثيرين من أهلهاوخططوا لعملياتهم،  ضد القوافل العسكرية الفرنسية التي كانت تصل عبر مرفأ اللاذقية وتنتقل إلى الداخل السوري، والتي سببت ارباكا وخسائر كبيرة للمستعمر. وعند معرفة الفرنسيين بالقسّام قائداً لهذه العمليات، نتيجة إخباريةٍ من بعض العملاء، حكموا عليه بالإعدام فهاجر ورفاقه إلى فلسطين هربا من المحتل الذي كان يحكم سورية ولبنان  وفي فلسطين تابع جهاده المعروف ضدّ المحتل البريطاني الذي كان يجثم على ارضها فنظم الخلايا ونشر وعي المقاومة وطرائقها ،الى ان نال الشهادة بقبول ورضى ،وثقة برفاقة المجاهدين ومتابعتهم حتى تحقيق الحرية.     
    الجدير بالذكر أيضا أن عائلات القسّام والمجاهدين الآخرين من رفاقه الذين استوطنوا فلسطين عادوا بعد نكبة فلسطين إلى بلدتهم الأصلية جبلة،   مع عدد من أصدقائهم ومعارفهم حيث لقوا من أهالي البلدة كل ترحيب ومساعدة أخوية، فأصبحت عائلتا القسّام والصهيوني  تقسم إلى قسمين سوري وفلسطيني حتى الآن. في ظل المحبة والتعاون الخالص، كما مع كل الفلسطينيين القادمين لجوءا الى جبلة، بفضل سمعتها على انها بلدة عز الدين القسام.
لقد بقيت هذه البلدة تخرّج العدد الكبير من المجاهدين والعلماء(والأسماء كثيرة والأعمال كبيرة من رجال ونساء) بالرغم من ضعف إمكاناتها المادية ومن الإهمال الذي أصابها، والذي أدّى الى هجرة غالبية نشطائها، وانقطاع صلاتها التجارية والثقافية مع طرابلس الشام بعد وضع حدود للدولتين السورية واللبنانية، والقطيعة الجمركية بين البلدين الشقيقين، التي فرضها خالد العظم رئيس الوزراء السوري آنذاك.وبعد اغلاق الطريق الساحلي والبحري، بينها وبين المدن الفلسطينية، نتيجة نكبة 1948م و قيام اسرائيل.
*أستاذ جامعي سوري
مصدر الصورة ويكيبيديا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق