الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

أفق - حمص وأهمّيتها التاريخيّة.. والمستقبليّة

 حمص وأهمّيتها التاريخيّة.. والمستقبليّة



تشكّلت في بلاد الشام تجمّعات سكّانية كبيرة، عبر وادي الحياة الممتدّ من الأستانة في آسيا الصغرى إلى غزّة في الزاوية الجنوبية لبلاد الشام. وقد تحوّلت هذه التجمّعات إلى مدن مهمّة منها، من الجنوب إلى الشمال: غزّة، القدس، بصرى، دمشق، حمص، حماة، حلب.

وبحكم الأحداث القائمة في سورية اليوم، والمكانة التي مثّلتها مدينة حمص، سواء في وسطيّتها وتاريخها أم في ما تعرّضت له من غزوات وتدمير متعدّد، فضلاً عن دورها الثقافي والسياسي، كلّ ذلك يدفعنا إلى التوقّف عند تاريخ هذه المدينة، وأبرز مزاياها وعوامل استدامتها.


للتجمّعات السكّانية في القرى والبلدان خصوصيّات ومزايا تشتهر بها، سواء من حيث سبب تكوّنها أم من حيث إنتاجها ومزايا سكّانها، فضلاً عن مناخها وأسباب الحياة المختلفة. وتُعَدّ المدن، بتحوّلها من تجمّع سكّاني إلى بنيان اجتماعي جديد، ابتكارات اجتماعية أكثر منها إنشاءات اجتماعية (وفقاً لديفدس. ثورنس، ”النظرية المدنيّة وحياة المدن“). وعليه فللمدن- وفقاً لإلياس مرقص – ” تاريخ ولها منطق“.
وكلمة ديموغرافيا التي تعني وصف الشعب، أو علم السكّان Population ترجع إلىPeuple (بالفرنسيّة) وPeople (بالإنكليزية) التي تعني ”شعب“ أو ”سكّان“. فهي تعود إذن إلى مفهوم السكن، ومنه التجمّعات السكّانية وصولاً إلى المدينة.
تقع مدينة حمص في وسط طريق ما أسميناه بوادي الحياة لبلاد الشام، الممتدّ من غزة إلى آسيا الصغرى، وقد أعطاها نهر العاصي بمائه الوفير (من منبعه في لبنان إلى مصبّه في خليج إسكندرونة، مروراً بالقصير وحمص والرستن وحماة وسهل الغاب وجسر الشغور) سبب الحياة والتجمّع السكّاني والإنتاج الزراعي الغني. هذا فضلاً عن مناخها المتوسّطي العليل جرّاء انفتاحها على بادية الشام بهوائها النقي شرقاً، والبحر المتوسّط غرباً عبر الفجوة بين جبال لبنان والجبال الساحلية السورية.
مرّت الحياة في هذا التجمّع السكّاني بعصور تاريخية متعدّدة من بدايتها في تلّ حمص الأثري الذي يشكّل قلعتها، في حوالى 2300 ق.م موازية لعصر البرونز الوسيط، والمترافق مع ازدهار ممالك قطنة، وقادش وماري.
كانت تُسمّى وفق المؤرّخ الروماني بليني ”إيميسا“ ويبدو أن اسمها حُرِّف فيما بعد إلى حمص، كما أسماء غالبية مدن المنطقة التي حرّفت من اللغات القديمة كالآرامية والسريانية ولغات الإمبراطوريات التي احتلّت المنطقة عبر تواريخ متعدّدة.
في العصر الروماني توسّعت ”إيميسا“ خارج حدود التلّ الأثري، بعد جفاف المستنقعات نتيجة التحكّم بفيضانات العاصي بعد بناء سدّ قطينة وتطويره. أمّا في العصر البيزنطي، فقد أصبحت حمص مركزاً فينيقياً مهمّاً وإحدى المدن الرسولية المسيحية بعدما بشّر فيها كلّ من بطرس ويوحنا خلال قدومهما إليها، وأصبحت فيما بعد مركزاً بطريركياً وتحوّل معبد الشمس إلى كنيسة. وفي هذه المرحلة زاد الاهتمام بالمدينة من قبل هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين.
وقد شهدت حمص، في نهاية العصر البيزنطي وبداية العصر الإسلامي، صراعات كبيرة وحروباً تمّ فيها تدمير المدينة وحرق غالبيتها وتدمير أسوارها، وتمّ نهبها في العام 966م من قبل الإمبراطور البيزنطي نسيفور فوكاس.
وفي العصر الاسلامي، دخل حمص أبو عُبيدة الجرّاح قائداً للفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، حيث مات فيها القائد خالد بن الوليد العام 641م. وتفخر المدينة ببناء جامع باسمه يحتضن قبره وتعود بداية بناء الجامع إلى عهد الظاهر ببيرس في العام 644 هـ – 1287 م. إلّا أن الانتهاء من بناء الجامع وتكبيره تمّ في عهد السلطان العثماني عبد الحميد العام 1289 هـ – 1912م.
ولحمص أربعة أبواب هي: باب الرستن – باب الشام – باب الجبل – باب الصغير. ثمّ أصبح لها فيما بعد سبعة أبواب هي: باب السوق – باب تدمر – باب الدريب – باب السباع – باب المسدود – باب هود – باب التركمان (ويعود إلى سكن التركمان بدءاً من القرن الحادي عشر).
وفي توالي العهود التي مرّت على هذه المدينة منذ الفتح الإسلامي بقيادة أبي عبيدة الجرّاح ومعه خالد بن الوليد جندياً في جيشه، تحوّلت حمص إلى موقع مهمّ في الصراع بين العرب المسلمين والبيزنطيّين، واصبحت معسكراً حربياً كبيراً. كما شهدت خلال هذا الصراع تدميراً كبيراً ونهباً قاده الإمبراطور نسفور فوكاس كما ذكرنا، وتحوّلت المدينة إلى ولاية من ولايات الدولة العربية الإسلامية. ومن أشهر ولاتها زمن الخلفاء الراشدين: السمط بن الأسود، وعبادة ابن الصامت، وعيّاض بن غنم الذي تولّى ولاية الجزيرة أيضاً وقاد معارك حروب الردّة، وشرحيل بن السمط، وقد استوطن في حمص بسبب موقعها وطبيعة أهلها الودودة. كما تضمّ المدينة مباني أثرية تعود إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، منها قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين والأسواق الأثرية وجامع خالد بن الوليد وجامع أبي الفضائل وجامع الدالاتي والحمّام العثماني وحمّام الباشا، فضلاً عن كنائس عدّة أهمّها كنيسة أم الزنار، بحكم العلاقات الودية بين المسلمين والمسيحيّين.
ونستطيع متابعة العصر الإسلامي مع هذه المدينة العريقة، مروراً بالعهود الأيّوبية والمملوكيّة والعثمانيّة، وصولاً إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي، ونضال أهلها في مقاومة المستعمِر حتّى تحقيق الاستقلال والجلاء وبروز قادة سياسيّين كبار من هذه المدينة، يأتي في مقدّمتهم هاشم الأتاسي الذي ترأّس وفد مفاوضات الكتلة الوطنية في باريس بشأن استقلال سورية وانسحاب القوّات الفرنسية، وانتُخب رئيساً للجمهورية السورية أكثر من مرّة.
كما أنجبت حمص نخباً ثقافية وسياسية منها عبد الحميد الزهراوي (1855) الذي أُعدم في ساحة المرجة في دمشق في 6 أيار/ مايو 1916، والذي ما تزال حمص تفاخر به كزعيم لحركة النهضة السورية ومفكّر وصحافي وعضو في مجلس الأعيان في الإستانة ورئيس المؤتمر العربي الأول في باريس وأحد الشهداء ضدّ سياسة التتريك في أواخر عهد الدولة العثمانية. ومنها أيضاً عبد الحميد الدروبي الذي اشتهر بحبّه للعمران، وكان رئيساً لبلدية حمص فترة الدولة العثمانية، فبنى سيباط الدروبي وجامع وقصر الدروبي مع رصف غالبية الطرق (الدروب) بالحجر الأسود. ناهيك بآل الاتاسي والجندي وشمسي باشا والسباعي والجمالي وغيرهم كثير.
ويتحدّث د. منذر الحايك في كتابه ”تاريخ حمص وتراثها الشعبي“ عن التراث الذي يعدّه تاريخ الشعب الحقيقي في معناه وأهدافه، وذلك من خلال الاحتفالات الشعبية بالمناسبات الدينية (الإسلامية والمسيحية) ورحلة الحجّ وخمسانات (جمع خمسينيّة). يتحدّث أيضاً عن حمص الفريدة والمشهورة بنباتاتها وحلاواتها (جمع حلاوة، وهي أكلة شعبية من السكّر والطحينة والسمسم) ومشايخها، (ودورها الاجتماعي التعارفي والاستعراضي) واحتفالات الربيع وأعياد الخضر، وأربعة (من يوم الأربعاء) المرتعشي والسيران، والأساطير.
ولقد خرج من حمص عدد كبير من المفكّرين والأدباء والشعراء، ولعلّ إقامة ديك الجنّ، الشاعر العباسي المجون فيها، يعطي سبباً لكثرة شعرائها وإبداعاتهم الشعرية والأدبية. والتوقّف عند أسمائهم وإنتاجهم يحتاج إلى أبحاث طويلة. إلّا أننا نذكر من بين الشخصيّات الفذّة: علاء الدين الدروبي، مظهر باشا رسلان، الأستاذ د. سامي الدروبي، د. حافظ الجمالي، د. مصطفى السباعي، د. جمال الأتاسي، بديع الكسم، إلياس مرقص، ياسين الحافظ، عبد الكريم زهور.
إضافة إلى تولّي ثلاث شخصيات فيها رئاسة سورية الحديثة بعد الاستقلال وهم: هاشم الأتاسي والفريق لؤي الأتاسي الذي تولّى رئاسة مجلس قيادة الثورة بعد حركة الثامن من آذار/ مارس 1963، ود. نور الدين الأتاسي الطبيب الذي تولّى رئاسة الدولة في الفترة بين 1966– 1970. وكان قد تطّوع في جبهة التحرير الجزائرية في أثناء حرب التحرير. ويُذكر أن أكثر مَن تولّى منصب الولاية أو المحافظة فيها، أصبح فيما بعد رئيساً لسورية أو لوزارتها.
ولعلّ لموقع مدينة حمص المناخي والوسطي، حيث تقع في فجوة جغرافية مفتوحة من الشرق على البادية (بادية الشام) الممتدّة إلى العراق، ومن الغرب فجوة أخرى مفتوحة على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط بين جبال اللاذقية وجبال لبنان، لعلّ موقع المدينة إذاً هو ممّا جعل هواءها عليلاً ليل نهار، ومناخها معتدلاً، فضلاً عن علاقتها الجوارية بحماة وطرابلس الشام، حيث تتنافس معهما بفعاليّة تحريضية نحو الأفضل، وتربطها بهما علاقات تجارية وعائلية. كما نتذكّر موقفها المؤيّد لإبراهيم باشا حين قدومه إلى سورية بحملته المشهورة ضدّ الدولة العثمانية، ومعارضتها الشديدة لانفصال سورية عن الوحدة مع مصر، فضلاً عن احتضانها مؤتمر حمص في العام 1962، الذي ضمّ غالبية القيادات السياسيّة والعسكريّة لإعادة الوحدة مع مصر، وإنهاء حكم الانفصال، وإجراء إدارة سياسية جديدة للوحدة مركزّة ومتطوّرة. وهذه الأمور كلّها تدلّ على مكانة المدينة وحيويّة أهلها وحرصهم على فعاليّة ذات بعد وطني وحدودي يؤمِّن القوّة للأمة في إطار الحكمة.
وأخيراً، فإنّنا نستطيع استخلاص أهمّية حمص في التاريخ السوري من موقعها الوسطي كحلقة وصل بين المدن السورية في جميع الميادين السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة. وهو ما يؤكّد أهمّيتها التاريخيّة والمستقبليّة المأمولة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق