السبت، 25 مارس 2017
سورية ولبنان .. علاقات متشابكة وقلقة
تشكّل العلاقات السورية اللبنانية حالة قلقة منذ إنشاء دولتي سورية ولبنان بشكلهما الحالي في ظلّ الانتداب الفرنسي في الربع الثاني من القرن العشرين الماضي، وازداد هذا القلق مع تفجّر الأزمة السورية منذ أواسط العام 2011م وتشكّل حكومة نجيب ميقاتي بدعم من الجهات المؤيدة لنظام حكم بشار الأسد وبحكم أهمية نظام الحكم القائم في سورية وتحالفه مع الجمهورية الإيرانية التي تقدّم دعماً كبيراً لحزب الله في لبنان، يأتي غالبيته عن طريق سورية، الأمر الذي أوجد حالة تحالف قوي بين الحزب ونظام الحكم السوري.
انّ الدعم الدولي لضمان استقلال لبنان وسيادته وزيارة قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان والإشارات التي أبداها في تعاطفه مع الشعب السوري ورفضه للعنف الجاري معه، شكّلت كلها مجالا لإعادة دراسة العلاقات بين سورية ولبنان وإمكانية تفادي وصول العنف إليه خصوصا وانّ الحكومة اللبنانية رفعت شعار النأي بالنفس عن الازمة السورية.الاّ أنّ مسيرة الأحداث ولاسيما الحدودية منها ومعارك بلدة (القصير) ومحيطها وما رافقها من تصريحات واتهامات متبادلة بين حزب الله والمعارضة السورية، والانتقادات الدولية لتدخل حزب الله داخل الأراضي السورية لصالح نظام الأسد، أعاد إشكالية العلاقة التاريخية المتشابكة بين دولتي سورية ولبنان.
فيما يأتي استعراض تاريخي سريع لهذه العلاقات
اعتراف صعب بالاستقلال:
بعد فرط عقد الدولة العثمانية وانسلاخ ولاية الشام عنها. وتتويج الأمير فيصل ابن الحسين ملكاً عليها، تشكّل مجلس تشريعي تأسيسي في دمشق ضم ممثلين عن المناطق السورية واللبنانية والفلسطينية في تأكيد على وحدة سورية الطبيعية (الكبرى) والتي تمثّل من الناحية الجغرافية بلاد الشام، وهي وفق التسميات الحالية( سورية ولبنان والأردن وفلسطين). وبسبب الاحتلال الفرنسي والبريطاني لسورية الكبرى وفّق اتفاقية (سايكس بيكو) تم إسقاط الملكية في سورية وخروج الملك فيصل الأول من دمشق متجهاً إلى إمارة شرقي الأردن والذي عيّنته السلطات البريطانية فيما بعد ملكاً على العراق في محاولة منها للسيطرة على الإشكاليات الاثنية والطائفية في العراق بحكم انتماء الملك فيصل بن الشريف حسين إلى أسرة الرسول محمد (ص) واعترافاً بفضل هذه الأسرة بالتعاون مع البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى، والانتفاض على الدولة العثمانية، فيما سمي بالثورة العربية الكبرى التي تمّت وفق مراسلات (حسين ـ مكماهون).
ووفق اتفاقية (سايكس ـ بيكو) دخلت الجيوش الفرنسية لبنان وسورية وقامت بتوسيع دائرة ما كان يسمى (متصرفية جبل لبنان) حيث الأكثرية المسيحية المارونية والتي كانت تتمتع باستقلالية محليّة تحت حكم الدولة العثمانية، استناداً إلى الطبيعة الدينية لنظام الحكم العثماني، وتعاملاً مع الضغوط الغربية على الباب العالي في ذلك الوقت.
لكن الانتداب الفرنسي للبنان قرّر توسيع دائرة متصرفية جبل لبنان وإنشاء دولة لبنان الكبير، بضمّ الأقضية الأربعة إلى المتصرفية والتي كانت في غالب الاوقات تتبع ولاية الشام أو ولاية بيروت بحكم التشكيل الإسلامي لغالبية سكان هذه الأقضية وهي طرابلس وبيروت وصيدا وبعلبك.
لكن السوريين وكذلك غالبية سكان هذه الأقضية لم يعترفوا بهذا الضم وبقيت القضية معلّقة من الناحيتين السياسية ومشاعر الانتماء، التي ترفض كلّ مايقرّره الاحتلال.
وبعد استقلال كل من سورية ولبنان في أعقاب الحرب العالمية الثانية ونتيجة لها في عامي 1946 و1947م، بقيت إشكالية الاعتراف السوري بدولة لبنان الكبير قائمة. الا انّ التعاون المسيحي الإسلامي (السني والشيعي)اللبناني بصيغته الجديدة بعد الاستقلال، شكّل ضغطاً كبيراً على الحكومة السورية للموافقة على هذا الاعتراف.
ومثّل هذا التعاون عن الجانب المسيحي بشارة الخوري الزعيم الماروني الذي انتخب رئيساً للجمهورية اللبنانية، وعن الجانب الإسلامي، رياض الصلح الزعيم السني، الذي صار رئيساً للوزراء، وآل الأسعد وحمادة من وجهاء شيعة لبنان اللذين تناوبا على رئاسة المجلس اللبناني. (كامل الأسعد وصبري حمادة).
وعند تشكيل جامعة الدول العربية حدثت الصدامات المباشرة بين الوفدين السوري واللبناني بشأن انتساب لبنان كدولة مستقلة ومؤسسة للجامعة. وكان الموقف السوري معارضاً لهذا الانتساب إلاّ أن الضغوط التي مارستها كل من مصر (الملكية) في ذلك الوقت ممثلة بحكومة مصطفى النحاس باشا , والمملكة العربية السعودية توصلتا إلى القبول السوري بالانتساب اللبناني والمشاركة في تأسيس الجامعة ونيْل عضويتها الكاملة، دون أن يعني ذلك تنازلاً سوريّاً عن حقها في الأقضية الأربعة. واكتفى السوريون بعدم إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان، خلافاً لما عليه الحال مع باقي الدول العربية بما فيه أمارة شرقي الأردن في ذلك الوقت.
وبقي الحال على هذا الشكل طيلة فترة ما قبل قيام الوحدة بين سورية ومصر وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة،عام 1958 م، حيث شهدت فترة الوحدة علاقات دبلوماسية امتداداً للعلاقات الدبلوماسية التي كانت قائمة قبل الوحدة بين مصر ولبنان.
شهدت تلك الفترة تأثيراً كبيراً لسفارة الجمهورية العربية المتحدة في الشأن اللبناني. حيث كان السفير في ذلك الوقت هو عبد الحميد غالب والذي كان له الكلمة الأهم في تسيير الحياة السياسية في لبنان، بتأييد فعّاليات كبيرة من مختلف الطوائف اللبنانية بما فيها المطران المعوشي بطريرك الطائفة المارونية آنذاك.
بعد الانفصال السوري عن الجمهورية العربية المتحدة عادت حال العلاقات السورية ـ اللبنانية إلى ما كانت عليه قبل الوحدة وعاد الخلاف السوري اللبناني بشأن الاعتراف السوري بالدولة اللبنانية وإقامة علاقات دبلوماسية، وتمّ الاكتفاء بوجود مكتب للشؤون اللبنانية في سورية طبيعته إدارية وليست دبلوماسية أو سياسية.
كما تم الاتفاق على الاتصالات المباشرة عبر الهاتف أو الزيارات لرئيسي الوزراء السوري واللبناني أو لرئيسي الجمهورية، إلا أن أي رئيس للجمهورية السورية لم يقم بزيارة للبنان. وعند تأزّم العلاقات كان يحدث لقاء في خيمة تنصب على الحدود السورية اللبنانية.
الحرب الاهلية ودخول الجيش السوري:
وشكّل دخول الجيش السوري في السبعينيات إلى لبنان بغطاء عربي، في إطار قوة الردع العربية أولاً، وبغطاء دولي للقوات السورية ثانياً،(ووفق ترتيبات دقيقة لم تسمح بانتشار في جنوب لبنان، أو ما سمي بعدم تجاوز الخط الأخضر)، بقصد إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، حالة جديدة للعلاقات السورية اللبنانية تم ترتيبها بعقد اتفاقية أو (معاهدة) الأخوّة والتعاون بين سورية ولبنان والتي وقّعها الرئيسان الراحلان حافظ الأسد وإلياس الهراوي حين كان رفيق الحريري رئيساً للوزراء وتم تشكيل مجلس أعلى للبلدين سمي (المجلس الأعلى السوري اللبناني) يرأسه الرئيسان السوري واللبناني وله أمين عام مركزه دمشق يتابع تنفيذ الاتفاقية ويعمل على تمتين وتطوير العلاقات السورية اللبنانية في إطار المعاهدة.(عيّن أول أمين عام لبناني ينتمي إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي)ولم يتم تعيين امين مساعد له خلافا لنظام المجلس.
مرحلة صعبة جديدة بعد اغتيال الرئيس الحريري:
بعد خروج الجيش السوري من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والضغط الدولي، عادت الأمور السورية اللبنانية إلى إشكالياتها السابقة، ولم يعد للمجلس الأعلى السوري اللبناني أي دور سوى في تبادل الرسائل بين البلدين، في محاولة لإثبات استمرارية وجوده.
وجاءت الخطوة الفرنسية في الضغط على سورية لإقامة علاقات دبلوماسية بين سورية ولبنان لتشكّل متابعةً للدور الفرنسي في تأسيس الدولتين السورية واللبنانية وتنفيذاً للرغبات الدولية في إيقاف التدخل السوري بالشأن اللبناني وتأكيدا لاستقلالية لبنان وإقامة مؤسسات دولته بشكل ديمقراطي، تنفيذاً للقرار الدولي 1701 ومنع النفوذ الإيراني في لبنان الذي يمرّ عبر سورية في دعمه لحزب الله.
وبالفعل فقد تمت إقامة علاقات دبلوماسية بين سورية ولبنان وتم تعيين سفيرين في البلدين، إلا أن العلاقات استمرت على قلقها المضطرب وأبدت تيارات وقوى كثيرة ولاسيما قوى 14 آذار (مارس) تشكّكها في هذه العلاقات ومطالبتها بوضع حدٍ لتصرفات السفير السوري في بيروت وإيقاف التدخل السوري في الشأن اللبناني و ضرورة ترسيم الحدود بين الدولتين.
ومنذ بدء انتفاضة الشعب السوري ضد النظام القائم بشكل سلمي بداية، مرتكزاً على ثورات ماسمي بالربيع العربي، ضمن الحراك الشعبي العربي العام، ومن ثمّ اشتعال آلية العنف المدمّر والقاتل في جميع البقاع السورية فيما بعد وفق خطط اتبعها النظام لمواجهة الانتفاضة، باتّهامه لها بالإرهابية والتكفيرية والعمالة الخارجية. وفشل خطة جامعة الدول العربية ومراقبيها , ومن ثم فشل خطة كوفي عنان المستندة إلى قرار مجلس الأمن. ومراوحة مهمة المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي في النقطة التي استقال منها كوفي عنان، دون تحقيق أي تقدم. بدأت بوادر العنف تنتقل إلى لبنان، بحكم اعتبارات عديدة، من جوار جغرافي وتداخل شعبي واجتماعي وحتى عشائري، إلى خلافات سياسية في التيارات السياسية اللبنانية تجاه النظام السوري وعلاقتها معه، سواء خلال الوجود العسكري السوري في لبنان أو بعده، من خلال المصالح الاقتصادية والعلاقات المخابراتية، أو من خلال المواقف المبدئية. وتتجلى في هذه المرحلة بانقسامات سياسية بعضها ميليشياوي خطير. متضحة في عدم قدرة الرئيس المكلف تمام سلام من تشكيل حكومة لبنانية جامعة بعد مرور أكثر من شهرين على تكليفة. مع تفجيرات واغتيالات من هنا وهناك تخلق حالة قلق داخلي خطير.
الدعم الدولي للبنان:
إنّ الدعم الدولي لاستقلال لبنان وضمان سيادته وزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان والإرشاد الرسولي الذي وجهه إلى مسيحيي الشرق وجميع أبناء المنطقة. تؤكد أهمية لبنان كبلد رسالة للشرق والغرب، إضافة إلى أهميته للمجتمع العربي في مفهوم التعايش الوطني والحياة الديموقراطية واجواء حرية التعبير والتعليم الأكاديمي. الأمر الذي يؤكد ضرورة النأي الحقيقي للبنان والوقوف في وجه التدخلات التي تمارسها الأطراف اللبنانية المختلفة مع أطراف خارجية عربية وأجنبية إضافة الى إسرائيل.
إن الأمل كبير بأن يعي العالم ضرورة العمل الفاعل والسريع لإيقاف العنف في سورية البلد المجاور والمؤثّر في لبنان، وتحقيق السلام والطمأنينة، وحرية شعبه وطموحاته الديمقراطية. ليدخل البلدان في مرحلة تعاون حقيقي مبني على الاحترام المتبادل والاعتراف التام باستقلالية كل منهما وسيادته.
وهو ما سيؤثر إيجاباً على السلام في المنطقة كلّها بشكل عام وعلى الحياة السياسية العربية بشكل خاص.
لقد تحمّل السوريون والشوام عموما، الدور الكبير في حركة النهضة العربية وشكّلوا الطليعة الرائدة من اجل التقدم والحرية وتجاوز أسباب القهر والتخلّف. وأملهم بتفهم العرب والعالم لسورية ودورها وضرورة دعمها لإيقاف نزيفها، بدل هذه المراوحة والانتظار والتحجّج بأسباب غير دقيقة، تؤدي الى القتل والتدمير والتفكك والتعصّب والثأر المدمّر.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق