الأحد، 16 ديسمبر 2018

من أعلام بلاد الشام المغيّبين - الدكتور شكري فيصل


          
                                                   فادية المليح حلواني*
          
   الجديث عن أعلام بلاد الشام فيه الكثير من الشؤون والشجون، ففي الشؤون ميادين كثيرة وواسعة في  الفكر واللغة ولسانياتها والإسلاميات  بفقهها ومذاهبها وتفسير قرآنها المجيد، وفي العلوم وتخصصاتها وفي التجارة و أنواعها والصناعة ولاسيما النسيجي منها ومطرزاتها والتربية والتعليم إضافة إلى العربية  وآدابها شعرا ونثرا بيانا وإعجازا وإلى الفنون نغما وتوشيحا وتشكيلا.
  وفي الشجون تغييب وتجاوز وإهمال لتعصّب ايديولوجي وتسلّط وانحياز مع حسدٍ( وضيقة عين،) كما يقولون! نتيجة انقلابات عسكريّة تتبنى مفاهيم وتوجّهات مغلقة لاتقبل راياً مخالفا بل تعمل على اقصاء صاحبه والغائه أو اعتقاله في أحيان كثيرة بتهم ملفقة .
   تأسس المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1919م وضم عشرين عضوا من نخب بلاد الشام المتخصصين في جميع ميادين الحياة ونهضتها ولاسيما في الميادين اللغوية و التعريب ،فدّموا عطاءات علميّة وفكريّة ماتزال تعتمد عليها المجامع العلمية العربية كفاعدة أساسية في برامجها وكذلك الجامعات في تعريبها للعلوم ووضع المصطلحات الجديدة مواكبة للتطوّر بالنحت والإشتقاق والتعريب ، وقد سُمي اعضاء المجمع بالخالدين ، لكن غالبيتهم غيّب واختفت أسماؤهم بالرغم من انتشار انتاجهم وعطاءاتهم الفكرية وتحقيقاتهم لأ هم وأكبر المخطوطات والموسوعات ولاسيما التي كانت تضمها المكتبة الظاهرية بدمشق ذات التاريخ العريق.
   من الأعلام( المغيّبين) واعضاء المجمع الخالدين، نقف عند الدكتور شكري فيصل.
   
   ولد شكري عمر فيصل بدمشق عام 1918م وتلقى علومه على يدي الشيخين الكبيرين أبي الخير الميداني ومحمد سليم حلواني وانتسب ألى مكتب عنبر وحصل منه على الثانوية العامة(البكالوريا) وأكمل دراسته الجامعية فنال شهادتي الإجازة ( الليسانس) في الآداب من جامعة القاهرة، والحقوق من جامعة دمشق على التوالي وعمل في لجنة برامج التعليم بوزارة المعارف السورية ثم أوفد الى القاهرة حيث نال  دبلوم معهد اللهجات العربية ودرجة الدكتوراة في الآداب من جامعة القاهرة بإشراف الأستاذ أمين الخولي عن رسالته في مناهج الدراسة الأدبية عام 1951م بعد مناقشة غنية ومثيرة دافع فيها عن وجهة نظر خالف فيها مشرفه في نزعته الإقليمية المصرية بشدّتها وعنفوانها ،وذلك بحسن تخلّصه من شرك المخالفة، وبفضل سحر بيانه الذي يأسر ولا يُحرج والذي يخالف ولايؤذي وينشىء جديدا ولا يتبجح (وفق محمد مطيع الحافظ أحد تلامذته) بحيث ينطبق عليه القول :
( إن من البيان لسحرا). مع شرحه الموثّق في أهمية انتشار الإنتاج الثقافي للنخب المصرية في الأقطار العربية ،وهو مايُلغي النزعة الإقليمية ويؤكد المشاركة بين ابناء الأقطار العربية كشعب واحد   تجمعة اللغة  الواحدة بمضامينها وفلسفتها الواسعة وبعدها الإنساني، في الوقت الذي يرسّخ مكانة مصر في الحياة العربية بجميع ميادينها.
  عُيّن بعدها استاذاً مساعداً في كلية الآداب بجامعة دمشق بتاريخ 1952م إضافة إلى عمله في لجنة البرامج التربيوية والتعليمية وترفع الى درجة الأستاذية في عام 1957م.وعرف خلالها بعنايته البالغة في العملية التدريسية ومحبّة طلاّبه ورعايته العلمية لهم، مقابل حرصهم على حضور دروسه وامتلاء قاعة التدريس لسماعه بلغته البليغة ومضامينها الجديدة والعميقة وجمالية أدائه وفتحه مجال الأسئلة والمناقشة بحرية كبيرة.
     من مؤلفاته
     ـــــــــــــــــ
  كانت الكتابة تأليفا وتحقيقا بعد بحث ودراسة وتمحيص عميق هي ديدنه الأول ولذلك قال عنه الشيخ  المحدّث علي الطنطاوي، مع ملاحظة الخلاف في التوجه السياسي بينهما  :( كان شكري فيصل عصامياً، خاض لُجة الحياة قبل ان يستكمل عدّة خوضها، وجرّب الطيران صغيرا قبل أن ينبت ريش جناحيه، فما زال يضرب بهما يقوم ويقعد ، ويرتفع ويقع، حتى قوي الجناحان، وامتدّت قوادمهما، وقويت خوافيهما فعلا وحلّق)
     1ـ
   الفنون الأدبية .
  2ـمناهج الدراسة الأدبية، وهو رسالة الدكتوراة مع إضافات وهوامش توضيحية، وقد طبع الكتاب اكثر من عشر طبعات
       3ـ المجتمعات الإسلامية في القرن الأول الهجري
4ـ حركة الفتح الإسلامي
5ـ تطوّر الغزل بين الجاهلية والإسلام.
% إضافة إلى مقالات وابحاث نشرها في الرسالة والثقافة ومجلة المجمع ، مع أحاديث إذاعية وبرنامج أسبوعي في إذاعة دمشق بعنوان :( في المكتبة الظاهرية) قدّمه بالتعاون مع الإعلامي د. احمد حلواني استعرضا فيه أهم مكتنزات المكتبة من مخطوطات تراثية ، وقد استمر البرنامج لأكثر من دور’ة إذاعية ولقي تجاوبا كبيرا من مستمعي الإذاعة .
  وبعد انتخابه عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق تمت تسميته باجماع أعضاء المجمع أمينا عاما له وكلّف بالإشراف عل تحقيق موسوعة تاريخ مدينة دمشق لإبن عساكر وطباعتها وحقق بعض اجزائها كما قام بتدريب عدد من المؤرخين والباحثين على طريقة التحقيق كان من أبرزهم واكثرهم انتاجا في الموسوعة المذكورة المؤرخة والباحثة سكينة الشهابي. 
  في كتاباته كان يعالج النصوص معالجة دقيقة وعميقة فينفح فيها الحياة، ناثرها من بطون الكتب والدواوين امام قرائه وطلاّبه لامعة كجوهرة مصقولة، يقف عند المعاني طارحا اسئلةيستخلصها بتعمّق وحنكة يشيران إلى معايشته لأجواء النص من جهة وإلى أفكار قرائه وطلبته فاسحا المجال رحبا للإجابة عبر نقاش حي أو مفترض مبرزا جماليات النص وفنونه المتنوعة مراعيا أجواء الكاتب ومفاهيم عصره ومؤثّراتها، ممايجعل القارىء او الطالب والمستمع متخيلا الكاتب  واجواء نصّه بعينييه مباشرة بمعايشة  ومحاولة تقرّب واستزادة أو نقد ومحاورة.
  يقول الدكتور عدنان الخطيب في كتاب أصدره مجمع اللغة العربية عام1985م بعنوان: ـــ الدكتور شكري فيصل وصداقة خمسين عاماـــ:
 كان شكري فيصل أديباً موهوباً، وناقدا قوي العارضة،  بالغ الحجة، واضح التعبير، سهل المفردات.
ومن أهم الآثار الي سجّلها في النقد الأدبي وأروعها دراسته للنقد الأدبي عند طه حسين، فقد أوفى أستاذه الكبير حقه من الثناء والإشادة بما أضفاه على تاريخ الأدب العربي ، وغاص وراء الدوافع الذاتية عند عميد الأدب العربي وحلّل اتجاهاته الفكرية مبيّناً السليم منها والمشبوه عليه، مشيرا إلى مارجع فيه إلى الحق وما ظلّ مكابراً عليه.مقرراً أن هذه المقدّمات عن طه حسين  (  أصدرتها دار العلم للملايين في بيروت عام 1980م ضمن كتاب ـ كتب ومؤلفون)تؤلّف جزءاً من تراث الأستاذ العميد وأنها تؤلّف مصدرا من مصادر دراسته والتعرّف اليه واستكناه خصائص اسلوبه المميّز.
  وفي هذا المجال لايسعني تجاوز مقدماته الثرية لكثير من الدواوين الشعرية والكتب الأدبية والتاريخية التي أثرت كل كتاب قدّمه توضيحا ونقدا واضافات. ومنها:
   مقدمته لديوان شاعر الشام شفيق جبري .
   مقدمته لكتاب طه حسين تقليد وتجديد.
    مقدمته الكبيرة لموسوعة تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر.
  
   ولشعوره بتغيّر الأحوال وعدم قبول الرأي الآخر وتدني الأهتمام بالثقافة والمثقفين وانتشار الفساد الوظيفي والتعليمي ، انتقل للعمل أستاذا للدراسات العليا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حيث حظي بمكانة وسمعة عالية تقدّر علمه وإخلاصه وسمو أخلاقه
  و.كان آخر ما خطّه مقدمته لكتاب تاريخ علماء الشام في القرن الرابع الهجري من تأليف محمد مطيع الحافظ ونزار أباظة.حيث توقّف قلمه وجفّ مداده ورقد جثمانه بعد توقف قلبه اُثناء عمل جراحي في مشافي سويسرا ورقد جثمانه في البقيع بالمدينة المنورة.  ومما كتب الدكتور محي الدين صابر المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في عزائه:
تلقيت بأسى وحزن نبأ وفاة المرحوم الأستاذ شكري فيصل أحد رموز الثقافة العربية ودعائمها.
 ومن برقية وزير الشؤون الثقافية التونسية البشير بن سلامة :
في الوقت الذي كنا نهيىء لقدوم العلاّمة الكبير الأستاذ الدكتور شكري فيصل عضو مجمعكم الموقر وعضو المجلس العلمي للمؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات ـ بيت الحكمةـ بتونس ،جاءنا نبأ نعي الصديق العزيز ليجمّد في أفئدتنا         حرارة لقاء انتظرناه بفارغ الصبر، لقد عرفناه باحثا مجتهداً وعالما نافعا وقد استفادت مؤسستنا الكثير من علم الفقيد ومن كريم نصحه.
                


                                    د. فادية المليح حلواني
         
                                                   أستاذة جامعية سورية*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق