الخميس، 12 ديسمبر 2024

زمن التجدد السوري

بقلم د. أحمد حلواني


آمال سورية الديمقراطية في ظل الاضطراب العالمي


على مدى عقود، عانى الشعب السوري تحت وطأة نظامٍ استغلّ التنوّع البشري والثقافي في البلاد لا بوصفه مصدر ثراء، بل كأداة لتفريق الصفوف، وإضعاف الوحدة الوطنية، وتعزيز سلطته الاستبدادية. ورغم ضبابية المشهد الطويل، لطالما حمل السوريون في داخلهم روح التسامح والابتكار والإيمان بغدٍ أكثر عدلاً. واليوم، مع سقوط السلالة الحاكمة وظهور نياتٍ معلنة من شخصيات قيادية للتحوّل نحو إدارة أكثر انفتاحاً، تقف سورية عند مفترق طرق قد يفضي في النهاية إلى ولادة مجتمع ديمقراطي حقيقي.


ربما يتفهّم المراقبون الشكوك التي تساورهم، إذ غالباً ما تُركّز التغطيات الإعلامية الغربية على عدم الاستقرار، والتفتّت الطائفي، والأطماع الخارجية المتربصة. وليس من السهل تجاهل ماضٍ أليمٍ من القمع والعنف والمصالح الإقليمية المتداخلة. لكن هناك سردية أخرى ممكنة، مبنية على الإرث السوري العريق في التعايش، وعلى توقٍ متجدد للكرامة بعد سنوات من الجمود الاستبدادي، وعلى إرادة صوغ مستقبل يستمدّ شرعيته من إرادة الشعب لا من نزوات حاكم فرد.


فجر جديد للديمقراطية السورية


ينبغي التذكير بأن النزوع نحو الحرية لم ينبت فجأة في سورية. فقبل تغوّل الدكتاتورية، عرف السوريون حراكاً ثقافياً وسياسياً حيوياً، وحافظوا على تقاليد عريقة في الحوار والقبول بالآخر. ولم ينسَ الشعب هذه الجذور. بل إن التصريحات الأخيرة لبعض القادة، الثوار المنتصرين عن نبذ الخطاب المتشدد العابر للحدود والتركيز على حكمٍ محلي يستمد شرعيته من الناس، قد تشير إلى إمكانية حقيقية لطي صفحة الماضي. هذا التحوّل يمكن أن يفتح الباب أمام التئام الجراح وبناء مؤسسات تقوم على الثقة بدل الخوف، وعلى المشاركة بدل الإقصاء.


وكي تصبح سورية منارة ديمقراطية في المنطقة والعالم، عليها استلهام الدروس من التجارب العالمية في الحكم القائم في دول العالم المتطور. إن العالم اليوم يحتاج أكثر من أي وقت مضى لإعادة اكتشاف أهمية الديمقراطية. ففي زمنٍ تبدو فيه كبرى الديمقراطيات وكأنها تتراخى، وحين يزداد الخلط بين “الجمهورية” و”الديمقراطية” لصالح قوى تتغافل عن صوت الشعوب، تكتسب التجربة السورية الناشئة أهمية خاصة. هنا يمكن للديمقراطيات الناشئة أن تقدّم ما عجزت عنه بعض الديمقراطيات الراسخة: أن تثبت أن جوهر الديمقراطية ليس مجرد إجراء انتخابات دورية، بل إعلاء كرامة الإنسان وحريته والمساواة بين أفراده.


سياق عالمي: الديمقراطية تحت الضغط


نحن نعيش في زمن لا يخلو من التحدي. فصعود التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا—كحزب البديل في ألمانيا (AfD) وحركة لوبان في الجبهة الوطنية في فرنسا—وارتباك بعض القوى الكبرى في التفريق بين الجوهر الديمقراطي والممارسات الجمهورية الشكلية، كلها مؤشرات مقلقة. كما أشارت الفيزيائية الألمانية سابين هوسنفيلدر في أحد برامجها الصوتية إلى أن بعض النخب في الأنظمة الديمقراطية الراسخة باتت تضعف الثقة الشعبية بالمؤسسات، وأن النظام الانتخابي الأميركي مثلاً يشهد مشاكل تلاعب تقسيم الدوائر الانتخابية والإعلام المضلل والجدل حول الهيئة الانتخابية، ما يفرغ التصويت الشعبي من مضمونه الحقيقي.


من هذه الزاوية، قد تشكّل سورية مثالاً حيّاً للبدء من جديد، على أساس نقي. ولضمان عدم ضياع هذه الفرصة، لا بد من التمسّك بمبادئ تتجاوز الخصومات الماضية: حرية التعبير للجميع—وخاصة لمن نختلف معهم—وانتخابات نزيهة وشفافة، ومؤسسات قوية تكبح الاستبداد، وتؤكد التزاما لا يتزعزع بحقوق الإنسان. وهنا تحضر مقولة نعوم تشومسكي الشهيرة: “إذا كنت لا تؤمن بحرية التعبير لمن تخالفهم الرأي، فأنت لا تؤمن بحرية التعبير من الأساس.” إن ضمان حق الجميع في التعبير الآمن أساسٌ لبناء الثقة والمصداقية في النظام الوليد.


النموذج السويسري للديمقراطية المباشرة: دروس لسورية


إذا كانت ثمة تجربة يمكن أن تقدّم إلهاماً عملياً، فهي التجربة السويسرية في الديمقراطية المباشرة. يعتمد النموذج السويسري على مشاركة شعبية واسعة، لا تقتصر على تمثيل نيابي وحسب، بل تمتد إلى استفتاءات دورية ومبادرات شعبية تمنح المواطنين دوراً فعلياً في صياغة التشريعات والقرارات. هذا النظام يحترم التعدد اللغوي والثقافي، ويشدّد على التوافق بدلاً من الصراع، ويجعل الشفافية والحوار المستمر نَسَغ الحياة السياسية.


تخيلوا سورية حيث يلجأ الناس إلى الاستفتاءات لحسم القضايا الوطنية، وحيث تتحوّل الاختلافات الدينية والعرقية من خطوط انقسام سياسي إلى مصادر اعتزازٍ بهوية وطنية جامعة. تخيلوا ثقافة سياسية لا يكافَأ فيها التطرف والصدام، بل تُقدَّر فيها قيمة الحوار وبناء الجسور. يمكن أن تتبنى سورية، بعد تكييفات مناسبة، نهجاً جديدا، فتُحترم الخصوصيات المحلية ضمن إطار وطني واحد، بما يعزّز الشعور بالانتماء ويؤسس لاستقرار دائم.


بناء إرث من الحرية والتسامح


لن يتحقق هذا بين ليلة وضحاها. ستستغرق عملية تضميد الجراح الناتجة عن عقودٍ من الاستبداد وقتاً طويلاً. وبناء مؤسسات ديمقراطية راسخة يتطلب صبراً والتزاماً بالتعليم المدني والنقاش العام المتزن. غير أن صمود الشعب السوري طيلة هذه السنوات العجاف، وإصراره على نيل كرامته واستقباله المؤيد لفصائل التحرير، تشهد على قدرة السوريين على اجتراح المستحيل. فمع سياسات شاملة، وقوانين متوازنة، ورؤية مشتركة، يمكن لسورية أن ترسّخ نموذجاً ديمقراطياً لا يخدم أهلها فحسب، بل ينير الدرب للآخرين برعاية دولية تتفهم هذا الواقعي السوري. أما الاعتداءات الإسرائيلية القائمة حاليا على المواقع العسكرية في سورية فهو يتناقض تناقضا تاما مع اتفاقية فك الارتباط التي عقدت بين النظام السوري في حينه و إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق وزير خارجيتها هنري كسينجر الذي يؤكد عدم وجود عدوان استمر بين الطرفين وهو ما تم خلال ال50 سنة الماضية ولكن إسرائيل تسعى إلى إنهاء هذا الاتفاق وهو ما لم تفكر به الفصائل القائمة لأن الأمر يعود إلى تنظيم الوضع السوري وبالتالي إجراء تفاهم حول الوضع العربي والقضية الفلسطينية المشروعة من جديد والتي وافق عليها مؤتمر القمة العربية في بيروت في عام 2002.




آملين أنه في زمن تبدو فيه الديمقراطية أحياناً مهتزة، يمكن للمثال السوري أن يثبت أن الديمقراطية الحقيقية—القائمة على المساواة، وحرية التعبير، والاحترام المتبادل—قادرة على النهوض من تحت الأنقاض. باستلهامها من تراثها العريق في التسامح، ومن نماذج عالمية نجحت في توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، يمكن لسورية أن تصير شاهداً على أن ليل الاستبداد مهما طال، فإن شمس الحرية قادرة على الشروق من جديد.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق