السبت، 25 مارس 2017

دور الثقافات الشعبيّة في إبراز تراث الأمة وتأكيد خصوصيّتها

د. فادية المليح حلواني

 نشر في الحياة 



أخذ الاهتمام بالثقافات الشعبية العربية في مختلف الأقطار، أشكالاً في الإصدارات والدراسات والأبحاث والمؤتمرات، في مجالات واسعة لبحث واقع الثقافة الشعبية العربية، وأهمية دراستها وتحليلها وعلاقتها بقيم المجتمع، وما شابها من اختلاطات بسبب حالات الضعف والغزو والتداخل مع قيم الشعوب الأخرى المجاورة أو الغازية. فكثرت الإصدارات من المجلات المتخصصة والدراسات والكتب والندوات الجامعية، مثل ندوة جامعة عين الشمس في القاهرة وجامعة فيلادلفيا في عمان. وكلّها تؤكد أهمية هذه الثقافات من منطلق نظريات التحليل الحديثة والمعاصرة، والعمل على توظيف قيمتها الإيجابية في مختلف المجالات. ومن خلال المتابعة لهذه النشاطات الثقافية، نجد فيها مجالاً مهماً لتأكيد خصوصيتنا وثقافتنا العربية الأصيلة ذات التراث الخصب والعريق، وهوية مجتمعنا أمام محاولات التفتيت الإثني والمذهبي، وكذلك الجغرافي، الذي تحاوله جهات خارجية ذات أهداف معادية للمجتمع العربي الإسلامي، متصلة بمواقف عدائية تجاه العرب والمسلمين. ومن هذا المنطلق، فإن مبادرة النخب النهضوية الثقافية العربية تعدّ مهمة نبيلة ذات مغزى وطني جامع ومنفتح، وبعيد عن التعصّب الذي انتشر عند البعض بفعل تأثيرات تعصبية ذات منشأ أجنبي (من أصول استعمارية غربية تحديداً)، تبينت أخطاره وأخطاؤه من خلال الحراك الثوري العربي الأخير. تؤكد حقائق الأمور أن العولمة لا تمثل خطراً حاسماً إلا على الشعوب والأمم التي تفتقر إلى ثوابت ثقافية، في حين أن الأمم التي تمتلك رصيداً ثقافياً وحضارياً غنياً، فإنها قادرة على الاحتفاظ بخصوصيتها والنجاة من مخاطر العولمة وتجاوز سلبياتها، وهي بذلك تستطيع التحكم بالآثار السلبية لهذه العولمة التي أصبحت ظاهرة واقعية تفرض نفسها بحكم قوة النفوذ السياسي والضغط الاقتصادي والتغلغل الإعلامي والمعلوماتي. الآلية التي ينبغي أن ينصبّ عليها جهد المجتمع وقواه المثقفة، هي ترسيخ الثقافة الوطنية العامة بشكل يجمع كل أشكال الثقافات المحلية التي يزخر بها المجتمع العربي بحكم تركيبته الاجتماعية المتنوعة، والنظر إليها على اعتبارها عناصر أساسية رافدة للثقافة الوطنية الشاملة كقيمة ووعي وسلوك، وإجراء تحليلات دراسية وفق أساليب التحليل العلمي الحديث، ونشر هذه التحليلات بكل وسائل النشر، واعتمادها أكاديمياً بحيث تظهر هذه الدراسات التحليلية مختلف مكوناتها وأهدافها والأشكال الإبداعية فيها. وفي هذا المجال، يمكن العودة إلى توصيات مؤتمر الثقافات الشعبية الذي عقدته جامعة فيلادلفيا الأردنية في مؤتمرها الدولي السادس عشر، والذي أكد على التنوع الثقافي والفكري في الحياة العربية، وطالب بتأسيس موقع إلكتروني وشبكة معلومات تقدم نماذج من الثقافات والفنون الشعبية العربية، وجمع مفردات هذه الثقافة وتطوير أساليب حفظها وفهرستها من منطلق أهميتها، والإعلاء من مكانتها بوصفها ذخيرة كبيرة في وجه محاولات التغريب والثقافة الاستهلاكية المعولمة. كما دعت التوصيات الجامعات العربية إلى الاهتمام بالثقافة الشعبية في مقرراتها ومناهجها في الأقسام الأكاديمية ذات العلاقة، مع دعوة الجهات ذات الاهتمام بوضع معجم علمي شامل لمفردات الثقافات الشعبية ومصطلحاتها الأساسية في أقطار الوطن العربي الكبير كله، بقصد أن يكون هذا المعجم موسوعة وبوتقة جامعة شاملة لتنوّعات الثقافة الشعبية في أصولها وتطوّراتها وتأثيراتها الأدبية والاجتماعية. تؤكد هذه التوصيات أهمية نشر وعي علمي عام في مفهوم الثقافة الشعبية، وتأكيد شموليتها لتنوعات الحياة العربية والإسلامية التي تجمع بدل أن تفرّق، لتشكّل لوحة فسيفسائية جميلة تضفي على الواقع العربي جمالية وغنى ووحدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق