الأحد، 16 ديسمبر 2018

الوحدة السورية المصرية - 1958-1961


د.أحمد حلواني *


شكلت الوحدة السورية المصرية وقيام الجمهورية العربية المتحدة في شباط (فبراير)1958 تجربة وحدويّة في الحياة السياسية العربية المعاصرة،ذات اهمية على صعيد الفكر السياسي العربي ولاسيما القومي منه،وتأثيرها على المشاريع الوحدوية او الاتحادية   .بالرغم من أنها لم تدم لأكثر من ثلاث سنوات وسبعة أشهر ، إلا أنها بقيت تمثّل مكانة هامّة وخاصّة في الفكر السياسي العربي أمدّته بكثير من النتائج الايجابية والسلبية على السواء ،بحيث بقيت هذه النتائج مؤثّرة في المشاريع والأفكار والمقترحات الوحدويّة حتّى تاريخه .
  إلا أن المتابع والباحث لهذه التجربة، يقف بكثير من الاستغراب والحذر من الدراسات والأبحاث الصادرة بشأنها، حيث أن غالبيتها تنطلق من مواقف سياسيّة منحازة بعيدة عن البحث العلمي بأصوله الأكاديمية، وتنطلق من احد الاتجاهات والمواقف التالية:
1-  العداء لفكرة الوحدة العربية أصلا ،أو الحماس لها مهما كان شكلها.
2-  العداء لسياسة الرئيس عبد الناصر ومبادئه ولاسيما في مفهومه للعدل الاجتماعي والاشتراكية
3-  طريقة الحكم التي اُتّبعت في عهده بغطاء الثورية .
4-  تكريس العداء للفكر الثوري العربي ضمن مخطط ممنهج ومدعوم محليا ودوليا.

وبالرغم من أهمية إجراء دراسات علمية تعتمد التحليل الوثائقي من جهة، والمقارنة مع التجارب والأفكار الوحدوية العالمية، فإنها بقيت نادرة أو مقتصرة على بعض الدراسات لباحثين أجانب ينقصها عمق المعرفة بالواقع المصري والسوري بشكل خاص والعربي بشكل عام .
 
ويعود سبب عدم إجراء دراسات عربية إلى:
1-  خوف الباحثين من ردود الفعل السلبية تجاههم بحكم طبيعة الأنظمة القائمة في البلدين .
2-  بحكم التكوين المجتمعي اللاديمقراطي ، المتعصّب لمواقفه واتجاهاته.

 لقد قامت الوحدة السورية المصرية في ظل أجواء خاصة يمكن تلخيصها بالآتي:
1-  حالة النهوض العربي العام الذي شكلته قيادة الرئيس عبد الناصر ولاسيما في أعقاب تأميمه لقناة السويس وقيادته لمقاومة الشعب المصري للعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، ونجاحه في صدّ آثار العدوان.
2-  الوضع السوري والغليان المجتمعي الداخلي المتحمّس لفكر الوحدة العربية، والتي تشكل بالنسبة له بُعدا استراتيجيا امنيا، منذ انهيار الدولة العثمانية، وتخوّفه من الغزو الخارجي الذي شكّل قيامُ إسرائيل على ارض فلسطين في جنوب الشام ابرز مخاطره،إضافة إلى تخوّفه من المدّ الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وتشكيل حلف بغداد بدعم بريطاني وعماده الدولتان المجاورتان لسورية وهما تركية والعراق.

 المعروف أن مبادرة الدعوة لقيام الوحدة السورية المصرية صدرت من السوريين على شكل وحدة اتحادية في البداية، ما لبثت أن تحولت إلى وحدوية اندماجية كاملة انسجاما مع الشعار الذي رفعه أنصار الفكر القومي العربي في سورية (حزب البعث –حركة القوميين العرب-المستقلون الوطنيون) امة عربية واحدة، بعلم واحد وجيش واحد ورئيس واحد من المحيط إلى الخليج.
 
في حين أن المجتمع المصري لم تكن لديه هذه الأفكار الوحدوية بالشكل الذي كانت لدى الشعب السوري بحكم تركيز احزابه التقليدية قبل 23 تموز (يوليو) ومناهجه التعليمية على القومية المصرية، والوطن المصري ،أكثر من توجّهه العروبي بمفهومه القومي .
 ويعيد المرحوم عبد الكريم زهور عضو المجمع العلمي العربي وأحد أبرز المفكّرين الوحدويين هذه الأسباب، وفق محاضر جلسات الوحدة الثلاثية التي جرت في القاهرة بين مصر وسورية والعراق (والتي أثمرت عن اتفاق 17 نيسان(ابريل)1963 لإقامة وحدة ثلاثية بنظام فيدرالي،وضع أسسه المفكر العراقي الدكتور عبد الرحمن البزّاز، بطلب من الرئيس عبد الناصر،لكن الاتفاق طوي ولم ينفّذ بسبب إصرار حزب البعث في سورية والعراق على تحجيم نفوذ عبد الناصر واستمرار سيطرة البعث على البلدين كحزب قائد)
يحدّد (زهور)أسباب الفكر المصري القومي ، بأن مصر تتمتّع بأمن استراتيجي طبيعي، هو الصحراء، واْنّ تواجد الشعب المصري المكثّف حول وادي النيل يعطيه قوة جماعية وثقة ، كما أن قدم التكوين المصري الخاص كولاية او كقطر او دولة، جعلها تثق بنفسها وقدرتها، الأمر الذي جعل شعبها  يركّز على مصر أولا ومصريته كقومية ودولة .مع الاهتمام النسبي بالاقطار العربية
بحكم اللغة الواحدة ، والاسلامية ،  لوجود الازهر الشريف في مصر .
 إلا أن عبد الناصر وبعض المتنورين المصريين ، كانوا يطوّرون موقفهم وأفكارهم بحكم المستجدات من جهة، ولاسيما العسكرية منها القادرة بالأسلحة الحديثة على تجاوز الصحراء كما حدث في هجوم الجيش الاسرائلي عبر سيناء خلال العدوان الثلاثي وصولا إلى ضفاف قناة السويس وكما سبق ذلك في معركة العلمين بين ألمانيا ودول الحلفاء . إضافة إلى أن أمن مصر الثقافي والاقتصادي الذي كان معتمدا غلى وحدة مصر والسودان أو مفهوم الدوائر الذي حدّده عبد الناصر في كتابه( فلسفة الثورة)-1952 –تطوّر وفق ما أوضحه هيكل ،إلى مفهوم القومية العربية والأمة العربية الذي نقله القوميون العرب من السوريين إلى القيادة المصرية في ذلك الوقت وتمّ   تبنّيه من الرأس، دون تعميم هذا الفهم إلى الجماهير المصرية التي بقيت متشبّثة بافتخارها المصري أولا وتأكيدها  أن مصر أمّ الدنيا! ، بعيدا عن معناها المجازي المحلي الى معنى اكبر يصل الى الدولي، في حين كان الوحدويون العرب يعتبرون مصر امّ الدنيا العربية.

 
في هذا المجال صدرت دراسة عن الوحدة السورية المصرية وأسباب الانفصال، تحت عنوان، قراءة جديدة على ضوء الوثائق الحديثة، أعدّها كرسالة دكتوراه في التاريخ السياسي الحديث الباحث حسام راتب حسون.  وصدرت عن الهيئة العامة السورية للكتاب .تضمنت:
1-  دراسة وثائقية للأوضاع الدولية والعربية والداخلية في سورية ومصر وانعكاساتها على تطوّر العلاقات بين البلدين (1945-1958)
2-  مواقف القوى الداخلية من المشروع الوحدوي.
3-  آلية قيام الج ع م بشكلها القانوني وانتخاب رئيس لها.
4-  معطيات السياسة الخارجية لدولة الوحدة وإشكالاتها على الإقليم السوري ولاسيما تجاه لبنان.
5-  الإشكالات في الواقع السوري بجانبيها السياسي والاقتصادي  
6-  الانفصال وانقلاب 28 أيلول (سبتمبر) 1961-العسكري بدمشق وتفاصيله .
7-  مواقف الدول الغربية تجاه الانفصال .
8-  وثائق مصورة.
 
إن ما يلاحظ على الدراسة بالرغم من الجهد التوثيقي الكبير ومحاولة الباحث الخروج في بعض الفقرات عن العملية التأريخية، إلا أن قصورا كبيرا تتسم به الدراسة ،ومنها الدور الخارجي في مساعدة عدد من قادة الانفصال من الضباط، وهو ماظهر في اعقاب البلاغ التاسع، الذي تم الاتفاق عليه مع المشير عامر ، اذ رفضه فور اذاعته الضباط المرتبطون بعلاقات خارجية وهم حيدر الكزبري وفيصل سري الحسيني، واستطاعوا فرض موقفهم على النحلاوي ومنصوروالهندي والعسلي والباقين، الذين كانوا مندفعين بتحركهم لأسباب داخلية بحته تتعلق بالتأميم وهيمنة بعض الضباط المصريين، والعداء مع عبد الحميد السراج لأسباب اشتراكية وتعصّب محلي شامي وحموي، ولعل هذا القصور يعود إلى طبيعة قسم التاريخ ومنهجيته، وعدم مشاركة متخصصين في العلوم السياسية أو علم الاجتماع السياسي في الإشراف ا والمناقشة،وهو ما أرى ضرورة له بحيث يقدم خدمة كبيرة في مجال الفكر العربي الوحدوي المستقبلي مستفيدا من التجربة والتطوّرات السياسية العالمية، ولاسيما في مجال التجارب الاتحادية القائمة أو المنفرطة .  خاصة وان الحالة العربية القائمة في أعقاب الانتفاضات المنتشرة تتطلب البحث المعمّق والسريع في هذا الموضوع الحيوي وهو ما يمكن تحقيقه عن طريق تطوير ميثاق جامعة الدول العربية، أو تطوير الإتحادات العربية الإقليمية توسيعا وتشاركا.
                                                                      أستاذ جامعي سوري *                   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق