الأحد، 16 ديسمبر 2018

الإعلام وصناعة الحب والكراهيةراهية


د.أحمد حلواني

مدخل
   إذا كانت الصناعة تعني التعامل مع الآلة والمحرك والأجهزة الكهربائية والالكترونية فإن المقصود بالصناعة هنا هو الصنعة والإبداع وليس المهنة أو التعامل الآلي.
أما الحب فهو ما عجز الآدباء والمفكرون عن تعريفه المحدد. وذلك أجمل ما في الحب إذ هو فضاء واسع يصعب تحديده وحصره ليبقى مفتوحاً أمام خيالاتنا إلى الأبد.
والكراهية تقابل الحب وهي عكسه لكنني استطيع أن أقول إذا كان الحب فضاءً مفتوحاً مليئاً بالمشاعر الحيوية والخيالات المبدعة, فإن الكراهية محدودة بالبغضاء والنكران والنقصان المؤدي إلى القتل والتدمير, قتل الذات وقتل الآخر وقتل كل مشاعر الحياة الإنسانية.
أما وسيلتنا الإعلامية (التلفزيون) فهي الوسيلة التي احتلت الصدارة في الوسائل الإعلامية الاتصالية جاذبية وتأثيراً وتنوعاً وانتشاراً ففيها الصورة والكلمة وفيها اللون والموسيقا والحركة والقدرة على التنوع.
فإذا كانت الصورة قد استخدمت منذ القديم كوسيلة اتصال وتأثير وترسيخ وديمومة فإن الصور التلفزيونية والسينمائية قبلها قد أثبتت من خلال حركتها قدرتها في التأثير وفي (صناعة) الرأي العام.
لكننا نتساءل هل استخدم التلفزيون من اجل الحياة البشرية والإنسانية على ظهر المعمورة؟ أم استخدم لخدمة أصحاب محطاته من الحكام وأصحاب الشركات؟ وهل استخدم لزرع الخصال الحميدة وفي مقدمتها المحبة؟ أم استخدم لزرع البغضاء والكراهية وبالتالي القتل والتدمير؟
لعلنا نتفق بأن زراعة المحبة أصعب بكثير من زراعة الكراهية ومن هنا فقد وظّفت هذه الوسيلة لخدمة الأمر الثاني الأسهل والأقرب إلى تحقيق مطالب الحكام والجشعين بقصد تحقيق الكراهية ضد كل معارض أو منافس فابتعدت هذه الوسيلة عن مجالاتها الحقيقية.
الحب والحياة
يبدأ الحب والعلاقات العاطفية مع العلاقات التي تنشأ بين أفراد الأسرة تلك التي تنبئ بحالة مغامراتنا العاطفية. لن نصل إلى الحب خالين من المشاعر المكبوتة والمؤسسة على خبرات ماضوية, تنمو العلاقة في ظل مشاعر مختلفة حملناها من الماضي ونمت ونحن في كنف الأسرة, شعور بالذنب والغضب والحقد مشوبة بمشاعر نتذمر فيها من الشريك أو من المحيط لكن هذه المعيقات في مسيرة الحب تعلّمنا تجاوز العقبات لأننا إذا لم نتعلم العبر من العقبات سنبقى سجناء المواقف عينها.
من البديهي التعامل مع الجزء الخلاق في العقل ليحررنا من الأدوار التي تحملناها وسط الأسرة ولكي نتسلح بالتسامح حيال أنفسنا وأفراد أسرتنا, بحيث يمكننا بعدها الانتقال إلى خطوات أخرى في هذا العالم الواسع والغامض الذي يسكنه الحب, فيكفي أن نرغب في التحرر وفي الانطلاق نحو الخطوة التالية, وإن عجزنا عن معرفة هويتها إلى أن يجد العقل الطريق إليها.
علاقات الحب والمحبة تنتظر دائماً دعوة صادقة منا وثقة ومعرفة عميقة بالمحيط والطبيعة, وانفتاحاً بدون خوف.
من المستحيل أن نُقدِمَ على الحب في تردد أو أن نتعامل مع هذا الشعور على انه مثالي بل إنه شعور واقعي علمي حياتي.
لكن الاستمرار فيه يتطلب الكثير من الجهد والعمل وعدم الاستسلام أمام العقبات التي تؤدي إلى أقفال الانفتاح خوفاً من الذوبان في الطرف الآخر لان الذوبان بالطرف الآخر والانصهار الكلي فيه خطأ فادح مثله مثل التعامل باستقلالية تامة فالاستقلالية تتطلب اللجوء إلى تبريد العواطف والتي تؤدي إلى الفشل في إيجاد الحميمية, والحميمية هي من العوامل الأساسية لنمو الحب الحقيقي وعليه فإن هذه المرحلة من الدخول في الحب تستفد إلى ما حملناه من عادات اكتسبناها في العلاقات الأسرية. التدخل يؤدي إلى الاختناق والاستقلالية تؤدي إلى تبريد العواطف وإلغاء الحميمية.
مع بداية قصصنا العاطفية تتفجر في داخلنا أحاسيس مختلفة وبالحب نختبر الجنة على الأرض. والغوص كلياً في الأحاسيس هو الطريقة الوحيدة للشفاء من السلبي منها والدخول في عالم الإبداع الحياتي.
إن الغوص في الأحاسيس المختبئة تحت طبقات متعددة في العقل الباطني هي الطريقة الأمثل للشفاء من السلبي منها ومواجهة الشعور بالذنب أو الخجل وبالتالي الأذى الذي يلحقنا منها, الأمر الذي يوصلنا إلى الرضى بحالتنا المعاشة فبدلاً من الخوف من المشاعر التي تدهمنا في العلاقات ومواجهتها بقصد التخلص منها نرى أن ما قاومناه مستمر وعليه فإن التغيير نحو الأفضل نحصل عليه عندما نرضى بحالتنا لننطلق منها إلى الأفضل.
يقول: شاك سبيزانو (CHUCK – SPEZZANO) في كتابه خمسون طريقة لتغيير عقليتنا والعالم[1]
«العقبات والمشكلات المحتومة تنفعنا وتساعدنا في الوصول إلى مراحل أخرى ولنتعلم منها عبراً إضافية تقربنا من الوعي وتساهم في إنجاح علاقاتنا العاطفية. ويتابع الحب لن ينمو بفضل النظرات والاحتكاك الجسدي فحسب بل يجب أن نتوقع الفخ بعد الآخر فإذا تعاملنا مع كل فخ يحضّره لنا العقل على انه تحدٍ جديد وفرصة للتعلم, تنتهي المرحلة بسرعة اكبر.
أما إذا سجننا الخوف والتردد فنكون قد حققنا رغبة الجزء السلبي من العقل الذي يرغب في إبقائنا في المكان نفسه»
وإذا استندنا إلى هذه المقدمات فإننا نستطيع أن نجد الحب في كل مناحي حياتنا ومحيطنا ببساطة حين نرغب فيه بصدق وعندما نفتح قلبنا وعقلنا للمرحلة القادمة. والتسلح بالشجاعة وقبول القادم الذي هيأنا له من قاعدة الرضا بالحاضر والانطلاق إلى المستقبل إلى الاستمتاع بالحب وأفراحه وحتى أحزانه.
الحب الساحر الغامض الذي تهون بوجوده الصعاب.
لكن الوصول إلى هذه الحالة من الحب تتطلب عوامل محيطة في الأسرة والمدرسة والمحيط الإعلامي والاجتماعي ومن هنا ننطلق إلى العلاقة القائمة والدائمة بين الإعلام كوسيلة من وسائل تكوين المحيط مترابطة مع العوامل الأخرى تستند إلى صدقية صورة العلاقات الحميمية بين أبناء المجتمع الإنساني كله والمحلي بخاصة من حيث شفافيتها ومنهجيتها العلمية ومعايشتها لإبعاد النفس البشرية التواقة إلى الأفضل والأحسن بعيدة عن صور العنف والتناحر الوحشي المؤدي إلى البغضاء والكراهية والقتل.
دور التلفزيون في التنشئة الاجتماعية للطفل:
لأهمية التلفزيون ومكانته المتميزة عن وسائل الإعلام الأخرى, ودور تنشئة الأطفال اجتماعياً في الأسرة ولأهمية عملية التنشئة الاجتماعية ومكانتها على المجتمع, اهتم علماء العلوم الاجتماعية, وخاصة علماء النفس بدراستها, وعندما اتضح أن التلفزيون له دور في هذه العملية بدأ العلماء يهتمون بتأثير هذا الدور على الأطفال, ومدى قيام التلفزيون بدوره فيها, ومدى تأثيره في السلوك الاجتماعي للأطفال.
فاهتم العلماء بأنماط محددة في السلوك الاجتماعي للأطفال واثر التلفزيون فيها مثل: مساعدة الآخرين, التعاون, الصراع, الصداقة, التعاطف, الشفقة, المثابرة في عمل الواجب, طاعة القواعد التي تضعها الجماعة.
ورغم أهمية موضوعنا هذا إلا أن الدراسات عن الحب قليلة بل تكاد تكون نادرة.
وتبين من إحدى الدراسات التي أجريت علم 1970 أن البرامج الاجتماعية في التلفزيون لها دور الداعم والمغذي للسلوك الاجتماعي للاطفال الذين في سن ما قبل المدرسة وبالتالي في تكوين قيمهم.
كما أوضحت دراسة بريطانية أخرى عن وجود عدد من الأدلة على تأثير التلفزيون في سلوك الأطفال الذين في سن من 10-11 سنة, حيث تبين وجود تأثير قليل ولكن متسق للتلفزيون في الطريقة التي يفكر بها الأطفال عن العمل, كما اتضح أن الأطفال الذين يشاهدون التلفزيون يظهرون طموحاً أكثر في نظرتهم وقيمهم التي تتعلق بالعمل عن الأطفال الذين لا يشاهدون التلفزيون, فلقد اقتربت قيم الأطفال الذين يشاهدون برامج التلفزيون من قيم الطبقة المتوسطة تجاه العمل.
وفي دراسة قامت على مضمون بعض المسرحيات التي تقدم للراشدين في التلفزيون البريطاني تبيّن أن الأطفال يستمتعون بالمسرحيات التي تقدم للراشدين بحيث كشفت الدراسة عن محتوى هذه المسرحيات من القيم, ومدى تأثيرها في الأطفال وقيمهم الاجتماعية.
فاتضح من هذه الدراسة أن عالم الدراما في التلفزيون البريطاني يقدم قيم مجتمع ما فوق الطبقة المتوسطة تلك التي تعيش في المدن الكبرى ويتعرض لمهن الأفراد وعملهم في هذا المستوى الاجتماعي بشكل موسع. كما اتضح أن المسرحيات تقلل من أهمية العمل اليدوي وتظهره على انه غير شيّق, وتعلم الأفراد أن الثقة بالنفس والصلابة لا بد من توفرها لكي تحقق النجاح, وأن الفضيلة لا تجلب السعادة, أما العنف فهو جزء من الحياة يتعذر اجتنابه, والأفراد الطيبون غالباً ما يكونون ضحايا.
وتوضح هذه الدراسة أن القيم الاجتماعية التي يعرضها التلفزيون يمكن أن تحدث تأثيراً إذا ما قُدمّت في شكل درامي وبطريقة مستمرة[2].
ويرى احد علماء النفس أن هناك اختلافات بين الطبقات الاجتماعية في أساليب تنشئة الطفل, وحتى تظل هذه الاختلافات باقية يجب أن تنقل إلى الأجيال القادمة عن طريق أنماط تنشئة الطفل الخاصة بكل طبقة اجتماعية ولقد وجد في أمريكا فروق ملحوظة بين الطبقات في أساليب تنشئة الطفل سنة 1940, حيث وجد أن الآباء المنتمين إلى  الطبقة الوسطى أكثر صرامة مع أبنائهم من الآباء الذين من الطبقة الدنيا, ولكن في سنة 1958 أوضحت الدراسات تقارب الفروق بين الطبقات وتغيّرت نظرة المجتمع إلى معاملة الطفل, ويرجع بعض علماء النفس هذا التقارب بين الطبقات الاجتماعية في أساليب تنشئة الطفل إلى التلفزيون حيث يقول احد علماء النفس:
«في الحقيقة الحديثة, عندما حدث تغير في نقل المعايير من المجلات والكتب التي تتطلب قدراً عالياً من الثقافة والتعلم إلى التلفزيون الذي ينقل أساساً  وسائل متشابهة عن تربية الطفل إلى كل أمهات الطبقة الوسطى والطبقة الدنيا على السواء, فإن فروق الطبقة التي كانت ملحوظة يوماً ما أخذت تميل الآن إلى الاختفاء كلية, ومن المحتمل أيضاً أن عملية التقريب نفسها يمكن أن تحدث عبر الثقافات التي أصبحت اقل انعزالاً بعضها عن بعض ومن ثم توثق الصلة أيضاً بين الثقافة والشخصية.[3]»
هذا عن دور التلفزيون في التنشئة الاجتماعية بصفة عامة للأطفال وقد بدأ الباحثون يهتمون بموضوع محدد من موضوعات التنشئة الاجتماعية وهو تأثير التلفزيون في اكتساب دور النوع (الجنوسه) ويقصد بدور النوع أن كل نوع (ذكر أو أنثى) له دور محدد في الأسرة والمجتمع، وله مهن معينة يزاولها ويقبل المجتمع مزاولته لها وله حقوق وواجبات محددة وله مكانة معينة في الأسرة والمجتمع، والذي يحدد كل هذا المجتمع والثقافة السائدة فيه والذي ينقل كل ذلك إلى أبناء الأسرة، فنحن لا نولد بهذا الدور ولكن نتعلمه ونكتسبه خلال عملية التنشئة الاجتماعية في الأسرة، ويصبح جزءاً من شخصيتنا، ويحدد سلوكنا في المواقف الاجتماعية المختلفة، ولذلك يختلف دور الأنثى-ودور الذكر في الأسرة وفي المجتمع من مجتمع إلى آخر.
فهل التلفزيون له دور في تعليم الأطفال دون تحديد  نوعهم(جنسهم)؟
أوضحت إحدى الدراسات أن مجموعة من البنات في سن من 5 إلى 6 سنوات شاهدن (أفلام كارتون) لا تفّرق بين الذكور والإناث في الدور الاجتماعي، وبعد مشاهدتها أظهرن في سلوكهن مظاهرأقل تمييزاً بين الذكور والإناث. وعند تقييم أحد البرامج المصمّمة لتقليل نمط دور النوع بين الذكور والإناث من الأطفال الذين في سن من 9 إلى 12 سنة، وليوسّع الوعي والاهتمام المهني للبنات في هذه المرحلة العمرية اتضح ما يلي: على الرغم من أن البرنامج كان له تأثير محدود في تعديل نمط الاهتمام الفردي إلا أن المشاهدين من سبع مدن أمريكية أصبحوا أكثر تقبّلاً  واستحساناً للبنات في أدوار غير تقليدية (أدوار كان الذكور يقومون بها عادة) وأصبحوا أقل تنميطاً في إدراكهم لدور النوع. وكان حدوث هذه التأثيرات أكثر يسراً عندما شاهد أفراد عيّنة البحث البرنامج في المدرسة، مع مناقشته في الفصل الدراسي. كما تبين أن 60% من تأثير البرنامج استمرت مع أفراد العيّنة لمدة 9أشهربعد مناقشتهم للبرنامج[4]
   وممّا قدمنا يتضح دور التلفزيون في التنشئة الاجتماعية للأطفال استناداً إلى ما ذكر رائد من رواد نظرية التعلّم الاجتماعي( البرت بنديورا) عام 1977/م حيث قال:
«إنه بازدياد استخدام نماذج رمزية (التلفزيون) فإن دور الوالدين والمدرسين والنماذج التقليدية الأخرى للأدوار، سوف تحتل دوراً أقل أهمية في التعلم الاجتماعي[5]
    وإذا حاولنا أن نستعرض مدى تأثير وسائل الإعلام وخاصة التلفزيون في سلوك الأطفال لوجدنا أن التأثير حيوي وفعال، وبرهنت عليه البحوث العلمية، والملاحظات الخاصة الدقيقة، وذلك في السلوك العدواني، والجوانب المعرفية والتعلّم الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية، وأن فعالية هذا التأثير تزداد عندما تكون ظروف الأسرة تساعد على ذلك. وعندما أيضاً يكون الطفل في مرحلة عمرية تساعد على حدوث مثل هذا التأثير، حيث اتضح أن عمر الطفل عامل هام في حدوث تأثير التلفزيون.
ومن هذه التأثيرات بالطبع تكون المواقف تجاه الحب والمحبة أو الكراهية والبغضاء.
لقد اهتمت أكثر الدول المتقدمة بدراسة تأثير التلفزيون في سلوك الأطفال ولابد للدول العربية، أن تهتم اهتماماً مضاعفاً في تأثير برامجنا العربية ومضمونها في سلوك أطفالنا، ثم، وهذا هو الأهم، أن تهتم بتأثير البرامج الأجنبية في سلوك واتجاهات وقيم وعادات أطفال الأمة خاصة بعد أن اتّضح مدى تأثير التلفزيون في الجوانب المختلفة لسلوك الأطفال وشخصياتهم في الرشد وفي تكوين قيم المجتمع. آخذين بعين الاعتبار حالة الفضاءات المفتوحة، مما يحمّل معدّي البرامج المحلية الإعداد العلمي أولا في اطار من الجاذّبية والتنوّع ثانياً، لضمان القابلية والقدرة على المنافسة معتمدين على أهمية العمل المحلي في جذب اهتمام المشاهد في حال توفّر الدقة والفنية والموضوع الهام بالعمل.    
العنف ضدّ الحب
 ومن المفيد أن ننتقل لنتحدث عن العنف الذي بدأ الحديث عنه بشكل كبير وعن تأثيراته السلبية في الحياة بعامة، بحكم اتصاله بالإرهاب والخيانة والتفكك الاجتماعي والسياسي.
يعدّ العنف احد الأمراض الاجتماعية والسياسية في الوطن العربي والعالم وينتشر بين كل المجتمعات  بمستويات متفاوتة ولقد بقيت ثقافة العنف القاسم المشترك بين عدد من التيارات السياسية العربية سواء الحاكمة أو المعارضة. ونستطيع أن نستثني من هذه التيارات تيار الليبرالية المتنوّرة التي تعتمد الديمقراطية واحترام الآراء المخالفة والتعددية السياسية وتداول السلطة بالوسائل والطرق البرلمانية والقانونية.
    إنّ عمليات القتل التي تتم سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي تريد أن تُثبٍت أنّ العنف السياسي يجب أن يبقى موجوداً في الساحة العربية الإسلامية ويتساءل الناس والباحثون بشكل خاص عمّن تقع المسؤولية؟.
هل على القاتل وحده ؟أم على المجتمع بثقافته القبلية والحزبية والإيديولوجية، التي ترسّخ للبسطاء والمتحمّسين فكرة أن القتل والعنف هو الوسيلة لحل الخلافات السياسية بين أبناء الوطن الواحد وانه طريقة مناسبة للتخلص من الخصوم، وانّ الرصاص الذي ينطلق من مسدسات الشبّان الطائشين والمندفعين ،هو رديف للخطابات والمقالات التي تحضّ وتجرّم وتخوّن وتكفّر الآخر، ولا تحترم الآراء المخالفة.
إن الجميع يؤكّد على أن الحلّ، يكمن في التخلص من ثقافة العنف في جانبه الفكري أولاً, لأن مثل هذه الثقافة التي تنتشر عبر وسائل الاتصال المختلفة وفي الكثير من (الأيديولوجيات )، هي التي تشجّع على استخدام كاتم الصوت لإسكات الصوت الآخر.
وحين نقول كاتم الصوت فإن الأمر ينطبق على الجهتين معاً المرسلة والمستقبلة.
فعل سبيل المثال في موضوع الدولة والمعارضة, فالدولة مسؤولة عن رعاياها ومطالبة بعدم اللجوء إلى العنف في التعامل مع المعارضة كذلك فإن المعارضة مطالبة بتحمل دورها الوطني والأخلاقي في وقف التحريض على الكراهية وعدم تثوير إطاراتها(كوادرها) ضد الآراء المخالفة حتى لا تصبح هذه الإطارات قابلة ومندفعة إلى ارتكاب أحداث شغب بشعة واقتتال ومواجهات كما حدث ويحدث في غالبية بقاع الوطن المختلفة.
إن هيمنة الخطاب اللاحواري السلطوي تعود إلى أسباب كثيرة في التكوين الاجتماعي التربوي للمجتمع والتي ساهم التعصب نتيجة ظروف وانعكاسات وحروب مرّ بها مجتمعنا إلى ترسيخها. و لعب التلفزيون العربي في نقل صورة هذا المجتمع وأحداثه ومآسيه إلى الجمهور عبر شاشته الجذابة، وحملت هذه الصور ترسيخاُ لمفاهيم العنف من اجل التغيير بدلاً من مفاهيم الحب من اجل التغيير.
   وإذا أردنا أن نضرب أمثلة على تلك الحالات نذكر دور الأب في البيت والمعلم في المدرسة والسلطان في الدولة والخطيب في الجامع والمفتي في المجتمع، الأمر الذي يؤدّي إلى انتفاء المعارضة الصريحة الواعية وإلى تكفيرها أو اتهامها باتهامات مختلفة تصل إلى درجة الخيانة (والامثلة باتت كثيرة بعدانتفاضات الحراك الشعبي في اغلب الاقطار العربية)1. مما يوصل إلى نتائج وخيمة لدى الحاكم بحيث تزداد فرديته وأحكامه المطلقة البعيدة عن الدراسة والآراء المتنوعة التي تنعكس على المجتمع سلباً في أغلب الأمور فيتشكل مجتمع معارض، ولكن بشكل معاكس يصاب بالتعصّب عادة فيحدث الخصام والعنف أيضاً الذي يزيد من حدّة الانفعالات ويؤدي إلى انعدام الحوار العقلاني وبالتالي إلى طغيان الأحكام المسبقة والمتسرعة والجازمة والمتعصبة.
والمتعصّب يرى الوقائع من منظار واحد وثابت وبالتالي فإنه يحشر نفسه في أضيق الأنفاق بقوالب جامدة سلبية تؤدي إلى انعدام فاعليته الإيجابية وقدرته على التكيّف والمحبة.
فإذا ذهبنا إلى تبيان عوامل الوقاية من الجريمة ومكافحتها والتي نستطيع تبيان أهم بنودها.
1-           ترسيخ مفهوم احترام الانتماء الوطني للدولة وقوانينها التي تنطبق على الجميع.
2-           تقوية الوعي الخلقي والدخول في عالم تكنولوجيا التهدئة الاجتماعية.
3-           معالجة الأمراض العقلية والنفسية.
4-           توفير الجو الأسري والظروف المعاشية الملائمة.
5-           توسيع دور المدرسة بحيث يخيّم ظلّ عالم التربية على المجتمع المستند إلى قيم المحبة.
6-           الاهتمام بالدراسات التنبؤيّة.
7-           توسيع مهام الإدارات المحلّية.
8-           مواكبة وسائل الإعلام الجماهرية لخطط التهدئة الاجتماعية والتربوية والتنموية، مع التركيز على دور المثقفين الاختصاصيين في قيادة العمل الإعلامي.
إن ترك المشكلة بدون معالجة ستؤدي إلى استفحال ظواهر التعبئة الإيديولوجية التي تحمي التعصب وتغذّية وترسم في الأذهان صورة للآخر بمثابة شيطان يستحق العقاب من غير أي رحمة، وتمنح  المجال واسعاً  لتطوير استراتيجيات التكيّف مع الوضع المتأزم،الامر الذي سيؤد
الى خلق حالة من التعايش معه وإطالة مدة النزاع بشكله العفوي.
    ويبقى التساؤل قائماً هل هناك إمكانية لإعادة بناء النسيج الاجتماعي الوطني القائم على المحبة أمام محاولات محو الذاكرة الجماعية المشتركة للمجتمعات التي دخلتها جرثومة العنف؟, وهل هناك إمكانية أمام تطوير استراتيجيات الدفاع الفئوي والاستعانة بالخارج؟.
  لقد دخلت مجتمعات عديدة في مثل هذه التجارب واعتقد انه من المفيد الخوض في هذه التجارب ووضعها موضع الدراسة والتحليل والاستخلاص سواء تجارب المجتمعات الأوربية أو المجتمعات العربية الإسلامية.
إن أول هذه الأمور هو فتح مجال الممارسة الاختيارية التي تفتح دروب المشاركة في الشأن العام مثل المساهمة في نشاط جمعيات المجتمع المدني الجماعي والرياضي وإعادة تأهيل البيئة الطبيعية ومنظمات الصحة والمساعدة العامة وبرامج حماية التراث وترسيخ قيم ومفاهيم الحب والمحبة بعمق وعلمية.
    لقد توصل عالم الاجتماع الفرنسي بول رابينوف إلى مجموعة عوامل سماها (تكنولوجيا التهدئة الاجتماعية)  ارتكز عليها في تحليله لتاريخ فرنسا الثقافي بين 1830-1930م.
  وإضافة إلى نشاط الجمعيات الأهلية وتسليط الضوء عليها وعلى برامجها والمشاركات الشعبية منها بدون تزويق أو تحوير.نعطي لوسائل
 الاتصال الجماهيرية دورا كبيرا في تقديم صور للحياة العامة ببساطتها بعيدة عن شكلها الدرامي، بالإضافة إلى استخدام وسائل الاتصال ولاسيما  التلفزيون في تقديم برامج تعليمية مفتوحة تستند إلى مناهج تعليمية موحّدة وفق أفق تربوي وتعليمي واضح يشكل الحب أو المحبة أساس قيَمِة ومنطلَقِة. وحين نقول :ان الحب يجب أن يشكل أساس قيَمِة فإننا في ذلك لا نبتعد عن عقائدنا وطموحاتنا في حياةٍ ومحيطٍ أفضل, فالإسلام قد لم يستخدم كلمة الحب بوفرة في أحاديثه لأنه ركّز على حقيقة الحب كممارسة ناضجة في الحياة اليومية فالحب الذي يعدّ الحل الوحيد أمام الإنسان ليخرج من سجن الذات إلى اتساع الكون ورحابة المجتمع هو في أعمق مفاهيمه جزء من أصول الإديان وقواعدها. 
إن حبّ الله هو مصدر للأمان، موصول بحبّ الرسل  ناشرِي مبادئ الخير، وحبِّ الكون كله، وحبِّ الإنسان والإنسانية وحبِّ الحيوان وضروراته والنبات وفوائده والخلائق والطبيعة كلّها.
ولعلنا في برامجنا الدينية التي تبثّ عبر الفضائيات التلفزيونية وعبر المواقع الالكترونية نستطيع أن نرسّخ هذه الحقيقة حول الحب فنخفّف من بغضائنا للآخر وننمّي قيمة التكوين في تكويننا المجتمعي العام.
كما ولعلنا نستطيع أن نصل إلى نظرية (اريك فروم) حول فلسفة الحب والتي ناقض فيها (فرويد) مركّزاً على أن الأصل في الحب هو كيف نحن نحب.
فالحبّ هو فعل ذاتي من الداخل إلى الآخرين وهذا ما أراه مهمّة صنّاع الإعلام الاجتماعي والتربوي والعام.
 انّ برامجنا الدرامية والكوميدية والفنية والسياسية والثقافية والأطفال  لابد أن تنطلق من روحيّة المحبّة. وعندها تصل إلى نتائج رحبة واسعة.
والسلام
د.أحمد حلواني
مدير عام المركز العربي للدراسات المستقبلية 
استاذ جامعي سوري 
عضو اللجنة التنفيذية للجمعية العربية للعلوم السياسية 
دمشق – سورية
البريد الإلكتروني:

المراجع:
-      د.ليلى داوود – الشخصية – مطبوعات جامعة دمشق 2002م.
-      د.احمد الخشاب – د.احمد النكلاوي – المدخل السوسيولوجي للإعلام. الاسكندرية: دار الكتب الجامعية. (بدون تاريخ).
-      د.سيد خيري. النمو الجسمي في مرحلة الطفولة. عالم الفكر. المجلد السابع. العدد الثالث 1976. ص13-50.
-      د.سيد غنيم. النمو النفسي من الطفل إلى الراشد. عالم الفكر المجلد السابع. العدد الثالث. 1976. ص51-114.
-      دليور شرام. ترجمة محمد فتحي- أجهزة الإعلام والتنمية الوطنية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر 1970.
-      د.عبد الرحمن العيسوي. النمو الروحي والخلقي والتنشئة الاجتماعية في مرحلتي الطفولة والمراهقة. عالم الفكر. المجلد السابع. العدد الثالث. 1976. ص174-190.
-        Bandura, A.Aggression:Asacial Learning analysis. New Gersey; prentice-Hall. 1973.
-        Liebert, R. et al. The Early Window: Effects of Television on Children and youth. New York: pergamon press.1973.
-        Chuck. Spezzano: 50 ways to change your Mind. New York Free press.1999.



[1] شاك سبيزانو باحث في قضايا الحب من هاواي في الولايات المتحدة يعد احد المرشدين العالميين لتعلم الحب.
[2] Himmelwiet, H. et al. Television and the child. In: Berleson, B.& Gavowity, M. Readar in Bublic Opinion and Comrnunication. Newyork Free Press.pp. 418-448.
[3] لازارس. (ترجمة دكتور سعيد غميم). الشخصية. القاهرة:دار الشروق 1981
[4] Roberts, D.& Bachen, C.Mass Communication Effects. Aumual Raview of psychoiogy. V.32, 1981, pp. 307-356.
[5] Bandura, A. Socıal Learnıng Theory: New Gersey: Prentice – Hall. 1971.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق