الاثنين، 23 ديسمبر 2024

أهمية الحياة الحزبية في سورية

بقلم د. أحمد حلواني


في أعقاب سقوط النظام السوري مع بشار الأسد، يُطرح تساؤل بالغ الأهمية حول مستقبل الحياة السياسية في البلاد، وخاصة دور التنظيم الحزبي في سوريا الجديدة. لقد كانت التجربة الحزبية السورية منذ الاستقلال وحتى اندلاع الثورة عام 2011 محدودةً بظروف تاريخية معقّدة، بدءاً من التعدّدية النسبية التي ميّزت بدايات الاستقلال، مروراً بالمراحل التي ساد فيها نفوذ الأحزاب القومية واليسارية والاشتراكية، وانتهاءً بفترة حكم حزب البعث الذي أحال الحقل الحزبي والسياسي برمّته إلى مساحة مغلقة خاضعة للأجهزة الأمنية ومنزوعة من أي حيوية سياسية حقيقية.



مع ذلك، شهدت الحقبة التي تلت الاستقلال مباشرة (من 1946 حتى أواخر الخمسينيات) حراكًا حزبيًا متنوعًا شمل أحزابًا ليبرالية وقومية ودينية، فضلًا عن أخرى اشتراكية ويسارية. إلا أنّ هذا التنوع ظلّ هشًّا بسبب تعقيداتٍ سياسية واجتماعية عديدة، لم تسمح بإرساء تجربةٍ حزبيةٍ راسخة.



التجربة الحزبية في سوريا قبل البعث



بدايات التعدّدية الحزبية


في فترة ما بعد الاستقلال وأواخر الأربعينيات والخمسينيات، ظهرت أحزاب كالحزب الوطني وحزب الشعب، تمكّنت من تحقيق قدرٍ نسبيٍّ من الحضور السياسي، وعكست توجهات أكثر براغماتية وارتباطًا بالقضايا الوطنية الرئيسة، مثل الاستقلال والهوية السورية. إلا أنّ هذه التجربة لم تتحوّل إلى حياةٍ حزبيةٍ مستقرة؛ بسبب الانقلابات العسكرية المتتالية وتعاقب النخب السياسية على الحكم في ظلّ أجواء إقليمية مضطربة.



أثر الوحدة مع مصر وحلّ الأحزاب


جاءت الوحدة بين سوريا ومصر (الجمهورية العربية المتحدة عام 1958) لتغيّر المشهد جذريًا؛ فقد اشترط الرئيس المصري جمال عبد الناصر حلّ الأحزاب في سوريا، مقتديًا بما كان قائمًا في مصر آنذاك ضد ما وُصف بـ”الأحزاب الرأسمالية و الإقطاعية”. اختلفت الآراء حول هذه الخطوة؛ فمن رأى فيها ضرورةً لتوحيد الصف وإنجاح الوحدة، بينما عدّها آخرون ضربةً للعمل الحزبي السوري الناشئ، إذ حرمت البلاد من التنوع السياسي وأضعفت فرصة تطوّر تجربة ديمقراطية حقيقية، ولم تخدم عمليًا لا مصلحة سوريا ولا تجربة الوحدة السورية المصرية نفسها.



الثغرة العقائدية في بعض الأحزاب


على الرغم من التنوّع النسبي في التوجّهات، عانت بعض الأحزاب العقائدية الكبرى مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي، وحزب البعث، والحزب الشيوعي، من فجوةٍ واضحة بين خطابها وأولويات المجتمع السوري. فقد تمحورت تلك الأحزاب حول رؤًى أيديولوجية كبرى (قومية، اشتراكية، أممية) يغلب عليها الطابع النظري، من دون أن تُقدّم حلولًا واقعيةً لمشكلات المواطن الاقتصادية والاجتماعية. وبدلًا من وضع الإنسان في صلب برامجها، ركّزت على “مشروعٍ نهضويٍّ شامل” أو “واقعٍ افتراضيٍّ بديل” لا يراعي ظروف البلاد آنذاك، ما قلّل من جماهيريتها الفعلية وجعلها تبدو منفصلةً عن هموم الناس.



حزب البعث وفشله في بناء دولة وطنية



وصول البعث إلى السلطة


بعد انهيار تجربة الوحدة مع مصر وعودة الحياة السياسية إلى دمشق، وجد بعض قادة حزب البعث مجالًا للصعود بفضل خطابه القومي والاشتراكي. تمكّن الحزب من الاستيلاء على السلطة عام 1963 بدعم من حزب البعث العراقي بقيادة علي صالح السعدي، ثم قام حافظ الأسد ابتداءً من عام 1970 بتوطيد أركانه، محوّلًا الدولة إلى أداةٍ في يد حزبٍ شمولي. اعتمد النظام على جهازٍ أمنيٍّ قمعيٍّ ورفض التعدّدية السياسية والفكرية، مختزلًا الهوية الوطنية في منظورٍ قومي عربي لا يراعي التنوع الثقافي والديني والمذهبي للمجتمع السوري.



“الحزب القائد” وتهميش الأحزاب الأخرى


تبنّى حزب البعث مبدأ “الحزب القائد للدولة والمجتمع”، وأجبر بقية الأحزاب على العمل ضمن “الجبهة الوطنية التقدمية”، التي بقيت تحت عباءته ومن دون تأثير فعلي في القرارات المصيرية. هذا النهج الاستحواذي أدّى إلى تفريغ الدولة من حيويتها السياسية، وتآكل مشروعية النظام في نظر شريحة واسعة من الشعب، ما انكشف جليًا مع اندلاع الانتفاضة عام 2011 حين تعرّى النظام أمام أزماته الداخلية العميقة.



أهمية التنظيم الحزبي في سوريا ما بعد الأسد



بات من الواضح أنّ أي مشروع لإعادة بناء سوريا على أسس ديمقراطية لا يمكن أن يقوم على الفراغ السياسي أو الشخصيات الفردية فقط. فالعمل الحزبي المنظّم هو إحدى الركائز الرئيسة للديمقراطيات الحديثة؛ إذ يتيح إطارًا للمشاركة والرقابة وتمثيل مختلف المكوّنات المجتمعية ضمن مؤسسات منتخبة تحول الاهتمامات الشعبية إلي مواقف سياسية. من هنا، تبرز ضرورة تأسيس أحزابٍ وطنيةٍ حقيقية تأخذ على عاتقها صياغة الرؤى السياسية والبرامج الاقتصادية والاجتماعية، وتدعم آلياتٍ عادلة للمساءلة والتداول السلمي للسلطة.



الدولة المدنية ودور الأحزاب


الدولة المنشودة يجب أن تكون مدنية، قائمة على المؤسسات والقانون، لا على الطائفة أو العقيدة. وعليه، على الأحزاب أن تنطلق من قاعدةٍ مدنيّة تحترم التعدّدية وحرية المعتقد، مع اعتماد قوانين تُقرّ عبر حوارٍ دستوري شامل. هذا لا يعني التخلي عن الهويات الثقافية أو الدينية، بل يعني عدم فرضها على الدولة كأيديولوجيا رسمية. فمن الضروري أن تُقدّم الأحزاب برامج واقعية تطرح حلولًا لقضايا الاقتصاد والتنمية والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، بعيدًا عن الاكتفاء بالشعارات والمشاريع الإقصائية أو العقائدية.



الدولة المدنية أم الدولة العلمانية؟ وهل الأهمّ أن تكون الدولة “تنويرية”؟


في خضم النقاش حول مستقبل سوريا، قد يخلط البعض بين مفاهيم “الدولة المدنية” و”الدولة العلمانية”، وهناك من يطالب بعلمانيةٍ صارمة تفصل الدين تمامًا عن الدولة، فيما يكتفي آخرون بمبدأ الدولة المدنية التي تضمن حرية المعتقد والمساواة أمام القانون.

• الدولة المدنية: تقوم على المواطنة وسيادة القانون واحترام الحقوق والحريات، وتفصل بين السلطات؛ فلا يُحكَم الناس باسم الدين أو العسكر أو أيّ أيديولوجيا مفروضة. وهي لا تعادي الدين، بل تحيّده عن دوائر الحُكم.

• الدولة العلمانية: تعني الفصل المؤسسي بين الدين والدولة، لكن درجتها قد تختلف من بلدٍ لآخر؛ فقد تكون صارمة (نموذج فرنسا) أو مرِنة (نموذج بريطانيا أو الدنمارك).

• الدولة التنويرية (أو ذات المنحى التنويري): الأهمّ من التسمية (مدنية/علمانية) هو مدى التزام الدولة بقيم التنوير كالعقلانية وحقوق الإنسان والحرية؛ أي ضمان حرية الفرد والمجتمع في التفكير والاختيار ومساءلة السلطة.



دروس من التجربة السويسرية في إدارة التعدّدية



لماذا النموذج السويسري؟


أن الاعتراض باستحضار التجربة السويسرية يتنافى مع الانتقاد لاستيراد الأفكار من الخارج دون تمحيص بحكم اختلاف الواقع السوري عن الحالة السويسرية. لكن لا تهدف الإشارة إلى النموذج السويسري إلى استنساخٍ حرفيٍّ بقدر ما تسعى للاستفادة من تجربةٍ أثبتت نجاعتها في إدارة تنوّعٍ لغوي وديني وثقافي، ضمن إطارٍ فيدراليٍّ وديمقراطيٍّ توافقي. وفي الوقت الذي تواجه فيه دولٌ ديمقراطيةٌ عريقةٌ تحدّياتٍ مع صعود حركاتٍ شعبويةٍ يمينية (مثل الجبهة الوطنية في فرنسا أو حزب البديل من أجل ألمانيا AfD)، يبقى النموذج السويسري مثالًا ناجحًا للتعايش واستدامة الحوار والتوافق.



سويسرا: “علمانية مرنة” أم دولة مدنية؟


تتبع سويسرا شكلًا من أشكال “العلمانية المرِنة”، إذ لا تفصل الدين عن الدولة بشكل صارم، فبعض الكانتونات تعترف رسميًا بديانةٍ ما فيما لا تعترف أخرى بأيّ دين. ورغم ذلك يظل النظام الفدرالي برمّته قائمًا على مبدأ حيادية الدولة تجاه الأديان وصون الحريات الدينية للجميع. هذا النهج يجعل من سويسرا دولة مدنية ديمقراطية تحرص على حرية الفرد وسيادة القانون، ما يضمن احترام التنوع وضبطه ضمن إطارٍ سياسيٍّ مستقر.



آلية الحكم ودور الأحزاب في السلطة بسويسرا

1. الديمقراطية التوافقية

تميّز سويسرا نموذج “الديمقراطية التوافقية”، حيث تشارك الأحزاب الرئيسية في المجلس الفدرالي (الحكومة). يدفع هذا النظام الأحزاب إلى البحث عن حلولٍ وسط وتجنّب الإقصاء، ما يخفّف حدّة الاستقطاب السياسي.

2. الديمقراطية المباشرة

يتمتّع المواطنون في سويسرا بحق طرح مبادرات شعبية واستفتاءاتٍ متكرّرة، ما يعزّز الشعور بالمسؤولية المشتركة في صناعة القرار. وهذا يشجّع الأحزاب على تقديم برامجٍ واقعية ومحدّدة، وإشراك الناس في القرارات المفصلية.

3. التعدّد اللغوي والديني في إطار مشترك

تعترف الدولة السويسرية بأربع لغاتٍ رسمية، وتضمن حياديتها الدينية وحرية المعتقد. هذا يخلق انتماءً وطنيًا عامًا رغم التنوع القائم، ويحدّ من النزعات الانفصالية أو الاستقطابية فيها.



الأحزاب السويسرية: تركيز على البرامج المشتركة


رغم اختلاف التوجّهات بين اليمين المحافظ (حزب الشعب السويسري SVP/UDC) واليسار الاشتراكي (SP/PS) والليبراليين (FDP/PLR) والوسط (Die Mitte/Le Centre) والخُضر (GPS/PES وGLP/PVL)، تتقاطع جميعها في التركيز على قضايا واقعية كالضرائب والبنية التحتية والتأمينات الاجتماعية والبيئة، بدلًا من الانغماس في مشاريع أيديولوجيةٍ كبرى قد لا تجد تأييدًا واسعًا بين المواطنين.



الفرق بين أفكار الأحزاب السويسرية الحالية والأيديولوجيات الكبرى


بينما تسعى الأيديولوجيات الكبرى (كالقومية الشمولية أو الأممية الماركسية أو الاشتراكية المتشددة) إلى “إعادة صياغة” المجتمع والإنسان وفق رؤيةٍ فكريةٍ عابرةٍ للحدود، تطرح الأحزاب السويسرية – حتى الأكثر راديكاليةً ضمن الإطار السويسري – برامجًا ومبادراتٍ براغماتية تتمحور حول احتياجات المواطن. قد تستند هذه الأحزاب إلى خلفياتٍ فكرية أو قيمية معينة، لكنها تُكيّف توجّهاتها السياسية والاقتصادية والبيئية بحسب الواقع الفيدرالي والتعدّدي للبلاد، بدلًا من تقييد نفسها بعقيدةٍ شموليةٍ لا تتيح مساحة للمخالفة أو للتطوّر.



دروس مستفادة لسوريا الجديدة



1. اللامركزية والتوازن في الصلاحيات

يمكن لسوريا الاستفادة من نموذجٍ لامركزيٍّ في المناطق السورية، لضمان المشاركة المحلية وتجنّب عودة المركزية المطلقة.

2. التوافق والحوار السياسي

اعتماد آلياتٍ توافقية لتشكيل الحكومات والهيئات التشريعية يُعزّز المشاركة ويحدّ من تهميش أي طرف.

3. الديمقراطية المباشرة والرقابة الشعبية

إدخال استفتاءاتٍ شعبية وآليات محاسبةٍ ديمقراطيةٍ يساهم في إشراك المواطنين في اتخاذ القرارات المصيرية، ويمنع إعادة إنتاج الدكتاتورية.

4. التعدّدية الدينية واللغوية

ينبغي وضع قوانين ومؤسساتٍ حيادية تحترم مكونات الشعب السوري المتعددة، ما يحوّل التنوع السوري إلى مصدرٍ للثراء بدلًا من أن يكون سببًا للانقسام.



خاتمة



إن إدراك الأخطاء التاريخية في التجربة الحزبية السورية، ومحاولة تجاوزها عبر تأسيس أحزابٍ وطنية ديمقراطية، هو خطوة أساسية نحو بناء سوريا جديدة تتجنّب تكرار مآسي الماضي. وفي هذا المسعى، لا تتناقض الاستفادة من نماذجٍ ناجحٍة في العالم مع ضرورة مراعاة الخصوصية السورية؛ إذ يُمكن انتقاء الآليات الملائمة وتكييفها بما يتماشى مع الواقع المحلي.



ورغم التحدّيات التي تواجه حتى الديمقراطيات العريقة جرّاء صعود تياراتٍ شعبويةٍ يمينية، يظلّ النموذج السويسري دليلاً على إمكان ضبط التعدّد في إطارٍ فيدراليٍّ وديمقراطيٍّ تشاركي؛ وهو ما تحتاجه سوريا في طورها الجديد لتطوير عقدٍ اجتماعيٍّ يشمل الجميع ويؤسّس لإعادة بناء الدولة على أسسٍ مدنية عادلة. بذلك، يمكن لسوريا الانتقال من حقبة الاستبداد والدمار إلى حقبة البناء الديمقراطي الشامل، حيث تكون الأحزاب هي البيئة المؤسساتية الأولى لمعالجة هموم المواطنين وتطلعاتهم، في ظلّ دولةٍ مدنيةٍ تنويرية ترتكز على الحرية والعقلانية وسيادة القانون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق