حلواني د. أحمد
تعلّقُ الشعب العربي بالخليج والجزيرة
العربية منطقة وشعبا يعود الى تاريخ عميق يمتد من مرحلة ماقبل الإسلام ، حيث
شواطىء اليمن وخليج عدن وسواحل عُمان وامتدادتها
عبر شبه الجزيرة العربية الى حدود بلاد الشام مع امارات الخليج ومدنه من
مضيق هرمز الى شط العرب،تجارة تبادلية وعلاقات اجتماعية عشائرية وقبلية,ممتدة إلى
جميع ألأصقاع الممتدة بين بلاد الشام والسواحل المتوسطية في الشمال الإفريقي
وجنوبه، ومدلولات هذا التعلّق تعود إلى
عوامل مختلفة ابرزها جغرافية حيث تمثل بلاد الشام في شمالها المخرج البري الأسهل
والأكثر أمانا،ومنها التوجّه إلى بلاد شمال افريقيا والدواخل الإفريقية عبر مصر والمغرب
، إضافة إلى ثقافة متقاربة ومتداخلة مع العربية،وفق الدراسات اللغوية للباحثين من
الأقطار العربية المختلفة( ولاسيما في مصر والسودان وليبيا وباقي أقطار الإتحاد
المغاربي) ويمثّل الشعرُ العربي أبرز مظاهرها ولاسيما في المعلّقات، وجاء الإسلام
الحنيف بقرآنه الكريم ولغته العربية البليغة( إنا أنزلناه قرآناً عربياً) وقيمه
الإجتماعية الكبيرة ليعطيَ’ لهذا التعلّق بعداً عميقاً في تشكّل الحياة الإجتماعية
وقيمها ومعتقداتها ،فظلّت الكعبة المشرفة والمسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد
النبوي في المدينة المنورة، معالم تعلّق وهداية وحجٍ للعرب والمسلمين عامة.
وإذا كان هذا التعلّق قد مرّ بمراحل
وأشكال مختلفة في جوانبه السياسية والإقتصادية والجغرافية، عبر عصور الخلافة أو
دول التفتت والإنقسام وعهود الإحتلال ومن ثمّ دول الإستقلال وصولا الى قيام مجلس
التعاون الخليجي، فإن الأهمية المتصاعدة والعميقة لهذه المنطقة بقيت متوهجةً في
الجوانب التي تذخر بها ثقافياً وروحياً واقتصادياً وجغرافياً ، وهو ماجعلها مركز
اهتمام وجذب عربي ودولي كبير لايمكن تجاوزه أو نكرانه.
بيد أنّ هذا الإهتمام لم يمض دون
إشكالات داخلية و إقليمية ودولية خارجية تعود أسبابها إلى عوامل داخلية بسبب
المصالح الضيقة المتضاربة بطابعها السلطوي وتقاليدها العشائرية المتعصبة، إضافة
إلى الوضع اليمني <الذي أبعده مجلس
التعاون عن الإنضمام اليه بحجة اختلاف نظامه السياسي عن أنظمة دول المجلس)، وإلى الأطماع الآقليمية ، وإلى المصالح
الآمبريالية العالمية بالنسبة للنفط بعد
انتهاء دور طريق الهند.
جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي ليشكل
خطوة عملية في مجال العمل الوحدوي العربي لتأمين الدفاع عن المنطقة العربية ،
ومواجهة الإشكالات التي تواجهها وتتعرّض لها، والعمل على تطوير واقع دوله بخطط موحدّة
تساهم في ارتقاء بنيته وفاعليّة مواطنيه الإيجابية في الحياة العربية والدولية،
ودفع جامعة الدول العربية باتجاه تطوير نظامها الموضوع منذ عام 1947م
ووفق هذه الأهداف وعلى مسيرته منذ
إنشائه المتراوحة حينا والمندفعة أحيانا أخرى ! فقد شكّلت اجتماعات المجلس وتوصيات خبرائه السياسية والإقتصادية نقاط تحوّل هامة في عمل المجلس ودوره في
مواجهة الإشكالات القائمة سواء في الحرب الدائرة باليمن أو في التهديدات الإيرانية
جرّاء تدخلها في شؤون دول المنطقة ولاسيما
في مملكة البحرين ،و استمراراحتلالها لجزر
الإمارات الثلاث، ومحاولاتها في نشر الفكر الطائفي وتسويقه، إضافة إلى ألأحداث
العربية القائمة في كل من العراق وسورية وليبيا واليمن ، والوضع الدولي بشكل عام
تجاهها.
إهتمام الغرب بمنطقة الخليج والجزيرة
العربية بدأ مع الإستعمار البرتغالي والهولندي
ضمانا للوصول الى طريق الهند ومن ثمّ الإستعمار البريطاني الذي هيمن على
الخليج كلّه وترك آثارا كبيرة فيه ماتزال
حاضرة بايجابياتها وسلبياتها ، ثم مع يدايات القرن العشرين ومراحل الإستقلال، بدأ
الحضور الأمريكي عبر شركاته النفطية يقوى عوده سياسيا واقتصاديا وثقافيا واكاديميا
، مع ضعف واضح للحضور السوفييتي باستثناء حضوره في اليمن الجنوبي بعد استقلاله
وخروج الجيش البريطاني.
والجديد في الحضور الروسي في المنطقة
العربية يتمثّل بوصوله الى سورية مستفيدا من احداثها المؤلمة والإتفاق الذي تم بين
نظام الرئيس بشار الأسد والحكومة الروسية، تم على أساسه استلام مطار حميميم على
الساحل السوري بين جبلة واللاذقية وتوسيعه باستملاك مساحات كبيرة لهبوط طائراته
العسكرية، إضافة الى توسيع قاعدة طرطوس البحرية وتجهيزها لتكون قاعدة دائمة
لأساطيله الكبيرة وتأمين فاعليتها في البحر المتوسط ، الأمر الذي يحقق وجوده القوي
بالمنطقة ومنافسة الحضور الأمريكي ، وبالتالي محاولته أخذ حصته من كعكة المنطقة
وفق مفهومه، ومواجهة مخططات حلف الأطلسي في اوربة الشرقية .
وبالعودة إلى الدور البريطاني يبرز حضور رئيسة وزراء بريطانيا ومشاركتها
توجهات دول المجلس وتضامنها القوي معها من منطلق معرفة المملكة المتحدة بشؤون
المنطقة بحكم استعمارها الطويل لغالبية دولها والعارفة بامكاناتها واشكالاتها
والمشاركة بغالبية شركاتها والراعية لمدارس وجامعات كثيرة في دولها عبر اتفاقيات
ومشاركات اكاديمية، والمهتمة باستمرار باقتصاديات دول المجلس عبر مندوبيها وجواسيسها وحلفائها السياسيين
والتجار، الأمر الذي جعل البعض يتخوف من هذا الحضور، في حين أنّ البعض الآخر نظر
إلى هذه المشاركة نظرة قبول سياسي في إطار التداخل السياسي الدولي وتشابكه ، مع
أهمية بريطانيا وموقعها في السياسة الدولية، ولاسيما مع التفويض الأمريكي لها.
إن وضع جميع ما قدمناه في الإعتبار
يفضي إلى نتيجة واضحة هي ما أشار اليه
البيان الختامي لقمة المجلس باجتماعه بالبحرين في ضرورة تطويره وتسريع وضع قراراته
موضع التنفيذ ولاسيما في الإتحاد النقدي والسوق الخليجية بعد مرور خمسة عشر عاما
على إقرارها دون تنفيذ وبمماطلة غير مفهومة، مع ضرورة إضافة الملف العسكري اليهما.
وجانب آخر لا يقل أهمية وهو مراعاة العمالة العربية ولاسيما من
الدول الشقيقة التي تعاني اضطرابات ومآس
لاتحتمل، سبّبت الهجرة واللجوء ، مستنداً في ذلك إلى الأخوة والتجارب السابقة
في تجنيس شخصيات عربية كثيرة أكّدت إخلاصها وعطاءها اللامحدود للبلدان التي أقامت
فيها، والأمثلة كثيرة ويمكن للمختصين معرفتهم ودورهم المخلص والفاعل بإيجابية،
منطلقين من الثقافة العربية الواحدة والعقيدة والقيم الإجتماعية المشتركة والإخلاص
الوطني المعهود، وأهمية مدّ دول الخليج بعمالة وطنية دائمة بخبرات وإخلاص بديلا عن
العمالةالتي لاتتسم بالقيم والتقاليد السائدة في دول الخليج أو تخفيفا منها.
إن دفع العملية التطويرية لدول المجلس
والتحوّل بشكل متوازن نحو مزيد من الأنظمة المدنية بما لايخالف عقيدة شعبها، وبشكل
يحقق مزيدا من الإنماء والترابط والإنسجام فيما بينهم ومع حركة التطوّر العالمي، مع تحويل المجلس إلى
إتحاد وفق مبادرة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز في اجتماع قمة دول الخليج
في الكويت، يؤمّن قوة لدول الخليج وللحالة العربية المأزومة حالياً، و إلى تطوير جامعة
الدول العربية وزيادة فعاليتها باتجاه مزيد من الخطوات الوحدوية المشتركة، فتكون
المشاركة مع دول العالم أكثر توازنا ومساواة وقوة سواء مع بريطانيا او ايران أو
غيرها من دول العالم الصديقة،إضافة إلى أن تماسك الإتحاد وقوته تحول دون وقوع
أزمات بين دوله كما هو الحال القائم بين بعض دول المجلس ودولة قطر ، وهو ما أثار
الكثير من الإستغراب والقلق لدى المواطنين العرب في جميع أقطارهم إذ تم استبعاد
مجلس التعاون وجامعة الدول العربية من محاولات حل الأزمة وتسويتها لولا جهود أمير
الكويت مع اقتصار المحاولات على الدول الأجنبية ولاسيما الولايات المتحدة
وبريطانيا وفرنسا وهو مادعا الغيارى من المواطنين العرب في الجزيرة والخليج وسائر
الأقطار العربية الى التأكيد على ضرورة العودة الى روح التفاهم الداخلي
الأخوي في إطار مجلس التعاون أولاً و جامعة
الدول العربية التى من المفترض أن تبقى الموئل والمرجع الأول لكل مايتعلّق
بأعضائها وفق أهدافها ونظامها وطموحات شعوب الأمة في كل أقطارها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق