د. احمدحلواني
يعالج الأستاذ هلال خشان في مقاله مسألة سعي إسرائيل إلى إقامة تحالفات مع الأقليات في المنطقة، مستعرضًا الخلفيات التاريخية لذلك منذ عقيدة “المحيط” التي تبنّاها ديفيد بن غوريون في الخمسينيات، وصولًا إلى مساعي اليوم لإحياء هذه الاستراتيجية عقب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وفي هذا الإطار، يستند خشان إلى تجربة إسرائيل مع (الأكراد والدروز والموارنة) وغيرهم، موضحًا في الوقت نفسه عيوب هذه الاستراتيجية وفشلها على المدى البعيد.
سقوط النظام السوري: هل هو مأساويٌّ لإسرائيل أم لسوريا؟
يرى خشان أنّ سقوط نظام بشار الأسد مثّل ضربةً لإسرائيل، لأنه جاء بعد فترة كانت فيها تل أبيب مستفيدة من الوضع السوري المأزوم على الاصعدة( السياسية والأمنية والاقتصادية)، ومن الانقسام الداخلي بين دمشق والمناطق الشمالية والشرقية الي سيطرت عليها منظمة ( قسد) الكردية بمساعدة من الولايات المتحدة، فضلًا عن تفكّك سلطة الدولة في كثير من المناطق الأخرى.
- وجهة نظر مغايرة: ما يعتبره البعض “مأساة” نزلت على إسرائيل، كان في المقابل بارقة أم
- تعليق على مقال الأستاذ هلال خشان بشأن “استراتيجية تحالف الأقليات الإسرائيلية”
- غالبية السوريين طامحين إلى تغيير سياسي حقيقي في بلدهم ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن سقوط النظام أثار قلق إسرائيل حيال فراغٍ في السلطة قد يُعزز نفوذ مجموعات تُصنفها إسرائيل معادية لها، أو حليفةً لتركيا أو إيران.
التحالف الإيراني-السوري: مرتكزٌ أمني مهم لإسرائيل
على الرغم من أن العلاقة بين النظام السوري المنهار وإيران كانت تمثل مصدر إزعاجٍ لإسرائيل، فإنّ هذا النظام ذاته بقي بالنسبة لإسرائيل جهةً يمكن التفاوض أو التفاهم غير المباشر معها. فقد كان يسمح، عبر مؤسساته العسكرية والأمنية، بمرور الدعم إلى حزب الله في لبنان، مقابل تقديم الدعم له في مواجهة المعارضة المسلحة التي تقوم بها تنظيمات سورية متعددة. وفي الوقت نفسه كان يخشى وقوع صدام مباشر مع إسرائيل. ومن هذا المنطلق، رأت تل أبيب في استمرار النظام الأسدي نوعًا من “استقرار سلبي” يحدّ من احتمالات انهيار الدولة كليًا.
الرهان الإسرائيلي على كيانات طائفية أو عرقية منفصلة
تحدّث المقال عن محاولات إسرائيل توظيف الأقليات في سوريا، ومنها الطائفة العلوية في الساحل، لإنشاء كيانٍ مستقل بحماية إسرائيلية. هنا نشير إلى تجربة الاستعمار الفرنسي الذي أقام “دولة العلويين” في الساحل السوري خلال فترة الانتداب، لكن تلك التجربة باءت بالفشل لعدة أسباب:
- التنوع الديني والعرقي: الساحل السوري يضمّ خليطًا من الطوائف والمذاهب (علويون، وسنة، ومسيحيون، وغيرهم) ممن عاشوا تاريخيًا في تداخلٍ اجتماعي واقتصادي طويل المدى.
- الوعي الوطني السوري: كثيرون ممن ينتمون إلى الأقليات رفضوا الانفصال عن محيطهم السوري والعربي؛ حيث رأوا أن الانخراط في مشروعٍ وطنيٍّ شامل يحقق لهم حقوق المواطنة أفضل من الاحتماء بتكوينٍ طائفيٍّ ضيق لا مسقبل مضمون له.
- الدروس المستخلصة من تجارب الماضي: سواءً في عهد الانتداب أو خلال حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد، بقيت محاولات تمييز طائفةٍ بعينها عن بقية مكونات الشعب غير مقبولة من غالبية الشعب السوري على المدى البعيد.
الطائفة الدرزية: بين التجنيد الإسرائيلي والهوية السورية
يشير الكاتب إلى أن إسرائيل نجحت تاريخيًا في تجنيد بعض أفراد الطائفة الدرزية في جيشها. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مجموعة قليلة انخرطت في المؤسّسات الإسرائيلية، وأغلبية درزية أخرى بقيت مرتبطة بهويتها العربية والسورية واللبنانية. كما قدّم الدروز عبر التاريخ أسماء بارزة في المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وشارك عدد كبير منهم في الحركات السياسية العربية (سواء في سوريا أو لبنان). واصبحوا قادة شعبيين لجميع مكونات الشعبين
نحو دولةٍ ديمقراطيةٍ شاملة في سوريا
من الملاحظ أنّ تحالف الأقليات – كما يشير الأستاذ خشان – قد يبقى تحالفًا مرحليًا وظرفيًا، يُبنى على توازنات مؤقتة. والتجربة تؤكّد أن الحل المستدام في سوريا لن يكون عبر تجزئتها إلى دويلات أو كانتونات طائفية، بل من خلال:
- بناء نظامٍ سياسيٍّ ديمقراطي: يكفل مشاركة جميع المكونات الاجتماعية في إدارة الدولة بعيدًا عن أي تمييز طائفي أو مذهبي.
- ضمان حقوق المواطنة: بما يشمل حقوق جميع المكونات من العرب والأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين وغيرهم، تحت مظلة دستور يحترم الجميع.
- تخفيف العقوبات ودعم التنمية: يحتاج الشعب السوري إلى سياساتٍ تخفف الضغط الاقتصادي وتعيد إعمار البنى التحتية، بهدف احتواء الاحتقان الداخلي ومنع التدخلات الخارجية.
دروس من التجارب السابقة
خلال حديثه عن استراتيجيات “تحالف الأقليات”، يذكّر خشان بحقيقة أن هذه التحالفات لم تنجح تاريخيًا في تأمين كيان مستدام للأقليات، بل على العكس انتهت عادةً باحتكاكات مع الأغلبية، أو بانخراط في صراعات لا تخدم سوى القوى الخارجية. فمثلًا:
- دعم إسرائيل للميليشيات اللبنانية المسيحية أثناء الحرب الأهلية ارتدّ عليها لاحقًا عندما تصاعد نفوذ حزب الله.
- دعم الأكراد في شمال العراق تطور إلى توتر مع تركيا وإيران ومراكز قوى عديدة، ولا يزال مستقبل المنطقة غير مستقر.
- تجربة الاستعمار الفرنسي (في سوريا ولبنان) التي قامت على أساس الدويلات الطائفية سرعان ما فشلت في ضمان الاستقرار.
خلاصة القول
تُظهر المعطيات أن سعي إسرائيل إلى تفتيت المجتمعات العربية عبر تحالفاتٍ مع الأقليات، وتحويلها إلى ضغطٍ سيا.سيٍّ أو عسكريٍّ على الأغلبية، قد يُحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنه يظلّ محفوفًا بالمخاطر وقابلًا للانهيار على المدى البعيد. وبالتالي، فإن الاستقرار المنشود في سوريا والمنطقة عمومًا لا يكمن في إعادة إنتاج نظامٍ طائفيٍّ أو استبداله بأشباهه، بل في بناء دولةٍ حديثةٍ تحتضن تنوعها وتدير اختلافاتها بالوسائل السلمية والقانونية.
إنّ “تحالف الأقليات” يبقى – كما وصفه الأستاذ هلال خشان – مقاربةً مؤقتةً تنتهي عادةً بانهيارها أمام حقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا. وبدلًا من تشجيع مشروعاتٍ انفصالية تُفاقم معاناة السوريين، فإن المطلوب هو تشجيع الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تمكّن الشعب السوري من النهوض بدولته الجامعة، بما يضمن العدالة والحريات وحقوق المواطنة لكل مكوّناته.
هذه الرؤية لا تقتصر على سوريا فحسب، بل تصلح نموذجًا لكل دول المنطقة التي تشهد تنوعًا ثريًا يمكن توظيفه إيجابيًا في بناء مجتمعات متماسكة، بدلًا من أن يكون مدخلًا لصراعاتٍ لا تنتهي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق