السبت، 18 يناير 2025

العلاقات السورية اللبنانية من إرث تضارب المصالح والتدخلات إلى فرصة النضج والديمقراطية

بقلم د. أحمد حلواني



تشكل سوريا ولبنان جزءًا لا يتجزأ من تاريخ وثقافة العالم العربي، وخاصة في منطقة المشرق، حيث يرتبط البلدان بجذور تاريخية وثقافية مشتركة. إضافة إلى ذلك، تربطهما علاقات اجتماعية واقتصادية عميقة وتداخل جغرافي لا يمكن تجاوزه. ومع ذلك، فإن هذه الروابط لم تخلُ من التوترات التي تعود جذورها إلى الإرث الاستعماري، الذي كرّس الطائفية في لبنان، وإلى سياسات الأنظمة الديكتاتورية والانقلابات العسكرية التي غذّت الانقسامات الطائفية في سوريا. هذه التوترات ألقت بظلالها على العلاقات الثنائية، حيث تحولت إلى ساحة للتدخلات الإقليمية والدولية التي أضرت بإرادة الشعبين.


ومع التطورات السياسية الأخيرة في كلا البلدين،والتي حدثت أواخر العام الفائت في سورية واوائل العام م في لبنان٢٠٢٥ تلوح في الأفق فرصة لإعادة صياغة العلاقات السورية اللبنانية بشكل يخدم مصالح الشعبين ويؤسس لنموذج جديد في التعاون بينهما ومع دول الإقليم كله.


العلاقات السورية اللبنانية: من الاستقلال إلى التدخلات الإقليمية



1. مرحلة الاستقلال: بداية مضطربة



عقب استقلال سوريا ولبنان عن الانتداب الفرنسي، شهدت العلاقات الثنائية اضطرابًا كبيرًا. سعت الأنظمة السورية المتعاقبة منذ البداية إلى ضمان ألا يقع لبنان تحت سيطرة قوى معادية لسوريا، مدركة أهمية لبنان كخاصرة استراتيجية. ومن أبرز المحطات في تلك المرحلة:


أ. فصل العملة السورية واللبنانية: خطوة للسيادة الاقتصادية


في إطار ترسيخ الاستقلال الاقتصادي لكل بلد، قررت حكومة خالد العظم السورية إنهاء العملة المشتركة بين البلدين والتي كان يصدرها بنك سورية ولبنان،إضافة الى الغاء الوحدة الجمركية وتنظيم الانفكاك ووضع نظام جمركي مستقل عن لبنان . كما أنشأت سوريا ميناء اللاذقية كبديل لميناء بيروت لتقليل الاعتماد عليه في عام ١٩٥٠.


ب. الخلاف حول جامعة الدول العربية

رغم التوترات السياسية في بداية الاستقلال، لم توافق سوريا بسهولة على انضمام لبنان كدولة مؤسسة في جامعة الدول العربية إلا بعد تدخل دول مثل السعودية ومصر. كان هذا الموقف يعكس شكوكًا سورية تجاه استقلال لبنان الكامل.
واعتراضا على ضم مناطق الى لبنان بالرغم من تبعيتها بالآصل الى دمشق.

ج. غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية.
والإكتفاء بتبادل التهاني حين انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة في البلدين.
على الرغم من تلك الخلافات، استمرت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الشعبين بشكل طبيعي، حيث بقي التنقل بين البلدين يتم ببطاقات الهوية الشخصية، مما يعكس عمق الروابط الشعبيةوالمصالح المتبادلة. .



2. التوترات الإقليمية والتدخلات العسكرية


مع دخول فترة الخمسينيات والستينيات، زادت التدخلات الإقليمية تعقيد العلاقات الثنائية. وتميزت هذه المرحلة بعدة محطات مفصلية:



أ. الحقبة الناصرية وتأثيرها على لبنان

شكلت الوحدة بين مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر مصدرًا للانقسام في الداخل اللبناني، حيث انقسمت القوى اللبنانية بين مؤيدة ومعارضة للوحدة وسياستها ذات التوجّه الإشتراكي. ساعدت هذه التوترات في وصول اللواء فؤاد شهاب إلى الرئاسة اللبنانية كأول رئيس من الجيش كحلٍ توافقي.


ب. الأزمة الفلسطينية وتداعياتها

بعد أحداث أيلول الأسود وإخراج ياسر عرفات والقوات الفلسطينية من الأردن، دخل ياسر عرفات وقواته إلى لبنان، مما أدى إلى إشكالات جديدة بين الأطراف اللبنانية آخذت بعداً ًطائفياً تم حلّها بتوقيع اتفاق القاهرة في نوفمبر 1969. ووقعه الرئيس شارل الحلو رئيس الجمهورية بحكم ضغط الشارع الإسلامي في لبنان إضافة الى الإجماع العربي . وقد جاء هذا الاتفاق بدعم من عبد الناصر والدول الخليجية، وشكّل بداية التدخل الفلسطيني في السياسة اللبنانية، ما زاد من تعقيد الوضع الداخلي والدخول في مرحلة حرب أهلية.


3. الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990): عقدة التدخل السوري


تصاعدت الخلافات بين التيارات والتنظيمات السياسية والطائفية اللبنانية وصولًا إلى اشتباكات مسلحة واغتيالات لكبار القادة، مما أدى إلى دخول قوات ردع عربية انسحبت لاحقًا، مع بقاء القوات السورية التي قامت بتدخلات وممارسات عنيفة ضد الفصائل المعارضة للنظام السوري اسفرت عن تفتيشات واغتيالات (تنظيم المرابطون واغتيال كمال جنبلاط).


أ. اتفاق الطائف:

كان لاتفاق الطائف الذي تم توقيعه في أكتوبر 1989 دورا محوريا في إنهاء الحرب الأهلية. بدعم سعودي ومساهمة رئيسية من رفيق الحريري، أقر الاتفاق ترتيبات سياسية جديدة لتنظيم الحكم في لبنان، لكنه رسخ النفوذ السوري بشكل واضح، مما أبقى لبنان تحت وصاية دمشق حتى الانسحاب السوري في 2005.


ب. مذكرة التفاهم الأمريكي - السوري (1990):

ساهمت مذكرة التفاهم بين واشنطن ودمشق، نتيجة مفاوضة اجراها جيمس بيكر وزير الخارجية الاميركي وادواد جدجيان السفير الأميركي في دمشق آنذاك،مع النظام السوري برئاسة حافظ الأسد، في تعزيز الوجود السوري في لبنان مع شروط واضحة لضمان استقرار البلاد، منها منع الاحتكاك مع إسرائيل وتحديد خط فاصل لوجود القوات السورية ، وضمان الحريات الاقتصادية والإعلامية والنظم التعليمية اللبنانية .  

i.  الوضع اللبناني في ظل التدخل السوري:
 رغم شروط التدخل فقد تجاوزت القوات السورية دور الوسيط ربدأ النظام السوري بتأسيس نفوذ سياسي واقتصادي واسع بما في ذلك اختيار رئيس للجمهورية وفرض اجندتها الإقليمية وتشكيل تحالفات مع القوى اللبنانية وفق مصلحتها ، الأمر الذي ادّى الى تعميق الآنقسامات السياسيّة والطائفيّة بحيث اصبح لبنان خاضعاً عملياً لوصاية النظام السوري.
 
ii. المجلس الأعلى السوري اللبناني:
استنادًا الى معاهدة تم توقيعها بين البلدين سميت معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بتاريخ ٢٢ـ ٥ ـ١٩٩١م تم انشاء مجلس أعلى سوري لبناني مركزه دمشق وتولىّ امانته نصري الخوري من احد قيادات الحزب القومي السوري يرأس اجتماعاته الدورية وفق توجيهات النظام السوري عبر المسؤول الأمني السوري في لبنان.

iii . اغتيال رفيق الحريري:
في ١٤ من شباط ٢٠٠٥م تم اغتيال الرئيس رفيق الحرير بتفجير شاحنة مفخّخة في بيرت ، وقد ربط الكثيرون عملية الإغتيال بالنظام السوري بحكم وجود قواته وسيطرته الأمنيّة المنتشرة في جميع المناطق اللبنانية مع نفوذ كامل . وهو ما أثار غضبا عارما مع ضغط دولي على الوجود السوري أجبره في النهاية على سحب قواته .
إلّا انّ نفوذ النظام السوري بقي فاعلاً بطرق غير مباشرة عبر حزب الله وآل فرنجية بشكل خاص.

4. اليوم: فرصة لإعادة البناء السياسي



مع سقوط نظام الأسد وتصاعد المطالب الشعبية بالتغيير في سوريا، تقف العلاقات السورية اللبنانية أمام مفترق طرق جديد. هذه اللحظة تمثّل فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسسِِ جديدة. ولتحقيق ذلك، يمكن اتخاذ الخطوات التالية:


أ. إعادة تقييم المعاهدات الثنائية



من الضروري مراجعة اتفاقية المجلس الأعلى السوري اللبناني للتأكد من أن العلاقات تقوم على المصالح المشتركة بدلاً من الهيمنة.


ب. تعزيز الديمقراطية والاستقلالية

لبنان وسوريا بحاجة إلى تعزيز أنظمتهما الديمقراطية وبناء مؤسسات سياسية تمثّل إرادة شعبيهما، بعيدًا عن تدخلات القوى الإقليمية التي ساهمت في تعميق الانقسامات.


ج. تحقيق مصالحة وطنية شاملة

يمكن للبلدين أن يبدآ بمصالحةٍ داخلية لكل منهما، تشمل تعزيز الهويّة الوطنيّة،و محاربة الطائفيّة استنادا الى مفهوم المواطنيّة، ودعم المؤسسات المستقلة. مما يخلق أرضيّة صلبة لعلاقات ثنائية متوازنة.


نحو مستقبل مشترك



بدلاً من أن يكونا ساحةً للصراعات الإقليمية، يمكن لسوريا ولبنان أن يتحولا إلى نموذج للتعاون العربي و الإقليمي. يتمتع البلدان بتراث ثقافي وتاريخي غني يمكن توظيفه في بناء نظام سياسي جديد يعكس تطلعات شعبيهما. كما أن تعزيز التكامل بينهما يمكن أن يساهم في تقديم نموذج جديد للديمقراطية في العالم العربي.




على صعيد أوسع، فإن تطوير دور جامعة الدول العربية لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري بين الدول العربية يمكن أن يكون جزءًا من الحلول التي تضمن حماية سيادة الدول العربية ورغبات شعوبها.



مسؤولية مشتركة لبناء المستقبل



التأخر في رسم سياسة تعاون وثيق بين سوريا ولبنان سيعود بأضرار جسيمة على الشعبين الشقيقين. تقع المسؤولية على عاتق قادة البلدين للعمل بشكل جاد وسريع على وضع ميثاق تعاون شامل يقوم على مصلحة البلدين المشتركة ويعكس آمال شعبيهما في الديمقراطية والاستقرار.

بهذه الرؤية، يمكن لسوريا ولبنان أن يقدما درسًا جديدًا للعالم العربي في المصالحة والبناء المشترك، ويصبحا نموذجًا يُحتذى به في تجاوز آثار الماضي وبناء مستقبل أفضل.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق