بقلم د. أحمد حلواني
يعيش
المجتمع العربي والإسلامي مرحلة مليئة بالحراك الاجتماعي والفكري والسياسي متعرضاً
لتأثيرات وتيارات آيديولوجية
مختلفة تحت عناوين متعددة
بغطاءات تتركز على أهمية مسايرة متطلبات التطوّر والتغيّر وظروف الحداثة والمعاصرة.وعدم
التوقف والجمود عند الماضي، والبكاء على الأطلال.
الأمر
الذي أوجد حالات من البلبلة والتشويش أفضت إلى حراك غير مستقر واختلافات في الرؤى
والاجتهاد بالرغم من أن أواصر الاتفاق أو القاعدة الأساسية التي يستند عليها
المجتمع العربي الإسلامي تستند في كليتها إلى الفكر الإسلامي المستند على القرآن
والسنة وعلى الثقافة العربية ذات اللغة الواحدة الأُم وهي لغة القرآن الكريم التي
منها أُبدعت الأجناس الأدبية العربية الخالدة وما تزال تطوّر
إبداعاتها في مختلف الميادين والأجناس،وإلى التقاليد الجامعة في النجدة وإغاثة
الملهوف والتآخي والمساواة( لافرق لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى) والآية الكريمة( إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) وإنا خلقناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
وفي
هذا السياق ومن أجل ترسيخ وحدة الهدف وتأكيد المرجعية الأساسية للتكوين المجتمعي،
ومع محاولة استعادة حالة النهوض تتجدّد الدعوات والمؤتمرات العلمية والأبحاث
لدراسة العوامل المؤسّسة والمساعدة لتكون ركناً أساسياً للإنطلاق نحو حركة نهضويّة
تجديدية تحقّق الأهداف السامية للحقيقة الإسلامية من جهة، ولطموحات المسلمين في
المشاركة ببناء حياة حضاريّة معاصرة تعطي لأبنائها وللإنسانية جمعاء الهناءة
والتطوّر والعيش الحر والسلام من جهة أخرى.
وقد دعا عددٌ كبير من
المتنورين إلى تأسيس عوامل هذه النهضة مجتهدين في طرح جملة من المحاور والعناوين
تتركّز حول الإصلاح والإجتهاد والتفاهم والتسامح والإعتراف بالآخر
وكانت أبرز
العناوين المطروحة:.
1ـ هل
ظهرت حركات إصلاحية منظّمة
للحفاظ على أصالة الأمة وحماية المجتمع من عوامل الهدم والاستلاب الفكري والروحي؟
أم أن الأمر اقتصر على مفكرين ودعاة إصلاحيين متنورين استطاعوا أن يستقطبوا عدداً
كبيراً من المؤيدين لهم؟
2ـ هل
استطاع الإصلاحيون ومؤيدوهم من تحقيق تواصل وترابط بطبقات المجتمع المختلفة؟
3ـ هل تركّزت الدعوات الإصلاحية على التصدي للتيارات العلمانية والفلسفة
اليسارية والحركات التبشيرية الغربية؟
4ـ هل شكّلت الدعوات الإصلاحية في العالم الإسلامي بعثاً روحياً وبناءاً فكرياً وحضارياً للمسلمين في ظل ما يشهده العالم من تحوّلات فكرية واجتماعية وعلمية؟
وبالرغم
من أن الأبحاث والدراسات التي كتبت حول
النقاط المذكورة تراوحت بين عرض تاريخي لمكونات
نشوء الحضارة العربية الإسلامية واجتهادات
تستند الى التراث الإسلامي
واستحضار أفكار الإصلاحيين في بعض الأقاليم الإسلامية فإن الكثير منها حاول إيجاد
حلقة تواصل بين هذه الأفكار الإصلاحية وبين الواقع العربي والإسلامي المعاصر
وأهمية استمرار الحيوية الإصلاحية في جسد الأمة محافظة على ديمومة العقل الحضاري
الإسلامي وفق رسالته التجديدية الخالدة ورسالته الإنسانية السمحة.
أما
الباحثون المستشرقون من البلدان الغربية ، فقد كانت دراساتهم
متأرجحة بين حيادية غنية ومفيدة قدمت
توضيحاً للنظرة الاستشراقية تجاه الفكر الإصلاحي عند المسلمين، أو عدائية
منحازة بفكر صليبي واضح.
وبالرغم من أن غالبية وجهات النظر الاستشراقية
التي قُدّمت عُدّت ناقصة في شمولية الفهم الإسلامي،
فقد قوبلت من المتابعين بالعرفان في الاهتمام بالثقافة العربية والإسلامية ونوقشت في غالب
الأحيان بكثير من الحرية والعلمية في إطار
قبول فكرة الحوار مع الآخر مع تركّز
الاختلاف في أن غالبية المستشرقين اعتبروا الفكر الإصلاحي الإسلامي هو في مدى قربه
من الفكر الغربي وتبنيه للعلمانية !.
كماأبدى الكثير اعتراضهم على إهمال فكر مؤسسات إصلاحية ظهرت في ا لبلدان
العربية والإسلامية وكان لها آثارها
الكبيرة في العملية الإصلاحية في كثير
من المواضع،
كالأزهر والزيتونة والقرويين ومنظمة المؤتمر الإسلامي إضافة الى كليات
الشريعة والدراسات الإسلامية في الجامعات والمعاهد، مع مراكز الأبحاث والدراسات
المتخصصة وإلى الملتقيات والمؤتمرات والجوائز التي تخصص للدراسات الإسلامية
المبتكرة وغيرها.
في حين تركزت دراسات كثيرة
أخرى عن الفكر الإصلاحي عند علماء الإسلام في البلاد الإسلامية ، و اضطلاع علمائها بدور أساسي وطليعي في حركة النهضة المعاصرة لمواجهة التخلّف والاستبداد مع العمل على نشوء تيار يطالب بالتطوير والعصرنة، للوقوف ضد آيديولوجيات متنوعة بين يسارية ماركسية وليبرالية تتماشى مع
الفكر القومي الأوروبي أيضاً إضافة إلى تيارات تدعو إلى الإحياء الإسلامي في إطار
استعادة الدور الذي اضطلع به الإسلام تاريخياً مركزين على أن مستقبل الأمة مرهون
باستعادة الماضي.
مع بروز علماء طرحوا بجدية وشجاعة فكرة الموازنة
بين الإحياء الإسلامي ومواكبة التطوّر
الحضاري العالمي ضمن ثقافة قبول التغيّر ومواكبة المستجدات
العلمية دون التخلي عن القيم الأساسية،الأمر
الذي شكّل نقطة مضيئة في الجهد الإصلاحي جذب الكثير لتبنيه والسير بمفاهيمه.
وقد يكون من المفيد استعادة خلاصة لملتقى في هذا
الميدان أقامه المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر كنموذج. جاء فيه:
ـ وبعد
الاستماع إلى البحوث التي قدمها السادة العلماء من الجزائر، ومن الدول الشقيقة
والصديقة والتي صاحبتها مناقشاتٌ مثمرة ومعمّقة في موضوع الإصلاح والاجتهاد في الإسلام.
ـ وإذ
ننوّه بأهمية هذا الموضوع وأثره في حياة الأمة الإسلامية وتطوّرها.
ـ
وبالنظر إلى ما يعيشه العالم بعامة، والعالم العربي والإسلامي بخاصة من متغيرات
عميقة، ومتسارعة.
ـ
واعتماداً على ما يتضمنه الإسلام من قيم ومقومات روحية وإنسانية، وحضارية، يستطيع
بفضلها مواكبة مستجدات الحضارة العالمية.
ـ
واستجابة لما تتطلبه المرحلة الراهنة من إعداد للمجتمع الإسلامي على اختلاف فئاته
كيما يستطيع حماية نفسه من التيارات الهدامة، وفي الوقت نفسه يسهم في بناء الحضارة
الإنسانية.
ـ وإذ
نعتقد أن تجسيد هذه الرؤى المستقبلية التي عبّر عنها المتدخلون في الملتقى لا يتم تحقيقها إلا بالإصلاح
والاجتهاد.
وبالنظر
إلى ما تقدم ذكره، فإنّنا نوصي بما يأتي:
1. ترقية الاجتهاد بحيث يتجسد فيه مبدأ: الإسلام
صالح لكل زمان ومكان، وذلك بمراعاة تضافر العلوم في تأسيس المنهج الاجتهادي.
2. تنظيم الندوات واللقاءات بين العلماء المسلمين
لتدارس القضايا الاجتهادية، والنوازل المستجدة.
3. مراعاة سنة الاختلاف وإعادة الاعتبار
لمبدأ الأدبيات بين العلماء.
4. ضرورة مراعاة الضوابط الفقهية المعتمدة
عند العلماء في مجال الاجتهاد.
5. توثيق الصلة بين فقهاء الأمة ومجامع
فقهها، وصولاً إلى اتحاد المجامع.
6.
إصلاح المنظومة التعليمية وتطوير مناهجها، بما يتوافق وروح
الإصلاح للنهوض بالمجتمعات الإسلامية.
7. أالحدّ من ظاهرة إصدار الفتاوى التي تكرّس الاختلاف بين المسلمين.
8. الاستفادة من المشاريع الإصلاحية
وتوظيفها في النهوض بالمجتمعات الإسلامية
لقد
أكد المتنورون
في المجتمع العربي والإسلامي من خلال جهودهم في
أبحاث هامة في حياة المسلمين في واقعهم
الحالي ومن خلال مشاركاتهم لبناء مجتمع دولهم بشكل معاصر إضافة إلى مشاركاتهم
كجاليات ومواطنين مخلصين في دول العالم، أكّدوا إخلاصهم لدورهم الإيجابي في فتح مجالات مناقشة المواضيع الساخنة للوصول إلى
الطرق الصحيحة والآمنة في إطار الحوار الحر والمنظم، لما تتطلبه المرحلة الراهنة اعتماداً على القيم الإسلامية ومقوّماتها الروحية الإنسانية والحضارية بعيداً عن التعصّب الأعمى الذي ينتجه الانغلاقيون
بأفكارهم الأحادية و الأنانية، وهو ما يدلّل على الأهداف السامية التي يمكن أن يضطلع بها ا العلماء ومثقفوا الأمة تجاه مجتمعهم والحضارة الإنسانية انطلاقاً من الآمال الكبيرة والطموحات التي علّقها
أبناء الأمة منذ مواجهة الإستعمار الغربي وتحقيق استقلال بلدانهم
الذي عدّ ناجزاً على
طريق السيادة والبناء الحضاري المتجّدد والمعاصر.
أحمد حلواني
. أستاذ
جامعي سوري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق