الأربعاء، 11 ديسمبر 2024

سورية الجديدة على ضوء نهاية نظام الأسد

بقلم د. أحمد حلواني


على ضوء نهاية نظام الأسد لم تعد سورية اليوم تلك الدولة التي عُرفت بتاريخها العريق ومجتمعها المتآلف، فقد تعرّضت على مدى عقود لتفتيتٍ ممنهج لمكوناتها الاجتماعية، وتدمير لبُناها السياسية والاقتصادية، وذلك في ظل نظامٍ ديكتاتوري اتخذ من العنف سبيلاً لإحكام قبضته. لقد سعى هذا النظام، منذ أن تسلّق حزب البعث إلى السلطة، إلى إفراغ البلاد من حيويتها الفكرية ومشاريعها التحديثية، فعمد إلى بث الشقاق الطائفي والتحريض المذهبي، واستخدم أدواته الأمنية والعسكرية لإخضاع الشعب السوري وتكميم أفواهه، ما أدّى إلى استنزاف رصيد التعايش التاريخي في هذه الدولة الغنية بتنوّعها.


قبل استيلاء البعث على مقاليد الحكم، عرفت سورية حياة سياسية أكثر حيوية، حيث اجتهدت الحكومات الوطنية آنذاك في بناء دولة عصرية ناجحة تحمل طابعاً اجتماعياً سليماً، وتعمل على توفير مناخ سياسي متوازنٍ يتيح لمختلف المكوّنات الاجتماعية فرصة المشاركة الفاعلة في التنمية وصياغة القرارات. لكن مع تحوّل السلطة إلى أداةٍ بيد عصبة تسعى إلى فرض أيديولوجيتها بالقوة، اختلّت الموازين، وتراجع منسوب الحريات، ودُمّرت المؤسسات التعليمية، وقُيّدت الحريات الاقتصادية بقيودٍ طائفية، ما مهّد الطريق أمام قوى خارجية لاستغلال هذه الفوضى.


وقد شهدت سورية في العقود الأخيرة محاولاتٍ متكررة لمقاومة نهج البعث، الذي استلهم نماذجه من أنظمة المعسكر الشيوعي الشمولية، فواجه المجتمع السوري أشكالاً متنوعة من القمع، كان أبرز تجلّياتها القتل والتشريد، فضلاً عن تعميق الطائفية وإثارة الخلافات بين مختلف المكوّنات الاجتماعية. في هذا السياق، برزت حركات وأصوات مطالبة بالتغيير عبر التظاهر وإصدار البيانات والإعلانات، وكان “إعلان دمشق” مثالاً على هذه المحاولات المدنية السلمية، التي سعت إلى إعادة إحياء الدور الوطني الجامع وتحقيق انتقالٍ نحو ديمقراطية حقيقية.

ومع اندلاع الثورة السورية، حقق الثوّار انتصارات ميدانية باستعادة بعض البلدات من قبضة النظام، الأمر الذي شكّل نقطة تحوّل في وعي الشعب السوري بحقوقه. لكنّ هذا الانتصار لم يحسم المعركة، إذ أفسحت الفوضى المجال لتداخلات إقليمية ودولية. لقد باعت عائلة الأسد البلاد بأسرها لقاء سلطة وجاه زائفين، محوّلة سورية إلى ساحة صراعٍ دولي، تُستغل من قِبل إيران، وتُشوَّه فيها صورة الإسلام بصورةٍ تنشر الجهل والجمود الفكري، وتجمد العقول المنتجة عبر إفساد الجامعات ومنع التنوير وتقييد أي تقدّم اقتصادي بشكل قبلي.


لقد اسهم هذا المشهد المضطرب في تسهيل نشر دعاية تصور الشعب السوري ولاسيما المسلم منه بشكل خاص وكأنه عدو تاريخي أو عنصر غير قادر على التعايش السلمي متناسين صفحات مضيئة من تاريخ الشعب السوري حين احتضن اليهود الهاربين من محاكم التفتيش في الاندلس وانقذ الشعب السوري الأرمن الهاربين من معاركه مع السلطة العثمانية ، كما استقبلت بترحاب المهاجرين من آسيا الوسطى ومن جزر البحر المتوسط كصقيلية ومن المغرب العربي اثناء ازمات تاريخية وتحوّلو فيها الى مواطنين و قادة وعلماء وتجار مؤثرين في الحياة السورية.


هذا التناسي التاريخي المكثّف جعل من السهل تقديم السوريين كوقود لصراعاتٍ زائفة، تصوِّرهم وكأنهم إرهابيون بالوراثة، ما يقدم لإسرائيل غطاءاً يبرر لإسرائيل التوغّل عسكرياً بلا مبررٍ حقيقي.


لكن رغم هذه الصورة القاتمة، ما زالت هناك فرصة لإحياء سورية من جديد، فرصة لإعادة الروح إلى هذا “العجوز المهمّش” الذي احتُجز 54 عاماً خلف قضبان القمع. إن العالم يجب ان يطالب بأن يتعاطى مع القضية السورية بروحٍ بنّاءة، وأن يستغل هذه الفرصة لتحقيق نهضة حقيقية تعيد البلاد إلى مسار التنمية والاستقرار. بدلاً من تحويل سورية إلى ساحة تصفية حساباتٍ إقليمية ودولية، لا بد من العمل على تضميد الجراح، وفتح المجال أمام القوى الوطنية الحقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحفيز التنمية الاقتصادية والثقافية، واحترام التنوع الاجتماعي والديني، كي يستعيد هذا الشعب حقّه في العيش بكرامة تحت ضوء شمس الحرية وهو مايتأمله الشعب من قادة التحرير الذين حققوا انتصارا ضد طغيان وفساد النظام السابق. 


في ظل هذا المشهد المعقّد، برزت أيضاً خطابات دولية تُعامل سورية وكأنّها مجرّد صحراءٍ من الرمل والموت، كما وصفها الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، متجاهلاً بذلك واقع شعبٍ عريق عاش آلاف السنين مُقدّماً إسهاماته للبشرية وحضارتها. إنّ أبناء سورية، وإن لم يُنظر إليهم اليوم كأصدقاء، فهم يستحقون كرامة إنسانية كاملة، ويمكن أن يصبحوا حلفاء حقيقيين في صياغة مستقبل مشترك قائم على الاحترام المتبادل والتعاون، مثلما كانوا عبر القرون الماضية، حين شهد تاريخهم استضافة شعوب وأقليات مختلفة، وتأمين ملاذ لمن اضطُهدوا في أراضٍ أخرى.

ليس عبثاً أن تصف منظمة اليونسكو سورية بأنّها “موطن للجميع”، حيث ينتمي إرثها الحضاري وإنجازاتها التاريخية إلى الإنسانية جمعاء، وليس لطرفٍ واحد. وبدلاً من اتباع قاعدة “فرّق تسد” التي قد تحقّق مكاسب قصيرة الأجل لبعض الجهات، فإنّ السعي نحو دعم السوريين وتحفيزهم للعيش في إطار مشروع أسمى، بعيداً عن الوقوع في فخّ التطرف والكراهية، هو النهج الذي يليق بمستقبل المنطقة والعالم. إنّ المساهمة في استعادة سورية لدورها الحضاري والإنساني، والارتقاء بها فوق الانقسامات المصطنعة، قد يحوّل الحاضر المظلم إلى فرصةٍ تاريخية للتكامل والتعايش والإبداع البشري المشترك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق