نشر في الحياة
البيئة وسلامتها، صحة وجمالاً، حقٌ لسكّان المعمورة يشكّل أساس استمرار الكون والحياة الهانئة السليمة. ونتيجة للتدهور الكبير الذي أصاب البيئة في العالم أجمع ودراسة إشكالات هذا التدهور وضرورة إيقافه صوْناً لسلامة الحياة البشرية وديمومتها، ازدادت الدراسات العلمية والمؤتمرات الإقليمية والدولية التي خُصّصت لهذا الأمر، وكان آخرها قمّة باريس حول المناخ، وقمّة مراكش للمناخ التي ركّزت على أولوية الزراعة والمياه، مع ما سبقهما من مؤتمر كيوتو في اليابان سنة1997، وقمة الأرض في ريودو جانيرو، وبروتوكول مونتريال المتعلق بالمواد المؤثّرة في طبقة الأوزون ومؤتمرات أخرى كثيرة تتعلّق بالأمطار الحامضة وتلويث البحار وترشيد استهلاك المياه (ينظر كتاب «تعرّف إلى علم البيئة» تأليف ديفيد بورني وترجمة هاني حدّاد، وزارة الثقافة- دمشق، 1992). إضافة إلى اتفاقية منع الإتجار بالحيوانات المهدَّدة بالانقراض، واتفاقية باريس التي وُقّعت في 2015 بشأن خفض انبعاث غازات التلوّث خصوصاً ثاني أوكسيد الكربون، ودعم التوجّه لتبنّي الطاقات النظيفة. ونشط الكثير من حماة البيئة في إنشاء مجموعات ضاغطة من متطوعين ومتبرّعين عبر جمعيات مدنية لنشر وعي جماهيري لحماية البيئة ومنع اختبار الأسلحة النووية، وإنشاء مراكز للتخلّص من النفايات، ومراكز بحوث لدراسات علمية في كل المجالات المتعلقة بالبيئة ومنها ما يتعلّق بسلامة البيئة البحرية مستذكرين اتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط وبرنامج العمل الإستراتيجي SAP إضافة إلى تأسيس أحزاب للبيئة كما حزب الخضر في ألمانيا. لقد ترافقت كل المؤتمرات والاتفاقيات والمبادرات مع نشاط توْعوي ببُعْد أخلاقي يرتكز إلى واجب الإنسان ودوره في الحفاظ على سلامة كوكبه ومحيطه. وإذا توقفنا مع هذا البُعد الأخلاقي المعتمد على علوم البيئة الاجتماعية وعلم التحليل النفسي أو الإيكولوجي وفق تيودور روزاك، مدير معهد علم النفس الإيكولوجي في جامعة كاليفورنيا (ينظر مدخل إلى الفكر الإيكولوجي -مجموعة من المؤلفين- ترجمة معين رومية، وزارة الثقافة في دمشق 2007) والتي يؤكد فيها أنّ مسؤوليتنا الأخلاقية نحو الطبيعة والمستقبل ذات أهميّة وراهنيّة لم نعهدهما من قبل، وهي مسؤولية لا يمكننا التهرّب منها، ففي أيدينا الجامحة واللامبالية حتى الآن يكمن مصير بيئتنا الطبيعية وإخوتنا من الأنواع الحية والأجيال اللاحقة). وإزاء هذه المقدمة التي بيّنت مدى الاهتمام العالمي بالبيئة ومخاطر تدميرها، نتساءل عن مدى تجاوب الإنسان العربي مع هذا الموضوع ومع الاهتمام العالمي، في ظل قيم مجتمعنا وعقائده وتقاليده والخطط الحكومية القائمة. من المتعارف عليه أنّ قيم المجتمع تتشكّل من مجموعة عوامل تستند إلى عقيدة المجتمع ونظرياته التربوية وتقاليده الاجتماعية ومدى تقيّده بالأنظمة وخطط البلد المنتسب إليه وقوانينه، ونستطيع اعتماد دراسات علم الاجتماع باعتبار العقيدة الدينية من أول العوامل المؤثّرة، تليها النظرية التربوية المعتمدة في النظام التعليمي والتطبيق الدقيق للأنظمة المعمول بها وفق القوانين من دون تفرقة أو فساد ورشى، وفي هذا يقول ابن خلدون إنّ «الإنسان كائن ثقافي أكثر منه كائناً عضوياً، لأن الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألِفَهُ في الأحوال حتى صار خلقاً ومَلكَة ، بحيث ينزل ذلك منزلة الطبيعة والجِبِلّة». اهتمامات ابن خلدون في علاقة البيئة بالإنسان لم تكن مقطوعةَ الصلة بماضيها، وانما جاءت امتداداً وتنقيحاً لما قبله من اهتمامات العلماء العرب والمسلمين الأوائل وفق ما جاء عند المسعودي في كتاب «التنبيه»، والمقدسي في «أحسن التقاسيم»، وابن فضلان في رسالته، إذ بيّنوا جميعهم أنّ سبب انتشار الأوبئة يعود إلى تبدّلات الجو وفساد الهواء (ينظر كتاب حماية البيئة في الحضارة الإسلامية، د. محمد يونس، الرافد- دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، 2014)، كما ابن رضوان في رسالته عن تلوّث مياه النيل «دفع مضار الأبدان بأرض مصر والسودان». أما الأطباء العرب والمسلمون، فقد توسّعوا في الحديث عن إفراط الكيفيات على الهواء من بخار المياه الراكدة والمتعفّنة وروائح الجيف والقتلى المسببة للحمى الوبائية وفق الزهراوي الطبيب المشهور. ما قدمناه من عرضٍ سريعٍ لاهتمام العلماء والكتّاب في التراث العربي والإسلامي، يؤكد أنّ موضوع حماية البيئة لم يغب عن قيم الحياة العربية الإسلامية، فالمطالبة بمنع الإضرار بالبيئة تظهر بوضوح في الفقه الذي استند إلى: 1- درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح. 2- لا ضرر ولا ضرار. ففي درء المفاسد كانت النظم تمنع طرح النفايات والجيف في الأسواق والطرقات، كما تمنع طرح كلّ أنواع الزبالة والمعوِّقات في الطرقات وفق الحديث المأثور: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة». وعليه، صار وضع خطط المدن أو هندستها وفق الاصطلاح المعاصر، والضوابط التي تحكم تصرفات المسلم تجاة البيئة محكومة بالقاعدتين المذكورتين، يضاف إليهما الحرص الشديد على الزراعة وفق الحديث الشريف: «لو جاءت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها في الأرض». والحرص الكبير أيضاً على نظافة الماء من تلويثه باعتباره طاهراً طهوراً. والآية الكريمة تقول: «وجعلنا من الماء كلّ شيء حي». ونخلص إلى أنّ التربية الإسلامية ركّزت بشكل واضح على تحمّل المسلم مسؤولية حماية البيئة بتأمين نظافتها والامتناع عن كل ما يفسدها، بحيث ارتبطت النظافة بالتقاليد الاجتماعية، وأصبح تعبير: «النظافة من الإيمان» تقليداً ملزماً على الصعيدين الشخصي والعام. لكن الواقع المعاصر الذي تشكّل نتيجة عوامل متشابكة من حيث التخلّف والأميّة التي ترافقت مع فترة الاحتلال وانتشار صراعات وتعصّبات لمذاهب أيديولوجية متباينة، قوّض الكثير من التقاليد التي رسختها التربية وحوّل مفاهيمها، فأصبحت شخصانية بدلاً من عامة أو شعاراتيّة بدلاً من التنفيذ والعمل، وقد أعاد البعض ذلك أيضاً إلى الأنظمة الشموليّة التي حكمت الكثير من الأقطار وطبّقت أنظمتها المستوردة خلافاً لتقاليدنا وتربيتنا الأصيلة. فصار الصرف الصحي، وهو من مسؤولية الحكومات، يصبّ في البحار أو الأنهار والوديان، وصارت القمامة تُرمى على الشواطئ أو تُطمر في الأراضي والساحات، وصارت المسالخُ والمدابغ إلى جوار البيوت والمساجد والمدارس، والمعاملُ والمصافي تنفث دخانها في هواء المدن وتُرمى عوادمها على الأراضي ومزروعاتها، وغيره الكثير. أما الأنظمة، فقد انتشر التفاوت في تطبيقها وعدم تطويرها بما يلائم مستجدات الحياة الصناعية والزراعيّة المتسارعة، إضافة إلى الفساد والرشى التي استشرت إلى حدّ التغوّل. الأمر الذي يدعو وبقوةٍ وإيمانٍ عميق إلى العودة إلى الأصول في قيَمنا وعدمِ الاكتفاء بالقول دون الفعل، تأكيداً للقول المأثور «لا ينفع قول لا فعل فيه»، مستذكرين ما نُقل عن الشيخ محمد عبده حين عودته من فرنسا: «لقد وجدت الإسلام في فرنسا ولم أجد المسلمين، ووجدت المسلمين في بلادنا ولم أجد الإسلام!». إن البيئة التي نعيش فيها بحاجة ماسّة إلى تطبيق القيم التي استندت إليها تربيتنا بالمفاهيم الأصيلة المستندة إلى أخلاقية المجتمع بعمومه، ومساواة تطبيق الأنظمة على الفرد والجماعة، بما فيه المؤسسات ومسؤوليها، ومساءلة المخالفين مهما علت مراتبهم ومسؤولياتهم، فالمسؤولية خدمة وعبء من منطلق خادم القوم سيّدهم، فلا ميزة من دون خدمة كاملة بإخلاص وتفانٍ. إنّ ثورة تعيشها بلدان العالم سمّيت بالثورة الكونية، وفي هذا يتحدّث المفكر المصري د. سيد يس محدداً الثورة الكونية بأبعاد ثلاثة هي: السياسية والقيمية والمعرفية، ونستطيع إدراج موضوع البيئة في حياتنا العربية بالبعدين الثاني والثالث، مستبعدين في حالتنا القائمة البعد الأول على رغم أن بعض الدول شكّلت أحزاباً للبيئة كما ذكرنا، فقد استخدم باحثون كبار موضوع الانتقال من القيم المادية إلى القيم مابعد الحداثية وفق الباحث الأميركي أنكل هارت، إذ أدرجت قائمة كبيرة وجديدة أثّرت في طريقة حياة المجتمعات الغربية المعاصرة، وشكّلت حياة بقيم جديدة، يمكن التوقف عند بعضها وهو حماية البيئة، وبغض النظر عن قبولنا أو عدمه لقيم المجتمعات الغربية، فإن ضرورة الانفتاح على مسيرة المجتمعات المتطوّرة والانفتاح على دراستها والاستفادة منها وفق ما تقتضيه الضرورات، هو أمر مهم كما كان حال المجتمع الأندلسي في اهتمامه بالانتاج الثقافي الغربي وترجمة أمهاته. قد يقول قائل إن مجتمعاتنا لا تزال تبحث عن إشباع حاجاتها الأساسية الماديّة منها، لأنها تعيش حال فشل واضحٍ في إشباع حاجاتها (في ظلّ القهر المعمّم، والحرمان من الديموقراطيّة) وفق سيد يس. وهو ما جعل المجتمعات العربية والإسلامية في غالبيتها تؤمن بقيمها نظرياً فقط من دون تطبيق عام، مكتفية بالبحث الدائم عن سدّ الحاجات الأساسية، في حين أنّ وعياً واسعاً لا بدّ من أن يجد مجاله الحيوي والملائم، بخاصة أن توسّعاً في التعليم بمختلف مستوياته وتخصصاته أصبح أمراً واقعاً يساعد في نشر وعي كبير يحقّق الربط بين بين تأمين الحاجات وحماية بيئته وفق قيمه ومعتقداته، وهو ما يتطلّب من وسائل الإعلام بشكل خاص وجميع ميادين الدعوة والتربية والتعليم التركيز عليها وتوضيح طرائق حمايتها وأهميتها حياتياً وعلمياً.
البيئة وسلامتها، صحة وجمالاً، حقٌ لسكّان المعمورة يشكّل أساس استمرار الكون والحياة الهانئة السليمة. ونتيجة للتدهور الكبير الذي أصاب البيئة في العالم أجمع ودراسة إشكالات هذا التدهور وضرورة إيقافه صوْناً لسلامة الحياة البشرية وديمومتها، ازدادت الدراسات العلمية والمؤتمرات الإقليمية والدولية التي خُصّصت لهذا الأمر، وكان آخرها قمّة باريس حول المناخ، وقمّة مراكش للمناخ التي ركّزت على أولوية الزراعة والمياه، مع ما سبقهما من مؤتمر كيوتو في اليابان سنة1997، وقمة الأرض في ريودو جانيرو، وبروتوكول مونتريال المتعلق بالمواد المؤثّرة في طبقة الأوزون ومؤتمرات أخرى كثيرة تتعلّق بالأمطار الحامضة وتلويث البحار وترشيد استهلاك المياه (ينظر كتاب «تعرّف إلى علم البيئة» تأليف ديفيد بورني وترجمة هاني حدّاد، وزارة الثقافة- دمشق، 1992). إضافة إلى اتفاقية منع الإتجار بالحيوانات المهدَّدة بالانقراض، واتفاقية باريس التي وُقّعت في 2015 بشأن خفض انبعاث غازات التلوّث خصوصاً ثاني أوكسيد الكربون، ودعم التوجّه لتبنّي الطاقات النظيفة. ونشط الكثير من حماة البيئة في إنشاء مجموعات ضاغطة من متطوعين ومتبرّعين عبر جمعيات مدنية لنشر وعي جماهيري لحماية البيئة ومنع اختبار الأسلحة النووية، وإنشاء مراكز للتخلّص من النفايات، ومراكز بحوث لدراسات علمية في كل المجالات المتعلقة بالبيئة ومنها ما يتعلّق بسلامة البيئة البحرية مستذكرين اتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط وبرنامج العمل الإستراتيجي SAP إضافة إلى تأسيس أحزاب للبيئة كما حزب الخضر في ألمانيا. لقد ترافقت كل المؤتمرات والاتفاقيات والمبادرات مع نشاط توْعوي ببُعْد أخلاقي يرتكز إلى واجب الإنسان ودوره في الحفاظ على سلامة كوكبه ومحيطه. وإذا توقفنا مع هذا البُعد الأخلاقي المعتمد على علوم البيئة الاجتماعية وعلم التحليل النفسي أو الإيكولوجي وفق تيودور روزاك، مدير معهد علم النفس الإيكولوجي في جامعة كاليفورنيا (ينظر مدخل إلى الفكر الإيكولوجي -مجموعة من المؤلفين- ترجمة معين رومية، وزارة الثقافة في دمشق 2007) والتي يؤكد فيها أنّ مسؤوليتنا الأخلاقية نحو الطبيعة والمستقبل ذات أهميّة وراهنيّة لم نعهدهما من قبل، وهي مسؤولية لا يمكننا التهرّب منها، ففي أيدينا الجامحة واللامبالية حتى الآن يكمن مصير بيئتنا الطبيعية وإخوتنا من الأنواع الحية والأجيال اللاحقة). وإزاء هذه المقدمة التي بيّنت مدى الاهتمام العالمي بالبيئة ومخاطر تدميرها، نتساءل عن مدى تجاوب الإنسان العربي مع هذا الموضوع ومع الاهتمام العالمي، في ظل قيم مجتمعنا وعقائده وتقاليده والخطط الحكومية القائمة. من المتعارف عليه أنّ قيم المجتمع تتشكّل من مجموعة عوامل تستند إلى عقيدة المجتمع ونظرياته التربوية وتقاليده الاجتماعية ومدى تقيّده بالأنظمة وخطط البلد المنتسب إليه وقوانينه، ونستطيع اعتماد دراسات علم الاجتماع باعتبار العقيدة الدينية من أول العوامل المؤثّرة، تليها النظرية التربوية المعتمدة في النظام التعليمي والتطبيق الدقيق للأنظمة المعمول بها وفق القوانين من دون تفرقة أو فساد ورشى، وفي هذا يقول ابن خلدون إنّ «الإنسان كائن ثقافي أكثر منه كائناً عضوياً، لأن الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألِفَهُ في الأحوال حتى صار خلقاً ومَلكَة ، بحيث ينزل ذلك منزلة الطبيعة والجِبِلّة». اهتمامات ابن خلدون في علاقة البيئة بالإنسان لم تكن مقطوعةَ الصلة بماضيها، وانما جاءت امتداداً وتنقيحاً لما قبله من اهتمامات العلماء العرب والمسلمين الأوائل وفق ما جاء عند المسعودي في كتاب «التنبيه»، والمقدسي في «أحسن التقاسيم»، وابن فضلان في رسالته، إذ بيّنوا جميعهم أنّ سبب انتشار الأوبئة يعود إلى تبدّلات الجو وفساد الهواء (ينظر كتاب حماية البيئة في الحضارة الإسلامية، د. محمد يونس، الرافد- دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، 2014)، كما ابن رضوان في رسالته عن تلوّث مياه النيل «دفع مضار الأبدان بأرض مصر والسودان». أما الأطباء العرب والمسلمون، فقد توسّعوا في الحديث عن إفراط الكيفيات على الهواء من بخار المياه الراكدة والمتعفّنة وروائح الجيف والقتلى المسببة للحمى الوبائية وفق الزهراوي الطبيب المشهور. ما قدمناه من عرضٍ سريعٍ لاهتمام العلماء والكتّاب في التراث العربي والإسلامي، يؤكد أنّ موضوع حماية البيئة لم يغب عن قيم الحياة العربية الإسلامية، فالمطالبة بمنع الإضرار بالبيئة تظهر بوضوح في الفقه الذي استند إلى: 1- درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح. 2- لا ضرر ولا ضرار. ففي درء المفاسد كانت النظم تمنع طرح النفايات والجيف في الأسواق والطرقات، كما تمنع طرح كلّ أنواع الزبالة والمعوِّقات في الطرقات وفق الحديث المأثور: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة». وعليه، صار وضع خطط المدن أو هندستها وفق الاصطلاح المعاصر، والضوابط التي تحكم تصرفات المسلم تجاة البيئة محكومة بالقاعدتين المذكورتين، يضاف إليهما الحرص الشديد على الزراعة وفق الحديث الشريف: «لو جاءت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها في الأرض». والحرص الكبير أيضاً على نظافة الماء من تلويثه باعتباره طاهراً طهوراً. والآية الكريمة تقول: «وجعلنا من الماء كلّ شيء حي». ونخلص إلى أنّ التربية الإسلامية ركّزت بشكل واضح على تحمّل المسلم مسؤولية حماية البيئة بتأمين نظافتها والامتناع عن كل ما يفسدها، بحيث ارتبطت النظافة بالتقاليد الاجتماعية، وأصبح تعبير: «النظافة من الإيمان» تقليداً ملزماً على الصعيدين الشخصي والعام. لكن الواقع المعاصر الذي تشكّل نتيجة عوامل متشابكة من حيث التخلّف والأميّة التي ترافقت مع فترة الاحتلال وانتشار صراعات وتعصّبات لمذاهب أيديولوجية متباينة، قوّض الكثير من التقاليد التي رسختها التربية وحوّل مفاهيمها، فأصبحت شخصانية بدلاً من عامة أو شعاراتيّة بدلاً من التنفيذ والعمل، وقد أعاد البعض ذلك أيضاً إلى الأنظمة الشموليّة التي حكمت الكثير من الأقطار وطبّقت أنظمتها المستوردة خلافاً لتقاليدنا وتربيتنا الأصيلة. فصار الصرف الصحي، وهو من مسؤولية الحكومات، يصبّ في البحار أو الأنهار والوديان، وصارت القمامة تُرمى على الشواطئ أو تُطمر في الأراضي والساحات، وصارت المسالخُ والمدابغ إلى جوار البيوت والمساجد والمدارس، والمعاملُ والمصافي تنفث دخانها في هواء المدن وتُرمى عوادمها على الأراضي ومزروعاتها، وغيره الكثير. أما الأنظمة، فقد انتشر التفاوت في تطبيقها وعدم تطويرها بما يلائم مستجدات الحياة الصناعية والزراعيّة المتسارعة، إضافة إلى الفساد والرشى التي استشرت إلى حدّ التغوّل. الأمر الذي يدعو وبقوةٍ وإيمانٍ عميق إلى العودة إلى الأصول في قيَمنا وعدمِ الاكتفاء بالقول دون الفعل، تأكيداً للقول المأثور «لا ينفع قول لا فعل فيه»، مستذكرين ما نُقل عن الشيخ محمد عبده حين عودته من فرنسا: «لقد وجدت الإسلام في فرنسا ولم أجد المسلمين، ووجدت المسلمين في بلادنا ولم أجد الإسلام!». إن البيئة التي نعيش فيها بحاجة ماسّة إلى تطبيق القيم التي استندت إليها تربيتنا بالمفاهيم الأصيلة المستندة إلى أخلاقية المجتمع بعمومه، ومساواة تطبيق الأنظمة على الفرد والجماعة، بما فيه المؤسسات ومسؤوليها، ومساءلة المخالفين مهما علت مراتبهم ومسؤولياتهم، فالمسؤولية خدمة وعبء من منطلق خادم القوم سيّدهم، فلا ميزة من دون خدمة كاملة بإخلاص وتفانٍ. إنّ ثورة تعيشها بلدان العالم سمّيت بالثورة الكونية، وفي هذا يتحدّث المفكر المصري د. سيد يس محدداً الثورة الكونية بأبعاد ثلاثة هي: السياسية والقيمية والمعرفية، ونستطيع إدراج موضوع البيئة في حياتنا العربية بالبعدين الثاني والثالث، مستبعدين في حالتنا القائمة البعد الأول على رغم أن بعض الدول شكّلت أحزاباً للبيئة كما ذكرنا، فقد استخدم باحثون كبار موضوع الانتقال من القيم المادية إلى القيم مابعد الحداثية وفق الباحث الأميركي أنكل هارت، إذ أدرجت قائمة كبيرة وجديدة أثّرت في طريقة حياة المجتمعات الغربية المعاصرة، وشكّلت حياة بقيم جديدة، يمكن التوقف عند بعضها وهو حماية البيئة، وبغض النظر عن قبولنا أو عدمه لقيم المجتمعات الغربية، فإن ضرورة الانفتاح على مسيرة المجتمعات المتطوّرة والانفتاح على دراستها والاستفادة منها وفق ما تقتضيه الضرورات، هو أمر مهم كما كان حال المجتمع الأندلسي في اهتمامه بالانتاج الثقافي الغربي وترجمة أمهاته. قد يقول قائل إن مجتمعاتنا لا تزال تبحث عن إشباع حاجاتها الأساسية الماديّة منها، لأنها تعيش حال فشل واضحٍ في إشباع حاجاتها (في ظلّ القهر المعمّم، والحرمان من الديموقراطيّة) وفق سيد يس. وهو ما جعل المجتمعات العربية والإسلامية في غالبيتها تؤمن بقيمها نظرياً فقط من دون تطبيق عام، مكتفية بالبحث الدائم عن سدّ الحاجات الأساسية، في حين أنّ وعياً واسعاً لا بدّ من أن يجد مجاله الحيوي والملائم، بخاصة أن توسّعاً في التعليم بمختلف مستوياته وتخصصاته أصبح أمراً واقعاً يساعد في نشر وعي كبير يحقّق الربط بين بين تأمين الحاجات وحماية بيئته وفق قيمه ومعتقداته، وهو ما يتطلّب من وسائل الإعلام بشكل خاص وجميع ميادين الدعوة والتربية والتعليم التركيز عليها وتوضيح طرائق حمايتها وأهميتها حياتياً وعلمياً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق