بقلم د. أحمد حلواني
في الوقت الذي نضمد فيه جراح سورية بعد سنوات طويلة من تسلط نظام الأسد، تقف البلاد على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة. برحيل النظام، انكشفت الساحة السياسية على فراغ كبير، ما جعل سورية ساحة مفتوحة أمام القوى الدولية المتصارعة، بدءاً بإسرائيل التي سعت لتوسيع نفوذها في الجولان، ووصولاً إلى مساعي روسيا وإيران (ممثلتين ببوتين وخامنئي) اللتين طالما استغلتا وجود الأسد لترسيخ مصالحهما، وليس انتهاءً بالقوى الأخرى الطامعة في ثروات سورية الطبيعية وموقعها الاستراتيجي.
رغم أن هذه القوى قد لا ترى في سورية سوى حقول نفط وفرصاً لإعادة تنظيم خطوط أنابيب الغاز، أو مشاريع اقتصادية سريعة الربح، فإن المسؤولية الكبرى تبقى على عاتق الشعب السوري نفسه. وحده هذا الشعب قادر على صياغة عقد اجتماعي جديد، وبناء مؤسسات دولة مدنية حديثة تعيد لسورية مكانتها الإقليمية وثقلها الثقافي والإنساني. إنه الشعب الذي عانى القمع والتهميش وفقدان الكرامة لعقود، والذي يمكنه الآن، بإرادته الحرة، أن يضع أسس مجتمع يضمن حرية الاعتقاد والتعبير والملكية، ويعيد للإنسان السوري إحساسه بالانتماء والاعتزاز بهويته.
في هذا الإطار تشكل مواقف هيئة تحرير الشام بما فيه الصريح قائدها أحمد الشرع أحمد الشرع الهامة في ضمان مستقبل سورية الحرة، إضافة إلى عدم الانجرار إلى حرب جديدة مع إسرائيل، رغم الاستفزازات، خطوة حكيمة تساعد في تفادي استنزاف سورية من جديد في صراعات عبثية. كما أن حرص الهيئة على الحوار مع الأقليات الدينية والإثنية، والعمل على بلورة عقد اجتماعي مدني جامع، يعكس وعياً متزايداً بضرورة احتواء الجميع وبناء دولة تحترم التعددية. إنه مسار يشجّع على نبذ سياسات الماضي القائمة على تفرقة المجتمع والاستقواء بالخارج.
لكنّ الطريق نحو المستقبل يمرُّ حتماً عبر الاستفادة من دروس الماضي. فبعد نيلها الاستقلال عن فرنسا، خطت سورية خطوات مشهودة نحو الحداثة: تميّز دستورها الأوّل بحماية حرية التعبير، وصيانة حق التملك، وضمان حرية الأديان السماوية، وحماية مختلف الطوائف الدينية. هذه الوثيقة لم تكن مجرد نص قانوني، بل شهادة حيّة على تسامح السوريين وقدرتهم على تأسيس دولة تضمن التنوع وتحميه. إلا أنّ حقبة آل الأسد عطّلت هذا التطور، وحوّلت الدولة إلى أداة قمع واستغلال، وزرعت بذور الطائفية والفرقة في المجتمع، فضاعت القيم الدستورية الأصيلة التي أرستها تلك المرحلة المبكرة من تاريخ سورية المستقلة.
اليوم، ومع سقوط النظام الذي استغلّه بوتين وخامنئي لترسيخ نفوذهما على حساب السيادة السورية، تبرز حاجة ملحة لاستعادة تلك القيم وبناء إطار دستوري معاصر. هذا الإطار لن يكون مجرد عودة إلى الماضي، بل انطلاقة جديدة تدمج قيم الحرية والمواطنة والمساواة، وتغذيها بتجارب الشعوب الأخرى التي نجحت في بناء دول مدنية محايدة تجاه الأديان. فالهدف هو أن يسترد السوريون بيوتهم وأرضهم وحقوقهم، وأن يعيشوا بكرامة في وطنٍ يحفظ وحدة نسيجه الاجتماعي والثقافي ويتيح لأبنائه إعادة البناء الاقتصادي والثقافي. إن استعادة الاقتصاد الوطني وتحويله إلى رافعة للازدهار ليس مجرد رغبة في الرفاه المادي، بل هو جزء لا يتجزأ من إعادة نسج الهوية السورية على أساس الكرامة والحرية والإبداع.
1. الدين والدولة: التمييز بين الطبيعتين
الدين، بطبيعته، علاقة روحية شخصية بين الفرد وخالقه، وهو يقوم على الإيمان الحر والاختيار الفردي. أما الدولة، فهي كيان سياسي يسعى إلى تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات على أسس قانونية عادلة، تحمي الحقوق وتصون الحريات.
وقد عرّف الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط التنوير بـ "التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. وهذا القصور هو عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر. ويجلب الإنسان على نفسه ذنب هذا القصور عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، بل إلى العزم والشجاعة اللذين يحفزانه على استخدام العقل بغير توجيه من إنسان آخر. لتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك، ذلك هو شعار التنوير".
التنوير، إذن، دعوة للعقلانية والاستقلالية، لتحرير الإنسان من سطوة السلطات الدينية أو السياسية. فصل الدين عن الدولة ليس عداءً للدين، بل خطوة حتمية نحو ضمان حرية جميع الأفراد، بحيث يبقى الإيمان شأناً اختيارياً لا تفرضه السلطة ولا تستغله للتلاعب بالمجتمع.
إذا اختارت الدولة ديناً رسمياً، فهي تحوّل الروحاني إلى إجباري، وتضيّق دائرة التنوع. لتكون الدولة عادلة، عليها أن تظل محايدة تجاه الأديان، بحيث تُعامل مواطنيها على قدم المساواة، وتحمي حق كل فرد في اختيار معتقده.
2. الأساس القرآني لحرية الإيمان
الإسلام ذاته يدعو إلى حرية الإيمان، كما يتضح من الآيات القرآنية الكريمة:
"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌِ" (البقرة: 256)
"وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًاْ" (الكهف: 29)
هذا يؤكد أن الإيمان مسألة شخصية لا يجوز فرضها بالقوة. الدولة السورية المنشودة ليست مسؤولة عن إكراه أحد على دين معيّن، بل عن حماية هذا الحق وضمان حرية الاعتقاد للجميع.
3. التجربة التركية: دروس في فصل الدين عن الدولة
التجربة التركية في فصل الدين عن السياسة تقدّم درساً عملياً. أسست الجمهورية التركية على علمانية تمنع استغلال الدين سياسياً، دون أن تنكر وجوده أو تحجبه، بل تضمن حريته في إطار مدني. ورغم تحديات عديدة، ساهمت هذه الخطوة في تقليل الانقسامات الطائفية ووفّرت فضاءً للمساواة أمام القانون وحافظت على وحدة الجمهورية التركية.
4. مصدر التشريع: توافق القيم
لا ينبغي لمصدر التشريع في سورية المستقبل أن ينحاز لعقيدة بعينها. يمكن اعتماد منظومة قانونية مستمدة من القيم الإنسانية الجامعة، ومنسجمة مع الديانات الإبراهيمية، وعلى رأسها الإسلام كجزء من التراث الثقافي الغالب، دون أن يتحوّل إلى مصدر إقصائي وحيد. بهذه الطريقة، تُحترم هوية الأغلبية الدينية من دون إهمال حقوق الأقليات.
5. ضبط التسامح بالقانون
التسامح الذي ميز المجتمع السوري تاريخياً يحتاج اليوم إلى إطار قانوني يحميه من التراجع. القانون، هنا، ليس قيداً على الحرية بل حماية لها، إذ يضمن الالتزام بالتعددية والمساواة ويمنع الاضطهاد والتمييز الديني أو العرقي.
6. تجارب دولية: دروس من أوروبا
التجربة الأوروبية مثال على قدرة المجتمعات المتنوعة على التعايش في ظل قانون يساوي بين الجميع.
المهاجرون السوريون من خلفيات شتى نالوا حقوقهم هناك بناءً على مبدأ المواطنة، وليس على أساس الدين. هذه التجارب تؤكد أهمية الأسس القانونية والأخلاقية الجامعة في بناء مجتمع متعدد ومنسجم.
7. المواطنة هي أساس بناء الدولة
الدولة الحديثة تقوم على مفهوم المواطنة، حيث يتساوى الأفراد أمام القانون وتمنح الدولة لهم الفرص، مهما اختلفت معتقداتهم. الدولة المحايدة تحمي حق كل إنسان على الأراضي السورية، وفي الوقت ذاته تصون وحدة المجتمع.
الوطن ملك للجميع فتاريخ سورية يعلّمنا أن شخصيات من طوائف وأديان مختلفة، كفارس الخوري، ابراهيم هنانو، سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي مثلت البلاد في أوقات حرجة. اختيار القادة على أساس الكفاءة لا المذهبية والعنصرية، يحفظ وحدة الوطن ويحقق استثماراً أمثل لجميع طاقاته البشرية.
8. العقد الاجتماعي: أساس الدولة المحايدة
بحسب جان جاك روسو وغالبية المفكرين السياسيين من بعده، يقوم المجتمع السياسي على "عقد اجتماعي" يسنه المواطنون فيما بينهم لتحقيق العدالة. الدين، باعتباره شأناً روحياً، لا ينبغي أن يكون جزءاً من هذا العقد. الدولة المسؤولة عن إدارة شؤون الحياة المشتركة، لا عن تنظيم المعتقدات الفردية، تكون أكثر حصانة ضد الصراعات الطائفية.
9. الأخلاق كبديل مدني
القيم الإنسانية المشتركة، كالعدالة والمساواة والحرية، هي القاسم المشترك الذي يمكن للدولة الاستناد إليه. ليست هذه القيم حكراً على دين واحد، بل هي حصيلة التجربة البشرية جمعاء وإرث إبراهيمي. دولة القانون والعقلانية تضمن التعايش والاستقرار بعيداً عن التناحر الديني.
نحو دولة المواطنة والقانون
إن إعادة بناء سورية بعد سنوات من القهر والاستغلال الخارجي تتطلب إعادة الاعتبار للدستور والقانون، واستلهام قيم التسامح والانفتاح التي امتلكها السوريون في لحظات مشرقة من تاريخهم. في ظل التحديات الدولية والصراعات على الموارد، يبقى الخيار الوحيد للسوريين هو العمل على صياغة عقد اجتماعي يحمي التنوع ويطلق طاقات الإبداع الإنساني، ويضمن عودة المهجّرين إلى بيوتهم، وتوظيف الخبرات الوطنية لإعادة بناء اقتصاد وطني مزدهر، وثقافة حرة قادرة على إثراء الحضارة الإنسانية.
بتحرير الدولة من الوصاية العقائدية المتعددة وتحويلها إلى إطار محايد للحرية والقانون، يمكن للسوريين استعادة كرامتهم وبناء مجتمع حر وقادر على مواجهة التحديات. هكذا تصبح سورية وطناً لجميع أبنائها، ونموذجاً للتعايش في منطقة طالما عانت من الانقسامات، ورافداً ثقافياً يُسهم في إثراء الإنسانية جمعاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق