أحمد حلواني | منذ 14 يوليو 2018 / 00:00 - اخر تحديث في 13 يوليو 2018 / 20:19
نشر في الحياة
في تصديره لكتاب «الفقه والتاريخ في الغرب الإسلامي - مقاربات منهجية»، يقول المرحوم د. أبو القاسم سعد الله الأستاذ الكبير في التاريخ في جامعة الجزائر وعدد من الجامعات العربية سابقاً: «لا أكتم القارئ حين أصّرح له بأنني قلما صدّرت كتاباً مثل كتاب «الفقه والتاريخ» (لمؤلفه لخضر بولطيف الأستاذ في جامعتي المسيله وبسكرة في الجزائر) الذي جمع بين دقة المنهج وعمق التحليل وقوة اللغة وجمال الأسلوب والقدرة على التوثيق». مضيفاً «أنه لم ير في ذلك مفاجأة لأن الكاتب من بسكرة التي كانت موطناً لابن خلدون بعض الوقت». وأزيد أيضاً أنها منطقة عقبة بن نافع الفهري صاحب الطموح والجرأة والحكمة والتي طبعت سكانها بهذه الطباع. وهو ما صوّب آفاق المؤلف (البسكري) وتماهيه في وضع البحث الأول في الكتابة بعنوان: «معادلة الإنسان والمكان في الفتح الإسلامي لبلاد المغرب من خلال مسيرة القائد عقبة بن نافع الفهري»، وفيه يناقض الصورة النمطية التي ساهم الكثير من الكتاب والمؤرخين، ولا سيما ما نشره بعض أساتذة التاريخ من مصر الكنانة، والتي ساهم في تشكيلها بالمخيال الشعبي والمتركّزة على الفارس المغوار والبطل الأسطوري بحماس صوفي لالتماس الشهادة وبيع نفسه لله. وهو ما يدخلنا في غموض وإشكالات لا تناسب منهجية الدراسة التاريخية وبالتالي عرض ما قامت به تلك الشخصيات من أدوار في البنية الاقتصادية والاجتماعية عموماً. الأمر الذي يدعو للتأمل والتروي في مراجعة خط سير/ الفتح الإسلامي ووسائل انتشاره ودراسة شخصيات القادة.
تدور أبحاث الكتاب بعد تصدير المؤرخ الكبير المرحوم أبو القاسم سعدالله ومقدمة المؤلف وفق العناوين التالية:
1 – معادلة الإنسان والمكان في الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.
2 – مذهب الإمام الأوزاعي بين الشام والأندلس.
3 – جدل الفقه والتاريخ في تراث عبدالملك بن حبيب الأندلسي.
4 – الفقيه محمد بن سليمان اليعربي الكومي الندرومي.
5 – علم التوثيق في الغرب الإسلامي ودوره في الرقي بالنظم القضائية.
6 – محنة المذهب المالكي بالغرب الإسلامي في عصر الموحدين.
7 – ملامح المنظومة القيمية للمجتمع القلعي الحمّادي.
8 – معارف شامية بعيون أندلسية.
9 – الأبعاد المعرفية والمنهجية لبرامج تدريس التاريخ في الجامعة الجزائرية.
10 – نحو مدرسة تاريخية جزائرية.
وكما تظهر العناوين المبّينة فإنها تضمّ مواضيع مختلفة يجمع بينها حراك فكري متوّهج بإسقاطات متنوّعة، وبمنهجية مستقيمة وثابتة عند الكاتب سواء تعلّق الأمر بمسيرة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب والأندلس أو العلاقة بين الشام والمغرب بما فيه الأندلس.
وعلى رغم أهمية استعراض الأبحاث، إلاّ أن طبيعة المقال تقتضي الاختصار قدر الإمكان وهو ما بينّته في المقدمة ويجعلني أتوقف عند بحثٍ محدّد بحكم مميزاته المشرقية والمغاربية بآن واحد وهو: «مذهب الإمام الأوزاعي بين الشام والأندلس، خصوصيات المكان ومتغيرّات الزمان».
فلقد حفل فقه الإمام الأوزاعي باستجابات ملائمة للأوضاع السياسية والعسكرية التي شهدتها الشام والأندلس وتجاذبات الحرب والسلم التي كانت قائمة خلال الفتح الإسلامي والتي ساهمت في ذيوع مذهبه وسيادته على خلفية شيوع ثقافة الرباط ولا سيما في التخوم ونقاط التماس.
بعد أن يستعرض المؤلف منبعث ومستقر الإمام الأوزاعي (88-157هــ / 707– 774م) ملازماً بلاد الشام مرابطاً بساحل بيروت منها حيث لم يغادرها إلاّ لماماً فصار وفق ابن سعد بكتابه الطبقات الكبير: من أهل الرباطات والثغور، مضيفاً أن كتب التراجم والطبقات تزخر بأسماء كثيرة من طلاب العلم الأندلسيين الذين نزلوا بالشام وثغورها قصد العلم والتعلم من شيوخها، يقابلها أسماء الكثير من علماء الشام الذين حطّوا رحالهم بالأندلس بالقصد نفسه وأسباب أخرى لجوءاً وارتحالاً.
ومن أشهر من ارتحل إلى الأندلس وكان له الدور الكبير في نشر مذهب الأوزاعي فيه هو صعصعة بن سلام الدمشقي (المتوفى 192 هـ - 808 م) وقد عدّ صعصة من أهل الأندلس مع بقاء نسبه بالدمشقي، وقد ظلّت الفتوى تدور على الأوزاعي ومذهبه طيلة عهد عبد الرحمن بن معاوية (138 – 172 هـ / 755 -788 م) وصدراً من عهد هشام بن عبد الرحمن من بعده (ينظر: ابن الفرضي – تاريخ العلماء والرواة بالأندلس – عزت العطار الحسيني – القاهرة – مكتبة الخانجي 1988 م).
يضاف إلى صعصعة من العلماء الذين نهلوا من الإمام الأوزاعي أسير بن عبد الرحمن السبائي الشامي أيضاً والذي تولّى قضاة البيرة على عهد عبد الرحمن بن معاوية، ومصعب بن عمران قاضي قرطبة، ونستطيع تفسير انتشار مذهب الأوزاعي في الأندلس لسببين أوليين:
1 – حجم عدد الشوام وتأثيرهم السلطوي خلال الخلافة الأموية والهجرة إليها بعد سقوط دمشق بانتصار العباسيين.
2 – العناية البارزة في المذهب الأوزاعي بتشريعات الحرب وأحكام الجهاد بحكم أوضاع الأندلس واحتدام المواجهة مع أعدائها متوقفاً بعد ذلك عند المرجعية الأوزاعية... جدلية المذهب والأيديولوجيا وضريبة الحسبة السياسية:
استطاع خلال سني حياته المديدة أن يؤسّس مرجعية فقهية معترفاً بها على مستوى بلاد الشام والأندلس، لكن صمود المذهب واستمراره صار غير حريّ بالاطمئنان بعد وفاته، فبدأ الالتزام به يضعف مبيّناً أسباب متعددة لذلك منها:
1 – موقفه من السلطة العباسية بحيث عُدّ في طريقة معارضته ليس من منطلق ولاء تليد للأمويين كما بقي أهل الشام، لكن احتساباً منه لحرمة الدماء والأعراض والأموال.
فقد كان بما يمثّله من سلطة علمية نافذة، جريئاً مقداماً، لا يخاف سطوة العظائم (وفق أبو نعيم في حلبة الأولياء).
ومن مواقفه الجريئة نذكر بعضاً مما ذكره ابن خلكان وابن عساكر: فقد كان أول لقاء جمعه في نطاق العهد الجديد- بالوالي العباسي عبدالله بن علي، الذي أرسل في طلبه، وقد تعمّد الوالي أن يحيط مجلسه بما شأنه أن يثير الهلع في نفس الأوزاعي، من حرسٍ شِداد بأيديهم سيوف مصلّطة ومقارع مهلكة، فلما مثل الإمام بين يديه بعد تلبّث ومماطلة، عبثاً حاول الوالي من خلال أسئلته التي طرحها تباعاً على الأوزاعي أن يحصل منه على تزكية لصنيع العباسيين بالأمويين أو حيازتهم لخلافة المسلمين، لكن الإمام الذي استبسل للموت ولم يأبه للخطر المحدق بحياته، تخلص من الموقف العصيب بحكمة وشجاعة (ينظر ابن عساكر في تاريخ دمشق (35/210-212). ثم حدث أن استدعاه الخليفة أبو جعفر المنصور (136 – 158 هـ / 754 -775 م) إلى حضرته حيث نزل بدمشق، فلما اجتمعا استنصحه الخليفة، فما كان من الأوزاعي إلا أن انبسط للكلام، فأسمع المنصور موعظة شديدة مؤثرة ذرفت لها عيناه، ذكّره فيها بواجباته تجاه رعيته، من الإحسان إليهم، والقيام على مصالحهم، ومراعاة الرفق بهم، والنصفة لهم، كما حذّره من الاغترار بالمُلك، والخلود إلى الدنيا، وخوفه جسامة المسؤولية، ومآل صاحبها يوم القيامة.
وتحتفظ مصادرنا برسائل عديدة رفعها الأوزاعي إلى ممثلي السلطة العباسية، خلفاء وولاة، إما على سبيل النصح والتذكير، أو سعياً في قضاء مصالح الناس وتمكينهم من حقوقهم. من ذلك مخاطبته المنصور بشأن افتداء أسرى المسلمين الذين بيد البيزنطيين، وكان المنصور قد تلكّأ في مفاداتهم، ومخاطبته – أيضاً – المهدي ولي عهد المنصور في التوسعة على أهل مكة في سنة جدب وغلاء، إلى مخاطبات أخرى بشأن زيادة أعطيات أهل الساحل من المرابطين الذي تقصر مواردهم المالية عن الوفاء بحاجياتهم الضرورية.
كما يُؤثرُ عن الأوزاعي منافحته عن أهل الذّمة، ووقوفه إلى جانبهم في ما لحق بهم من تهجير عن قراهم بجبل لبنان، لما ثبت تورّط بعضهم في حركةٍ انفصالية كان البيزنطيون يشجعونها ويمدونها بالمال والسلاح، وكان من رأي الإمام أن في تعميم العقاب على جميعهم إجحافاً بحقوقهم المرعية، وأخذاً للبريء بجريرة المعتدي.
ويبدو أن مثل هذه المبادرات المتكررة، ومراجعة أصحاب القرار، والاحتساب عليهم، تكون قد حفزت بعض القائمين على تنفيذ سياسات الدولة، ومن كانوا يلوذون بهم من أفراد الحاشية، ضد الإمام، ولقد همّ أحد ولاة الشام أن يصيبه بأذى، لكنه أمسك نزولاً عند نصيحة بعض مقربيه: لا تفعل، فإنه لا مقام لك بالشام مع الأوزاعي... لو أشار إلى أهل الشام لضربت عنقك.
ومن هنا نفهم سر قول أحد أمراء الساحل عقب مواراة جثمان الأوزاعي– فيما يحدثنا به تلميذ الأوزاعي عبد الحميد بن أبي العشرين (حي 170 هـ / 786 م): «رحمك الله أبا عمرو، فوالله لقد كنت أخافك أكثر ممن ولاّني، فمن ظلم بعدك فليصبر».
ولعل هذا المسلك غير المهادن من الأوزاعي للسلطة الحاكمة يفسر لنا من ناحية أخرى سر ما عاناه في أخريات حياته من انفضاض الناس من حوله، تهيبّاً منهم مما قد ينال السائرين في ركاب المغضوب عليهم من إغضاء أو إيذاء.
أما انحسار المذهب في الأندلس/ منذ حدود 220هـ - 835 م في مقابل مالك بن يحي بن يحيى الليثي فيعود إلى أسباب سلطوية وأخرى جغرافية بالنسبة لطريق الحج وفق ابن خلدون.
لكن احتمالاً آخر قد يكون من الأسباب المهمة وهو أن انتشار مذهب ما أو اندثاره لا يخضعان– بالضرورة – إلى مدى ملاءمة أحكام المذهب وتشريعاته لحياة الناس، ومواكبته للمتغيرات والمستجدات، إنما يرجع ذلك إلى اعتبارات متعددة ومتداخلة، لا تنفك– في الواقع عمّا قد يتهيأ للمذهب بعد مؤسسه من تلاميذ وأتباع ذوي جدارة واقتدار، لديهم من المؤهلات العلمية والإمكانات المادية، ما يؤهلهم لدخول تحالفات إستراتيجية طرفاها السلطة والرعية، في سبيل تأمين الدعم والسند الضروريين.
ولما لم يّقدّر لمذهب الأوزاعي أن يحظى بذلك، فقد وقع بعد مؤسسه، بل ومنذ أخريات حياته، في مأزق التواصل والاستمرارية، ثم حتى إذا فني العارفون به– على حد تعبير الذهبي– لم يبق منه سوى، ما يوجد في كتب الخلاف.
وإذا كان الطبري (ت 310 هـ، 922م) قد أحال في كتابه اختلافات الفقهاء على الأوزاعي في نحو ستين موضعاً، فإن ابن جزي الغرناطي (ت 741 هـ - 1340 م) مع ما التزمه في مقدمة «القوانين الفقهية» من التنبيه على مواطن الاتفاق والاختلاف بين الأئمة الأربعة وغيرهم من «أئمة المسلمين»، إلا أنه لم يستدل بآراء الأوزاعي عدا في موضع واحد.
لكن مهما يكن من نكوص المنظومة الفقيهة الأندلسية عن استحضار فقه الإمام الأوزاعي، إلا أن صداه سيظل ماثلاً في كتب الحديث والمسانيد والرجال، شفيعنا في ذلك ما ورد في فهرسة ابن خير الإشبيلي (ت575 – 1179 م) من إشارات تحمل على الاعتقاد أن مسند حديث الأوزاعي كما سيره، ظلت تلقى الرواج والتقدير بين الشوام الأندلسيين على حد السواء، وما تأسيس كلية أو جامعة باسمه في بيروت الشام إلا تأكيد لذلك إضافة إلى حي كبير يُفاخر سكانه باسمه.
7 – ملامح المنظومة القيمية للمجتمع القلعي الحمّادي.
8 – معارف شامية بعيون أندلسية.
9 – الأبعاد المعرفية والمنهجية لبرامج تدريس التاريخ في الجامعة الجزائرية.
10 – نحو مدرسة تاريخية جزائرية.
وكما تظهر العناوين المبّينة فإنها تضمّ مواضيع مختلفة يجمع بينها حراك فكري متوّهج بإسقاطات متنوّعة، وبمنهجية مستقيمة وثابتة عند الكاتب سواء تعلّق الأمر بمسيرة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب والأندلس أو العلاقة بين الشام والمغرب بما فيه الأندلس.
وعلى رغم أهمية استعراض الأبحاث، إلاّ أن طبيعة المقال تقتضي الاختصار قدر الإمكان وهو ما بينّته في المقدمة ويجعلني أتوقف عند بحثٍ محدّد بحكم مميزاته المشرقية والمغاربية بآن واحد وهو: «مذهب الإمام الأوزاعي بين الشام والأندلس، خصوصيات المكان ومتغيرّات الزمان».
فلقد حفل فقه الإمام الأوزاعي باستجابات ملائمة للأوضاع السياسية والعسكرية التي شهدتها الشام والأندلس وتجاذبات الحرب والسلم التي كانت قائمة خلال الفتح الإسلامي والتي ساهمت في ذيوع مذهبه وسيادته على خلفية شيوع ثقافة الرباط ولا سيما في التخوم ونقاط التماس.
بعد أن يستعرض المؤلف منبعث ومستقر الإمام الأوزاعي (88-157هــ / 707– 774م) ملازماً بلاد الشام مرابطاً بساحل بيروت منها حيث لم يغادرها إلاّ لماماً فصار وفق ابن سعد بكتابه الطبقات الكبير: من أهل الرباطات والثغور، مضيفاً أن كتب التراجم والطبقات تزخر بأسماء كثيرة من طلاب العلم الأندلسيين الذين نزلوا بالشام وثغورها قصد العلم والتعلم من شيوخها، يقابلها أسماء الكثير من علماء الشام الذين حطّوا رحالهم بالأندلس بالقصد نفسه وأسباب أخرى لجوءاً وارتحالاً.
ومن أشهر من ارتحل إلى الأندلس وكان له الدور الكبير في نشر مذهب الأوزاعي فيه هو صعصعة بن سلام الدمشقي (المتوفى 192 هـ - 808 م) وقد عدّ صعصة من أهل الأندلس مع بقاء نسبه بالدمشقي، وقد ظلّت الفتوى تدور على الأوزاعي ومذهبه طيلة عهد عبد الرحمن بن معاوية (138 – 172 هـ / 755 -788 م) وصدراً من عهد هشام بن عبد الرحمن من بعده (ينظر: ابن الفرضي – تاريخ العلماء والرواة بالأندلس – عزت العطار الحسيني – القاهرة – مكتبة الخانجي 1988 م).
يضاف إلى صعصعة من العلماء الذين نهلوا من الإمام الأوزاعي أسير بن عبد الرحمن السبائي الشامي أيضاً والذي تولّى قضاة البيرة على عهد عبد الرحمن بن معاوية، ومصعب بن عمران قاضي قرطبة، ونستطيع تفسير انتشار مذهب الأوزاعي في الأندلس لسببين أوليين:
1 – حجم عدد الشوام وتأثيرهم السلطوي خلال الخلافة الأموية والهجرة إليها بعد سقوط دمشق بانتصار العباسيين.
2 – العناية البارزة في المذهب الأوزاعي بتشريعات الحرب وأحكام الجهاد بحكم أوضاع الأندلس واحتدام المواجهة مع أعدائها متوقفاً بعد ذلك عند المرجعية الأوزاعية... جدلية المذهب والأيديولوجيا وضريبة الحسبة السياسية:
استطاع خلال سني حياته المديدة أن يؤسّس مرجعية فقهية معترفاً بها على مستوى بلاد الشام والأندلس، لكن صمود المذهب واستمراره صار غير حريّ بالاطمئنان بعد وفاته، فبدأ الالتزام به يضعف مبيّناً أسباب متعددة لذلك منها:
1 – موقفه من السلطة العباسية بحيث عُدّ في طريقة معارضته ليس من منطلق ولاء تليد للأمويين كما بقي أهل الشام، لكن احتساباً منه لحرمة الدماء والأعراض والأموال.
فقد كان بما يمثّله من سلطة علمية نافذة، جريئاً مقداماً، لا يخاف سطوة العظائم (وفق أبو نعيم في حلبة الأولياء).
ومن مواقفه الجريئة نذكر بعضاً مما ذكره ابن خلكان وابن عساكر: فقد كان أول لقاء جمعه في نطاق العهد الجديد- بالوالي العباسي عبدالله بن علي، الذي أرسل في طلبه، وقد تعمّد الوالي أن يحيط مجلسه بما شأنه أن يثير الهلع في نفس الأوزاعي، من حرسٍ شِداد بأيديهم سيوف مصلّطة ومقارع مهلكة، فلما مثل الإمام بين يديه بعد تلبّث ومماطلة، عبثاً حاول الوالي من خلال أسئلته التي طرحها تباعاً على الأوزاعي أن يحصل منه على تزكية لصنيع العباسيين بالأمويين أو حيازتهم لخلافة المسلمين، لكن الإمام الذي استبسل للموت ولم يأبه للخطر المحدق بحياته، تخلص من الموقف العصيب بحكمة وشجاعة (ينظر ابن عساكر في تاريخ دمشق (35/210-212). ثم حدث أن استدعاه الخليفة أبو جعفر المنصور (136 – 158 هـ / 754 -775 م) إلى حضرته حيث نزل بدمشق، فلما اجتمعا استنصحه الخليفة، فما كان من الأوزاعي إلا أن انبسط للكلام، فأسمع المنصور موعظة شديدة مؤثرة ذرفت لها عيناه، ذكّره فيها بواجباته تجاه رعيته، من الإحسان إليهم، والقيام على مصالحهم، ومراعاة الرفق بهم، والنصفة لهم، كما حذّره من الاغترار بالمُلك، والخلود إلى الدنيا، وخوفه جسامة المسؤولية، ومآل صاحبها يوم القيامة.
وتحتفظ مصادرنا برسائل عديدة رفعها الأوزاعي إلى ممثلي السلطة العباسية، خلفاء وولاة، إما على سبيل النصح والتذكير، أو سعياً في قضاء مصالح الناس وتمكينهم من حقوقهم. من ذلك مخاطبته المنصور بشأن افتداء أسرى المسلمين الذين بيد البيزنطيين، وكان المنصور قد تلكّأ في مفاداتهم، ومخاطبته – أيضاً – المهدي ولي عهد المنصور في التوسعة على أهل مكة في سنة جدب وغلاء، إلى مخاطبات أخرى بشأن زيادة أعطيات أهل الساحل من المرابطين الذي تقصر مواردهم المالية عن الوفاء بحاجياتهم الضرورية.
كما يُؤثرُ عن الأوزاعي منافحته عن أهل الذّمة، ووقوفه إلى جانبهم في ما لحق بهم من تهجير عن قراهم بجبل لبنان، لما ثبت تورّط بعضهم في حركةٍ انفصالية كان البيزنطيون يشجعونها ويمدونها بالمال والسلاح، وكان من رأي الإمام أن في تعميم العقاب على جميعهم إجحافاً بحقوقهم المرعية، وأخذاً للبريء بجريرة المعتدي.
ويبدو أن مثل هذه المبادرات المتكررة، ومراجعة أصحاب القرار، والاحتساب عليهم، تكون قد حفزت بعض القائمين على تنفيذ سياسات الدولة، ومن كانوا يلوذون بهم من أفراد الحاشية، ضد الإمام، ولقد همّ أحد ولاة الشام أن يصيبه بأذى، لكنه أمسك نزولاً عند نصيحة بعض مقربيه: لا تفعل، فإنه لا مقام لك بالشام مع الأوزاعي... لو أشار إلى أهل الشام لضربت عنقك.
ومن هنا نفهم سر قول أحد أمراء الساحل عقب مواراة جثمان الأوزاعي– فيما يحدثنا به تلميذ الأوزاعي عبد الحميد بن أبي العشرين (حي 170 هـ / 786 م): «رحمك الله أبا عمرو، فوالله لقد كنت أخافك أكثر ممن ولاّني، فمن ظلم بعدك فليصبر».
ولعل هذا المسلك غير المهادن من الأوزاعي للسلطة الحاكمة يفسر لنا من ناحية أخرى سر ما عاناه في أخريات حياته من انفضاض الناس من حوله، تهيبّاً منهم مما قد ينال السائرين في ركاب المغضوب عليهم من إغضاء أو إيذاء.
أما انحسار المذهب في الأندلس/ منذ حدود 220هـ - 835 م في مقابل مالك بن يحي بن يحيى الليثي فيعود إلى أسباب سلطوية وأخرى جغرافية بالنسبة لطريق الحج وفق ابن خلدون.
لكن احتمالاً آخر قد يكون من الأسباب المهمة وهو أن انتشار مذهب ما أو اندثاره لا يخضعان– بالضرورة – إلى مدى ملاءمة أحكام المذهب وتشريعاته لحياة الناس، ومواكبته للمتغيرات والمستجدات، إنما يرجع ذلك إلى اعتبارات متعددة ومتداخلة، لا تنفك– في الواقع عمّا قد يتهيأ للمذهب بعد مؤسسه من تلاميذ وأتباع ذوي جدارة واقتدار، لديهم من المؤهلات العلمية والإمكانات المادية، ما يؤهلهم لدخول تحالفات إستراتيجية طرفاها السلطة والرعية، في سبيل تأمين الدعم والسند الضروريين.
ولما لم يّقدّر لمذهب الأوزاعي أن يحظى بذلك، فقد وقع بعد مؤسسه، بل ومنذ أخريات حياته، في مأزق التواصل والاستمرارية، ثم حتى إذا فني العارفون به– على حد تعبير الذهبي– لم يبق منه سوى، ما يوجد في كتب الخلاف.
وإذا كان الطبري (ت 310 هـ، 922م) قد أحال في كتابه اختلافات الفقهاء على الأوزاعي في نحو ستين موضعاً، فإن ابن جزي الغرناطي (ت 741 هـ - 1340 م) مع ما التزمه في مقدمة «القوانين الفقهية» من التنبيه على مواطن الاتفاق والاختلاف بين الأئمة الأربعة وغيرهم من «أئمة المسلمين»، إلا أنه لم يستدل بآراء الأوزاعي عدا في موضع واحد.
لكن مهما يكن من نكوص المنظومة الفقيهة الأندلسية عن استحضار فقه الإمام الأوزاعي، إلا أن صداه سيظل ماثلاً في كتب الحديث والمسانيد والرجال، شفيعنا في ذلك ما ورد في فهرسة ابن خير الإشبيلي (ت575 – 1179 م) من إشارات تحمل على الاعتقاد أن مسند حديث الأوزاعي كما سيره، ظلت تلقى الرواج والتقدير بين الشوام الأندلسيين على حد السواء، وما تأسيس كلية أو جامعة باسمه في بيروت الشام إلا تأكيد لذلك إضافة إلى حي كبير يُفاخر سكانه باسمه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق