السبت، 25 مارس 2017
وسائل الاعلام وقصور الوعي السياسي
من المتعارف عليه أنّ وسائل الاعلام المختلفة ولاسيما الاذاعة والتلفزيون حقّقت تأثيرات كبيرة في الحياة العامة وأصبحت جزءا من السلطات الاجتماعية ذات التأثير والنفوذ الكبير في تشكيل الوعي المجتمعي العام، وتغيير القيم والعادات الراسخة، حتى أن البعض بات يطلق تعبير عصر الحياة الاعلامية، وامكانية جعلها بديلا عن ميادين تعليمية مختلفة.
وفي هذا المجال وبغض النظر عن التأثيرات الايجابية للوسيلة الاعلامية بميادينها المختلفة وفنونها المتنوعة، والتي أُحدثت لها كليات ومعاهد وأقسام أكاديمية، بحيث تحوّلت الى مهنة متخصصة لها مقوّماتها وطرائقها وفنونها، فانّ جوانب سلبية كثيرة بات الاعلام ميدانا وناشراً لها، لدرجة أنّ البعض أطلق على الاعلام القائم تعبير(المستنقع الاعلامي) جرّاء تعامله مع القضايا الكبيرة باسلوب دعائي واعلامي سريع أو استعراضي فيه الكثير من التضليل والتزييف للحقائق والتشويه بغية تحقيق انحراف عام في التوجّهات وعدم الوصول الى الحقائق،تحت غطاءات آيديولوجية وادعاءات مبدئية مغيّبة.
من الجوانب التي سنتوقف عندها:دور الاعلام الدعائي في تقزيم مفهوم الوعي المجتمعي وحرفه بالتوقف عند الشعارات العامة، واعتبارها أهدافا سامية ومبدئية، دون تعمّق معرفي أو تحليل علمي، مما ينشر حالة القصور المعرفي العام ويؤدي الى اضطرابات وخلخلة في المواقف والمفاهيم تجاه القضايا المختلفة.
في هذا المجال يمكن التوقف عند القضايا السياسية:
المعروف أنّ السياسة علم من العلوم الانسانية والاجتماعية ذات أبعاد تطبيقية خاصة من حيث الزمان والمكان ببيئته ومحيطه الاقليمي والدولي.
جاء في تعريف السياسة انّها:
الاجراءات والطرق المؤدّية لاتخاذ قرارات من أجل المجموعات والمجتمعات البشرية، وتسيير أمورها وقيادتها، ومعرفة كيفية التوفيق بين التوجهات الانسانية المختلفة والتفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد.
وتعرّف السياسة أيضا بأنها العلم الذي يشرح كيفية توزّع القوة والنفوذ بمجتمع ما أو نظام معيّن، وأنّها الاستخدام الحكيم للوصول الى تحقيق الأهداف النبيلة التي تحقّق تطوّر حياة المجتمع نحو الأفضل.
لذلك قيل: السياسة فنّ الحكم وفن ادارة الصراع. ولعلّنا جميعا نذكر ما قاله معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي في السياسة: والله لو كان بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت، فان شدّوا رخوْت، وان رخوْا شددّت.
والعلوم السياسية تتفرع الى نظريات وفلسفة وعلوم مدنية،ومقارنة، وأنظمة وتحليل وقانون وهيئات دولية ولذلك أطلق عليها العلوم السياسية، تأكيدا لمفهوم العلم وتفريدا لتخصّصاته الأكاديمية المتنوعة
الاّ أن الملاحظ جرّاء توظيف وسائل الاعلام توظيفا دعائيا واعلانيا للأنظمة السياسية أو لتيارات سياسية بعينها ،أوجد حالة من العلم بالشيء مع نقص في تحليله ودراسته الدراسة العلمية اللازمة. فأوجد حالة من المعرفة الناقصة جعلت الكثير من أنصاف المتعلمين، وهم كثر في مجتمعاتنا بحكم التخلّف والفقر والأمّية، يدّعون المعرفة الكاملة التي لايدخلها الباطل، ويتحولون الى دعاة متعصبين لما سمعوه واقتنعوا به، متوقفين عند أفكار ومواقف عفّ عليها الزمن وتجاوزتها الحداثة التي يعيشها العالم المتطوّر والفاعل. وهو ما يدعونا الى التأكيد على اعادة النظر في مسؤولية الوسيلة الاعلامية، وشروط عملها ومقوّمات العاملين الاعلاميين بها، ولاسيما في مجال التخصص، والقدرة على مسايرة نظرية الشفافية التي تعدّ أساس العمل الاعلامي والسياسي الصادق والمخلص.
انّ حالة الحراك العربي القائمة الآن في غالبية الأقطار العربية، والمترافقة مع حالة تشتّت اعلامي في الوسائل الاعلامية العاملة فضائيا، ذات التبعية لأنظمة وتيارات ومموّلين، جعلت من المتابع العربي في حالة قلق كبير على مستقبل أمّته، خاصة وأنّ الأنظمة التي تواجه الحراك تستخدم وسائلها الاعلامية بالطريقة المشوّهة التي بيّناها، مقتصرة على مفهوم السلطة المستمرّة دون قبول اعتراض أو معارضة من غير صنعها وموافقتها، معتمدة على نظرية استمرار الحكم وشرعيّته بعيدا عن مفهوم علم السياسة الذي يحمّل المسؤولين من حكّام ووزراء وقياديين لتيارات سياسية فاعلة، تبعات الحياة السياسية للمجتمع والمشاكل التي يواجهها، ممّا يدعوهم الى اتخاذ خطوات استشارية استثنائية واجراءات ديمقراطية يعرف المتخصصون بالعلوم السياسية مجرياتها وتفاصيلها بما يتلاءم والظروف والحماية الوطنية والاجتماعية.
انّ مدرسة السياسة الميكيافيلية التي تستند اليها الكثير من وسائل اعلام الأنظمة بغطاءات أيديولوجية استنادا الى مواقف مبدئية ثابتة ومستمرة، هي مدرسة أصبحت من مخلّفات الماضي ،وسُبّة في في العلوم السياسية المعاصرة، تجاوزها الزمن ورماها التطور في سلة المهملات بعد دخول عصور التنوير والنهضة والحداثة وما بعدها، فلم يعد غطاء الادّعاءات الآنفة مقبولا لمجتمعنا في عصر التحوّلات القائمة. بل أصبح يشكّل عائقا في وجه التطور الحضاري المأمول. الأمر الذي يجعل من الخطوات الوطنية الجريئة والسياسية الحقّة، المنتظر والمتوقع بديلا عن التضليل والمناكفة والآيديولوجيات البائدة،التي تخلق مزيدا من الانقسامات والتمزق الاجتماعي، المخالف لمفهوم السياسة الوطنية ودور قياداتها الديمقراطية.
مع الثقة الكبيرة في قدرة المتلقي العربي على التجاوب مع التطور في حال تقديمه بأسلوب علمي صادق وشفّاف استنادا الى قيمه الدينية والوطنية التي نشأ عليها أسريا واجتماعيا، بالرغم من سياسة الأنظمة القمعية في تهميش القيم الاجتماعية الايجابية لمجتمعاتنا عبر منظمات كرتونية ومناهج تربوية هزيلة ومشوّهة قُدّمت كبدائل لمناهج الأخلاق والعلوم المدنية.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق