د. أحمد حلواني*
نشر في أفق
تتميّز الأنظمة الإدارية بتعدّد طرائقها ونظريات عملها وفق المدارس التي ينتمي اليها أصحاب القرار فيها.
وعليه، لانستطيع القول بأن الادارة العربية
تشكل مدرسة واحدة من حيث مرجعيتها وطرق وأساليب عملها،بالرغم من انها تعتمد في تكوين المجتع المستهدف
والعاملين في الجهاز الاداري على القيم الاجتماعية السائدة في المجتمع العربي من
حيث الصدق والوفاء والالتزام بالوعود والمساعدة الاجتماعية ،مع اختلافٍ
في مستوى التطبيق وفق اختلاف الانظمة النافذة، ووفق
اصولها المستمّدة
من أنظمة الدول الغربية المستعمِرة
سابقا او المؤثّرة
من انكليزية او فرنسية او ايطالية او اسبانية وفق الحال.
ومع بداية عهود الاستقلال وتطور الانظمة الادارية العالمية وازدياد الارتباط بالنظام العالمي وضرورته في الميادين المختلفة تجاريا وماليا ولاسيما في الميدان المصرفي باتت اهمية التطوير كبيرة لتأمين اكبر قدر من التعامل مع المؤسسات العالمية ضمانا للمشاركة المصلحية بمافيه الحصول على المعونات الفنية والمساعدات، إضافة الى مواجهة الاشكالات التي ادخلتها أجواء انهيار الكثير من القيم الاجتماعية التي أشرنا الى بعضها بداية ،نتيجة تدني المستوى المعاشي وتفشّي امراض اجتماعية جديدة جاءت في غالبيتها من الاجواء العالمية دون نسيان الطبيعة الانسانية القابلة للتحول السلبي في قبول الفساد في كثير من الأحيان وبشكل خاص في حالات الضعف المتمثلة في الجشع والانانية والمحاباة والبعد عن الشفافية والمصداقية.
واذاكانت البيروقراطية قد اعتُمدت بالأساس كشكل من اشكال التنظيم والحماية ومنع حدوث المخالفات ، فقد اصبحت مع تدنّي اعتماد القيم الاجتماعية الإيجابية ،اداةً من ادوات الابتزاز متعددة المراحل والاساليب ،يستفيد منها جميع اصحاب المراتب الوظيفية المسؤولة صغيرة كانت او كبيرة ؟
وزاد من اجواء الفساد وقبولة طبيعة الانظمة الحاكمة ذات الصفة الشمولية والديكتاتورية التي اعتمدت اسلوب توزيع المناصب والمسؤوليات على الاتباع بغض النظر عن الكفاءة والتراتبية الوظيفية ،وبغض النظر عما يرتكبه من فساد وابتزاز ويناله من منافع شخصية مطبقا شعار - كل ديك على مزبلته صيّاح -معتبرا المؤسسة مزبلة والمسؤول عنها هو الديك! .الامر الذي أوجد حالةً من الفوضى العامة، إذ جعل العاملين مهما صغرت مرتبتهم الوظيفية يشعرون بحقّهم بممارسة الابتزاز على المراجعين طالما ان الرأس -الديك- يفعل ذلك، خاصة امام ازدياد الحاجة المعيشية وتفشّي الغلاء وتخلّي المجتمع عن غالبية قيمه الاجتماعية مكتفيا بالمظاهر منها فقط.
الامر الذي جعل المنظمات ا لدولية المتخصصة تصنّف غالبية الاقطار العربية -الغنية منها والفقيرة ضمن البلدان النامية ،تهذيبا ،والمتخلّفة واقعا بحكم امتلاكها لمظاهر التخلف والتي يأتي في عداد تفاصيلها ضعف الادارة وفسادها وتفشي المحسوبية والرشوة .
وفي هذا المجال فقد كثرت الدعوات الى إعمال برامج
التطوير الشامل للخلاص من مظاهر التخلف والاكثار من نشر برامج الوعي العام وبرامج
التأهيل والتدريب ،الى
جانب تحسين نوعية التعليم التخصصي والعام وتنويعه بالاشتراك مع مؤسسات التنمية
الدولية واجراء اتفاقات تعاون ثنائي مع جهات دولية ذات سمعة جيدة في التخصصات
المطلوبة ،وهو مايدخل
في ميدان التنمية البشرية والتي تقع الادارة في موقع هام منه.
التنمية البشرية الشاملة تتكامل مع مفهوم التنمية
المستدامة والتي تعني التأثير الايجابي للمحيط الاجتماعي في المحيط الحيوي ،
والمقصود هنا بالمحيط الاجتماعي هو مجموعة العقائد والعادات والتشريعات التي تحدد
تعاطي الفرد مع حاجياتة من سلع وخدمات وطريقة تعاطيه او تعامله مع الادارات
وانظمتها.
اما المحيط الحيوي فيتألف من عناصر اساسية تشكل البيئة المحيطة وهي، الارض والماء والهواء ، ويتطلب مراعاة
1-المحافظة
على سلامة البيئة
وترشيد الإستهلاك وفق البنود التالية.
2-الاستهلاك الرشيد للمواردالنباتية والحيوانية والمائية.
3- ايجاد
طرق آمنة للتخلص من النفايات والملوثات وحماية منابع المياه والبحار من التلوث .
اهمية القيم
والاعتبارات النفسية والاجتماعية في التنمية العامة والتطوبر الاداري كجزء من
العملية التنموية.
إن مسألة هامة في موضوع
التنمية يتطلب
التأكيد عليها وهي :
الاهتمام
في توفير المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي الملائم لتيسير العملية التنموية
وعدم الاكتفاء ببناء المعامل واستيراد لوازم التشغيل فقط معتبرين ذلك بنية تحتية
اساسية لان التنمية عملية متكاملة ماديا ومعنويا واقتصاديا واجتماعيا وتربويا تأهيليا.
إن خطط التنمية الاقتصادية تواجه الكثير من المصاعب في بلداننا
،والسبب يعود في غالبيته الى عدم تكامل التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية ، مع استمرار تخلّف
التنمية الادارية بجمودها وعدم قدرتها على المواكبة جراء سيطرة المتنفذين المنتفعين على القرار.
وهو مايتطلّب الاهتمام بالجانب الاجتماعي والتربية التنموية التي تستدعي تنمية المواطن في تطوير وسائل التربية وتنويع مجالات التعليم واختصاصاته ،والمواقف والاتجاهات نحوها بحيث يجعلها متلازمة مع التنمية الاقتصادية من جهة، ومنسجمة مع النظرة القيمية والاجتماعية من جهة اخرى .
الفساد
يعدّ الفساد من اهم العوامل التي تواجه العملية التنموية فاثاره تميل الى ان تكون أخطر وأعمّ من كل ماعداها من إشكالات ، واذا كان الكثير من الباحثين يشدّدون على الجانب الاقتصادي كأبرز اسباب الفساد ، إلا ان هذا التحديد على هذا الجانب فقط لم يستطع ان يخفف من الاسباب المؤثرة الاخرى السياسية منها والاجتماعية والتي يمكن اعتبارها من العوامل الاخرى التي لاتقل أهمية عن الجانب الأول .
في تعريف الفساد
لاشك ان تعريفا جامعا لظاهرة الفساد تعدّ
مهمة غير يسيرة بسبب الطبيعة المعقدة لهذه الظاهرة وفق تعبير د. كمال الوصّال
في دراسته عن الفساد واثاره الاقتصادية -بحيث يورد تعاريف متعددة لباحثين من اصول متباينة مبتدئا بارسطو.
- وبالرغم من الجهد الكبير في عرض التعاريف الكثيرة الا انه لايقدم تعريفا لباحث عربي واحد. كما انه لايعرض في دراستة الاكاديمية لوجهة نظر عربية في موضوع الفساد واسباب انتشاره عربيا إلاّ من خلال اعتباره الدول العربية من جملة الدول المتخلفة .وهو ما يُظهر عدم الخوض البحثي في هذا الموضوع إما خشية و مراعاة، أو لنقص المراجع والإحصاءات ذات العلاقة، مما يدلّ على عدم الإهتمام.
- وبالرغم من الجهد الكبير في عرض التعاريف الكثيرة الا انه لايقدم تعريفا لباحث عربي واحد. كما انه لايعرض في دراستة الاكاديمية لوجهة نظر عربية في موضوع الفساد واسباب انتشاره عربيا إلاّ من خلال اعتباره الدول العربية من جملة الدول المتخلفة .وهو ما يُظهر عدم الخوض البحثي في هذا الموضوع إما خشية و مراعاة، أو لنقص المراجع والإحصاءات ذات العلاقة، مما يدلّ على عدم الإهتمام.
وجلّ التعريفات الواردة تتركز معظمها
على نمو الفساد
في مجالات التعامل بين مؤسسات الدولة والادارات الحكومية والقطاع العام من جهة، وافراد المجتمع
الطبيعيين والمعنويين من جهة .اخرى، اي بين فاسدين ومفسدين .
اما اشكال الفساد فيمكن تعدادها بالرشوة والمحسوبية والابتزاز والاختلاس والاحتيال، وجميع اشكالها تقع في مستوى المهمة المسندة لمن يتورط بها .دون التجاوز عن تشكيل شلليّة< مافيوية > لحصر الفساد بعناصر محدّدة ومغلقة.
اما اشكال الفساد فيمكن تعدادها بالرشوة والمحسوبية والابتزاز والاختلاس والاحتيال، وجميع اشكالها تقع في مستوى المهمة المسندة لمن يتورط بها .دون التجاوز عن تشكيل شلليّة< مافيوية > لحصر الفساد بعناصر محدّدة ومغلقة.
اسباب الفساد
أدى إنخفاض كفاءة الجهاز الاداري، وتعقّد الانظمة وتفسيراتها، والتمسّ،ك البيروقراطي والروتيني بسبب تدنّي مستوى النزاهة لدى العاملين، رؤساء كانوا او عاملين عاديين، وتدني تبني القيم المجتمعية الآصيلة لدى المجتمع المحيط، وغياب الديمقراطية وقمع الحرية الإعلامية وطمس الشفافية والعلانية لاعتبارات امنية، كل ذلك، شكّل حالة تساعد على نمو الفساد وتغلغله في جميع نواحي الحياة الادارية ومؤسساتها. وهو ما يؤكّد على ان مكافحة الفساد تتطلب فهما عميقا لأبعاد هذه الظاهره وعواملها عن طريق خطة متكاملة تأخذ في اعتبارها الجوانب الاجتماعية والسياسية للمجتمع المستهدف ، اضافة إلى الجانب الاقتصادي بحيث يكون ذلك اساسا ًللمعرفة الواقعية لصورة المجتمع والحالة الاقتصادية والاجتماعية القائمة فيه بما فيه القيم والعادات بوضوح دقيق، وان تكون الغايات المخططة متلائمة مع مستلزمات الوضع القائم نتيجة دراسة علمية متكاملة تضع تنمية القوى العاملة وتوسيع وتنويع القدرات الانتاجية ،الامر الذي يؤدي الى زيادة وتحسين انتاجية العمل الاجتماعي ايضا وتطوير قيمه وعاداته، متلازماً مع النمو في الخطط وصولاً الى حالة الإرتقاء والنضوج والتلاؤم مع المتغيرات التي تحدث متسارعة على اكثر من صعيد.
مع اهمية ان تكون الخطة طويلة المدى، الامر
الذي يتطلب ترشيد التسيير الاداري للمؤسسات ومنحه مرونة وثقة للعاملين في إطار الشفافية، يستطبع فيها اتخاذ
اجراءات سريعة ،وإلحاظ النشاط
الاجتماعي الانتاجي بشكل يجعله محركاً لبقية النشاطات
الاخرى. وصولا إلى
خطة متكاملة تشمل جميع شرائح المجتمع وبنيته الأساسية.
ونقطة هامة اخرى فالتخطيط المطلوب يتطلب وجود
جهة مركزية تمتلك صلاحية القرار المركزي مع مشاركة واسعة من جميع القطاعات ذات
العلاقة بما فيه المنظمات الشعبية والمهنية والاجتماعية وهو مايسمى في غالبية
الدول العربية - هئية تخطيط الدولة – أو المجلس الأعلى للتخطيط الذي برأسه عادة رئيس الوزراء، وتحضر نقاشات كل
موضوع الجهات ذات العلاقة الجكومية والخاصة بمافيه الجهات المحلية كي
لايشكل ذلك اهمالا لصلاحيات الادارات المحلية التي تراعي طبيعة المجتمع المحلي من
حيث عاداته وقيمه ومستلزماته المستمدة من بيئته .اضافة الى عدم اهمال التأهيل
والتدريب المستمر وورشات العمل والاجتماعات التي تناقش الحالات الخاصة والملاحظات
ومسيرة العمل،
ودون اهما ل اهمية العمل الاعلامي المواكب لمسيرة ونشاطات المؤسسة والادارة وفق
الخطة،
شريطة منح الاعلام كامل الحرية في اطار الشفافية والمصداقية.
فالإعلام يشكّل
نقطة هامة ايضا وهي ادخال مفهوم اهمية حرية الاعلام ومصداقيته الشفافة ضمن
القيم الاجتماعية والمسؤولية القانونية لما لأهمية ذلك في المراقبة العامة والحرص على عدم
الوقوع في الخطأ -وللحديث الاعلامي والفرق بينه وبين النشاط الاعلامي حديث مطوّل آخر .
*أستاذ
جامعي سوري
المصادر
١ د.كمال الوصال -الفساد دراسة
في الاسباب والاثار الاقتصادية -عالم الفكر -2 -10-2009-الكويت
٢د. علي القاسمي - الجامعة
والتنمية -المعرفة للجميع -العدد 27- الرباط ص50.
٣ . د. نبيل السمالوطي- علم
اجتماع التنمية- دار النهضة العربية-بيروت-1981.
-التنمية حرية- عالم المعرفة- الكويت- امارتيا
صن- ترجمة شوقي جلال-2004.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق