الأحد، 16 ديسمبر 2018

أمن البحر المتوسط والآفاق المستقبلية من وجهة النظر العربية


د.أحمد حلواني



شكّل البحر المتوسط مجالاً حيوياً هاماً في قلب العالم القديم واخذ اسمه من موقعه المتوسط بين قارات العالم القديم الثلاث والهام بالمفهوم الاستراتيجي بمعناه الشامل كمجال للنقل والانتقال والتواصل وبالتالي كمجال للحروب والهجمات والقرصنة البحرية أيضاً إضافة إلى مجاله البيئي وثرواته السمكية والطبيعية.
كما شكّل البحر المتوسط للعالم العربي الإسلامي أهمية استراتيجة خلال القرن الهجري الأول مع نشوء الدولة العربية الإسلامية الموافق لبدايات القرن الثامن الميلادي واطلقوا عليه اسم البحر الشامي بديلا عن بحر الروم ولقد انتبه القادة العسكريون المسلمون إلى  أهميتة الإستراتيجية فأسسوا خمسة أساطيل حربية لهذه الغاية وهي:
1- أسطول الشام في اللاذقية على الساحل الشرقي للمتوسط.
2- أسطول افريقية ومركزه القيروان في ولاية افريقية (تونس)
3- أسطول مصر الكنانة ومركزه الإسكندرية 
4- أسطول النيل ومركزه في بابليون (السويس حالياً)
كما شكلوا أسطولا آخر لحراسة مداخل النيل في الدلتا منعاً لنزول الروم على الساحل.
والمعروف أن هذه الأساطيل كانت تقابل أساطيل الإمبراطورية الرومانية بقسميها وساهمت جميع هذه الأساطيل في الحصار الثاني على القسطنطينية. 
وقد اندمجت فيما بعد هذه الأساطيل تحت قيادة واحدة للبحرية العربية الإسلامية في إطار تطوّر دور البحرية في ضمان أمن الدولة الإسلامية, وشكلت أسطولين هما.
1- أسطول البحر المتوسط
2- أسطول المحيط الهندي
في الجانب الجغرافي: 1- تبلغ مساحته 2,500,000 كم مربع .2- أما طول سواحله  فتبلغ  3700 كم وعرض البحر 1930 كم. وتعدد خلجانه وتداخلاته مع بحار تتعمق في داخل القارة الأوربية يساعد في تمركزه ونشاط وحماية السفن والأساطيل البحرية المتواجدة فيه، إضافة إلى اتصاله بالمحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق الفاصل بين شبه الجزيرة الإيبيرية والمغرب العربي، ومع البحر الأسود عبر الدردنيل وبحر ايجة والبوسفور بين شقي استانبول الآسيوي والأوربي، ومع البحر الأحمر وما يليه عبر قناة السويس 
2-انتشار عدد كبير من الجزر  يبلغ عددها 158 جزيرة ذات الموقع الاستراتيجي من حيث مواقعها وتباعدها الجغرافي عن بعضها بحيث يجعلها قابلة للتحكم بمسار السفن والأحواض والمضائق والممرات والقدرة على المراقبة والتفتيش وهذه الجزر هي: قبرص_ مالطا – كريت- صقلية- سردينيا- كورسيسكا . ( مستبعدين الجزر الصغيرة التي تقع قبالة سواحل بعض الدول المتوسطية وتدخل ضمن مياهها الإقليمية)كجزيرة أرواد السورية وجزيرة ليلى المغربية وجربة في الجانب العربي وكريت وسردينيا ومايوركا في الجانب الأوربي وغيرها.
3- الحالة المناخية لمنطقة المتوسط تساعد جميع الصنوف البحرية على القيام بعملها بشكل ملائم.
كما وفرت الدراسات المناخية الحديثة مساعدة كبيرة في معرفة الظروف المناخية للبحر المتوسط والأوقات الملائمة لحركة السفن والأساطيل والتوقعات المناخية المستقبلية.
في الجانب الاستراتيجي على ضوء الصراعات الدولية المعاصرة:
   1_ يربط القادة العسكريون الأوربيون الأمن القومي والعسكري الأوربي بالبحر المتوسط ويؤكدون أن تضافر عوامل التفجير والنزاعات التي تشهدها منطقة المتوسط ستشكل حروباً مقبلة يصعب لجم آثارها على أوربا كلها محددين الصعوبات الاقتصادية والمستوى المعاشي المنخفض ونقص المياه والتعصّب الديني في جانبيه الغربي المسيحي المدعوم من اليهودية الصهيونية والإسلامي. إضافة إلى الهجرة الإفريقية إلى أوربا عبر المتوسط والمسماة بالهجرة غير الشرعية عبر ليبيا وتونس والمغرب.
هذه الصعوبات والنزاعات تدعو الغرب الأوربي من وجهة نظره إلى تسويغ إحكامه للسيطرة الكافية على منطقة المتوسط كلها.
وهو التوجه نفسه الذي تلتزم الولايات المتحدة به عبر حلف الأطلسي.
حيث يعبر عن ذلك احد القادة العسكريين لحلف الأطلسي بقوله : (إن خط الجبهة الذي تلتزم الولايات المتحدة  به من أجل الأمن الأوربي يمتد إلى البحر المتوسط وما بعده).
2- إن الوضع الاقتصادي لمنطقة المتوسط وإمكاناتها من حيث ترابطها الجغرافي تمثل أهمية إستراتيجية في الاقتصاد العالمي.
3- البحر المتوسط يشكل مدخلاً لمنطقة الخليج العربي بما في ذلك إيران ذات الثروة النفطية الهامة للدول الكبرى في العالم حيث كانت قبل العقوبات عليها تؤمن لأمريكا 12% ولاوربا60 % ولليابان 75% وأصبحت حالياً تؤمن للصين نسبة عالية جداً من احتياجاتها النفطية بسبب عدم تطبيق الصين للعقوبات.
لذلك تستعين هذه الدول بجميع اذرع التحكم ومن ضمنها الاقتصادية والسياسية والعسكرية وهذا يتطلب تواجداً عسكرياً – (بحرياً بشكل خاص)- دائماً في منطقة الخليج أما قواعد إمداده وتأمينه وقيادته فهي ما زالت في البحر المتوسط مما يضطر الدول والحكومات المطلة على حوض المتوسط إلى امتلاك قوات بحرية كافية لتامين أمنها وسلامة أراضيها الأمر الذي يؤكد الأهمية الإستراتيجية للبحر المتوسط.
4- إن التناقض الذي نتج عن تضارب المصالح في البحر المتوسط وخاصة الحوض الشرقي منه قد يصبح سبباً في المستقبل لنزاعات عسكرية أو حروب محلية.
5- إن كثافة المواصلات البحرية عبر المتوسط بين القارات الثلاث بالإضافة إلى عقدة الممرات الجوية المتوضعة في أجوائه وتواجد شبكة الطرق البرية على سواحله مروراً بحدود الدول المطلة عليه يعطيه أهمية إستراتيجية أخرى كون هذه المعابر تمثل مجالاً هاماً في التعاون الدولي بين دول أوربا واسيا وإفريقيا.
6- إن الدول المتوضعة على الساحل الشرقي والجنوبي للمتوسط وما يقع خلفها تعدّ أسواقاً هامة للمنتجات الاستهلاكية من الدول الصناعية في العالم. إضافة إلى أنها أسواق للأسلحة والمعدات الحربية مما يدخل مصالح الشركات الصناعية الكبرى في العالم ذات التأثير الكبير على السياسات والاستراتيجيات العسكرية ويدفعها إلى التدخل في شؤون المنطقة.
7- إن النزاعات والتناقضات السياسية والحدودية بين دول المنطقة المستمرة قد يدفع ليس إلى العنف المسلح بين دول المنطقة فحسب, بل إلى اشتراك دول أخرى من العالم التي تقف مع هذا الطرف أو ذاك, لذلك إن الولايات المتحدة تعزز تواجدها وخاصة البحري من خلال الأسطول السادس والتشكيل البحري الدائم لحلف الأطلسي والقواعد العسكرية والجوية وتساعد على تعزيز القدرات البحرية لإسرائيل كحليف أساسي والأكثر ارتباطاً بإستراتيجيتها البحرية في المتوسط. <والعدوان الثلاثي على مصر  مثال صارخ على ذلك).
8- إن الطبيعة الجغرافية للمتوسط وما يشمله من مضائق محمية, وجزر ذات مواقع إستراتيجية تسمح بالتحكم كما ذكرنا آنفاً والسيطرة على التجارة العالمية والتحركات العسكرية, تشكل باستمرار شعلة ديمومة الانفجار والصراع على النفوذ وهو ما أكدته مسارات الحربين العالميتين الأولى والثانية إضافة إلى مسار الحرب الباردة والتي أظهرتها الأحداث السورية الأخيرة في الحرص الروسي على قاعدة طرطوس البحرية وتوسّعها.
9- إن وجود مجمّعات صناعية وسياحية وتجارية كبيرة على شواطئ الدول المطلة على المتوسط. إضافة إلى مصافي النفط يحتّم ضرورة تأمين حمايتها من الأخطار ضمن خطط الأمن القومي لهذه الدول وقد ارتكز البحر المتوسط كمسرح آمن للعمليات العسكرية في التاريخ المعاصر من خلال أمثلة وعمليات كثيرة فلقد كان الإنزال الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية إبان عملية (تورش) في الشمال الإفريقي بتاريخ 8/11/1942 وتبعته انزالات للحلفاء في صقلية وسالوم كبداية للهجوم على ايطاليا إحدى دول المحور. إضافة إلى الهجوم على بروفاز التي قادتها الولايات المتحدة فحلت محل بريطانية كقوة عسكرية في منطقة المتوسط والتي أصبحت حامية للوجود الإسرائيلي في فلسطين المحتلة. الأمر الذي افرز إستراتيجية عسكرية متخصصة في منطقة المتوسط بالنسبة للولايات المتحدة وللدول العظمى الأخرى فتشكلت بذلك مجالات تخصّص مستقلة في الإستراتيجية العسكرية البحرية بمفردات وعلوم متخصصة تحمل أهدافاً وأشكالاً مدروسة ومن هذه الإستراتيجية نستطيع التوقف عند أهمها وهي:
1- الإستراتيجية البحرية الأمريكية .
2- الإستراتيجية البحرية الروسية والسوفيتيه (سابقاً).
3- الإستراتيجية البحرية الايطالية.
4- الإستراتيجية البحرية التركية. 
5- الإستراتيجية البحرية الإسرائيلية. 
6- الإستراتيجية البحرية المصرية.

  وسنتوقف عند بعضها:
أ- الإستراتيجية البحرية الأمريكية:
أشارت التقارير الصادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية المتخصصة أن الحجم المقرر للقوات الأمريكية في البحر المتوسط يتكون من (60,000) جندي و(300) طائرة وحتى (45) قطعة بحربة مختلفة بالإضافة إلى مجموعة من القواعد العسكرية والبحرية المنتشرة في دول المنطقة. (هذا القوام متغير حسب الموقف المتشكل في المناطق والبحار المحيطة).
نشر مؤخراً مضمون إستراتيجية بحرية مرحلية للولايات المتحدة في المتوسط تهدف إلى:
1- منع الاتحاد الأوربي من أن يصيح قوة بكل معنى الكلمة, من خلال عرقلة فاعليته على الصعيد المتوسطي.
2- ضبط حجم الاضطرابات على نحو يجعل الاتحاد الأوربي قادراً على الاستمرار في دور اقتصادي ضروري (وهو ضروري أيضاً للأمريكيين أنفسهم) في المنطقة. وعند الاقتضاء تواصل الدول الأوربية ضمان دور عسكري في إدارة امن شامل تمتلك الولايات المتحدة زعامته المطلقة وبتعبير آخر إن معرفة الولايات المتحدة بعجز الأوروبيين عن تنظيم مجال البحر المتوسط سيدفعها إلى تأييد أي حركة تعاون متوسطي يضمن تأمين مصالحها .

ويمكن الإشارة إلى الضربة الصاروخية التي انطلقت من الأسطول الأمريكي في المتوسط على القاعدة العسكرية السورية في بادية الشام التي انطلقت منها الطائرات التي ضربت بلدة خان شيخون الواقعة بين مدينتي حماة وادلب.إضافة ألى ماتقرر في اجتماع تاور مينا بجزيرة صقلية الإيطالية بالبحر المتوسط أيضا.
ب- الإستراتيجية البحرية الروسية:
تضع الإستراتيجية البحرية الروسية البحر المتوسط ضمن أهمية خاصة, إذ يمكن من خلالها تطويق الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي, بالإضافة إلى منع الإستراتيجية الأمريكية من احتواء دول المنطقة, وهي ذات طابع دفاعي من حيث المضمون, وأصبحت بدون ممارسة تقريباً على ارض الواقع نظراً للظروف السياسية العسكرية المستجدة والوضع الاقتصادي الصعب في روسيا الاتحادية.
وظهرت مؤخراً وجهات نظر كثيرة لمنظرين وخبراء عسكريين غربيين حول مصالح روسيا الاتحادية في المناطق البحرية, بما في ذلك البحر المتوسط, مع التنويه إلى أن روسيا الاتحادية تملك شريطاً ساحلياً بطول حوالي 47 ألف كم, يفوق بامتداده ساحل الولايات المتحدة الأمريكية, ويمكن اعتبارها دولة بحرية وقارية على حد سواء.
أما مصالح روسيا في البحر المتوسط فيمكن تلخيصها على النحو التالي:
1- تأمين حرية الملاحة، والمضائق للوصول الى المتوسط عبر الدردنيل والبوسفور.
2- تأمين حركة التجارة والسياحة مع دول حوض البحر المتوسط مع زيادة اهتمامها السياحي، والذي تجلّى  بجانبه السياحي في جزيرتي قيرص وصقلية بشكل خاص.
3- تأمين امن روسيا الاتحادية من الاتجاه الجنوبي وخاصة بعد أحداث البلقان.
4- تأمين مصالح أخرى تخص المشاكل العامة المستجدة أو القائمة (بيئية, جيوسياسية, قومية, عرقية...)

5_ تأمين موقع وقاعدة بحرية دائمة لسفنها لضمان فاعلية في المنطقة كلها وهو ما أكّدت علية في اتفاقياتها مع النظام السوري بشأن قاعدة طرطوس البحرية ومطار حميم على الساحل الشرقي للمتوسط لعدم تكرار إبعادها عن ليبيا ولضمان عدم انفراد امريكا والإتحاد الأوروبي في منطقة الخليج ذات الأهمية الإقتصادية
ج- الإستراتيجية البحرية الفرنسية:
1- وجوب استخدام البحر المتوسط حلقة اتصال بين فرنسا ومصالحها في إفريقيا والمحيط الهندي.
2- استخدام المتوسط لتثبيت واستمرار الروابط التقليدية مع دول المغرب العربي في الشمال الإفريقي منذ الفترة الاستعمارية.
3- رغبة فرنسا الزعامية بين دول البحر المتوسط, وتطلعها للقيام بدور هام في أزمات ومشاكل هذه الدول.
4-   تبنّت فرنسا مشروع  تحييد البحر المتوسط وانسحاب أساطيل القوى العظمى منه وإعلانه منطقة خالية من الأسلحة النووية كما ساهمت بفعالية في وضع اتفاقية برشلونة لحماية المتوسط من التلوّث.
5- حماية المواصلات البحرية والاستثمارات النفطية الفرنسية وهذه الإستراتيجية الفرنسية هي تحديث لسياسة فرنسا السابقة والتي كانت تصر على امتلاك الساحل الجزائري خلال احتلالها للجزائر.

د- الإستراتيجية البحرية الايطالية:
1- تأمين خطوط مواصلات البحرية, ومصالحها مع الدول العربية في شمال إفريقيا بشكل خاص, ومع دول المتوسط بشكل عام.
2- اشتراكها مع باقي دول حلف شمال الأطلسي في تحقيق الإستراتيجية البحرية للحلف والدفاع ضد أي تهديد له.
هـ- الإستراتيجية البحرية التركية:
1- الوقوف في وجه النفوذ اليوناني في بحر إيجه وجزيرة قبرص وتحويله إلى صالحها
2- تأمين خطوط مواصلاتها البحرية بما يحقق مصالحها مع دول المنطقة.
3- اشتراكها مع باقي دول حلف شمال الأطلسي في تحقيق الاستراتيجيه البحرية للحلف المتمثلة بالنقاط التالية:
• منع الحرب ضمن دول الحلف- الحضور والمراقبة- الاشتراك في إدارة الأزمات.
• دعم العمليات البحرية والجوية- السيطرة البحرية- تطبيق القوة البحرية المتعددة الجنسيات- حرية البحار- الأمن المضاد (امن رد الفعل).
تستثمر تركيا الأهمية الجيواستراتيجية لموقعها الجغرافي من خلال ارتباطها بحلف الأطلسي وقيامها بعلاقات اقتصادية واسعة مع دول المنطقة, وخاصة مع الجمهوريات التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق ولا تملك شواطئ بحرية, مما جعل لاستراتيجيتها في المتوسط أبعاداً جديدة تهدف من خلالها القيام بدور بحري إقليمي ليتم استثماره لمصالحها, إلا أنها لا تخرج عن إطار الإستراتيجية البحرية الأمريكية التي أخذت في الحسبان ضعف ارتباط الإستراتيجية البحرية اليونانية بالحلف, وتوجه فرنسا إلى رسم سياسة مستقلة في المتوسط.مع ملاحظة الإشكالات الجديدة بشأن تسليح أمريكا لحزب الإتحاد الديمقراطي الكردستاني الداعي لإستقلال الأكراد ، وتأثير ذلك على استخدام قاعدة انجرليك والعلاقات مع حلف الناتو ودول الإتحاد الأوربي وخاصة المانيا.

و- الإستراتيجية البحرية الإسرائيلية:
 كما هو معروف تجاه المخططات لإسرائيلية الإستراتيجية التي تحاط بالسرية فبحريتها الحربية غير   معلنة كما  وضع حدودهاأيضا، لكنها مرتبطة بمصالح حيوية كثيرة في البحر المتوسط وتمارس إستراتيجية بحرية تستند إلى عقيدتها العسكرية, وليس من الصعب على المتتبع لمسيرة بناء أسطولها, وطرق استخدامه أن يستخلص أهم ملامح التفكير الإسرائيلي لإطار إستراتيجيتها البحرية والتي يمكن تلخيصها بما يلي:
1- الاعتماد على استمرار التعاون البحري الكامل مع الأسطول الأمريكي لتأمين السيطرة المطلقة على شرقي المتوسط, خاصة بعد عام (2000) حيث قلّص الأسطول التركي بشكل كبير  تطبيق مضمون اتفاقية التعاون العسكري الفني التركي  الإسرائيلي وخاصة في مايتعلّق بالمتوسط.
2- تقوم البحرية الإسرائيلية بدور كبير ضمن أطر حلف شمال الأطلسي للقيام بدور إقليمي فعّال وتنفرد عنه في إثبات الوجود الفعلي من باب المندب حتى اليونان والمغرب العربي وربما أبعد من ذلك.
3- توجّه إسرائيل اهتماماً خاصاً نحو جزيرة مالطا لما تتميز به من موقع استراتيجي.
4- موقع إسرائيل في شرقي المتوسط يجعلها موضع اهتمام القوى العالمية لقدرتها على التأثير في مجريات الأمور وسير الأحداث بالمنطقة العربية كلها ولا سيما المشرق وهو أحد أهداف مساعدة الغرب على إنشائها في فلسطين.
5- إن تشابك المصالح السياسية والاقتصادية والعقائدية بالمتوسط واتساع أبعاده يفرض على إسرائيل بحكم وجودها غير الطبيعي وغير المتجانس مع شعوب المنطقة امتلاك قوة بحرية فعالة خارج حدودها الجغرافية لفرض حضورها المصطنع وحماية استمرار احتلالاتها لفلسطين والمناطق العربية الأخرى في سورية ولبنان  واستمرار معاهداتها الإقليمية التي تمنحها امتيازات خاصة.<وادي عربة وكامب ديفيد)
6- الاعتماد على القوى الجوية عند التعامل مع الأساطيل العربية كونها (أي إسرائيل) تملك التفوق الجوي وتحرص على استمراره بعد أن اثبت فعالياته في الحروب السابقة.
ومن هنا يمكننا أن نحيط بمضمون الإستراتيجية البحرية الإسرائيلية على أساس إحراز التفوق المحلي في المياه الإقليمية, مع القدرة على القيام بأعمال هجومية تجاه السواحل العربية, ومحاولة مد سيطرتها على محاور الاقتراب البعيدة لخطوط مواصلاتها البحرية, وذلك من خلال العمل على تطوير البحرية الإسرائيلية لتأمين التفوق النوعي في مجال الصواريخ والحرب الالكترونية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية التالية:
1- تأمين المياه الإقليمية الإسرائيلية والدفاع عن القواعد والموانئ الساحلية ضد أي أعمال هجومية من البحرية العربية.
2- تأمين خطوط المواصلات البحرية من وإلى أوربا بما فيه تركيا وجزر المتوسط.
3- تهديد خطوط المواصلات البحرية العربية المشرقية والمغاربية.
4- القيام بأعمال هجومية ضد البحريات العربية على سواحل المتوسط العربية كلها.
5- حرمان الأساطيل العربية من تنسيق التعاون فيما بينها ومنع أي عمل اتحادي عربي.


ز- سياسة جمهورية مصر العربية في البحر المتوسط:
لم يتم نشر مضمون الإستراتيجية البحرية لجمهورية مصر العربية, لكنه صدر بيان على لسان الدكتور عصمت عبد المجيد وزير الخارجية المصري الأسبق بتاريخ السادس من أيار عام (1987) أمام لجنة الشؤون العربية والخارجية والأمن القومي في مجلس الأمة المصرية حدد المبادئ الأساسية التي تحكم سياسة مصر تجاه البحر المتوسط تضمن النقاط التالية: 
1- إن مصر لا تعتبر البحر المتوسط حداً يحدها من الشمال, وإنما تعتبره جسراً يصل بينها وبين الأمم والحضارات على شواطئه وفيما وراء شواطئه.
2- تؤمن مصر بأهمية تجنيب البحر المتوسط الصراعات بين الدول الكبرى.
3- تنادي مصر بأن يكون البحر المتوسط بحيرة للأمن والسلام. وهذا يقتضي أن يسود السلام في الدول المطلة عليه بتسوية الصراعات المحلية بالمنطقة وأهمها الصراع العربي- الإسرائيلي.
4- أمن البحر المتوسط مرتبط أساساً بالأمن الأوربي.
5- أمن البحر المتوسط مرتبط بالأمن الإقليمي لمنطقة (الشرق الأوسط).
6- البحر المتوسط يجب أن يكون بحيرة للتعاون الثقافي والعلمي والاقتصادي بين الدول المطلة عليه مهما اختلفت نظمها السياسية والاقتصادية.
وأيضاً هناك بعض النقاط التي تعلنها الحكومة المصرية في المحافل الدولية والتي يمكن من خلالها بلورة وجهة النظر السياسية- العسكرية لجمهورية مصر العربية حيال البحر المتوسط ومن أهمها:
أ‌- أمن البحر المتوسط يعدّ قضية دولية هامة إقليمياً وعالمياً, ولا يجب أن تعالج المشاكل العالقة في البلدان المطلة عليه بقرار من القوى العظمى حيث إن أكثر الصراعات الموجودة بالبحر المتوسط ما زالت دون حلول لأن أطراف الصراع تناولتها من زوايا مختلفة طبقاً لرؤيتها وسياساتها وتحالفاتها.
ب‌- الفكر العسكري المصري يرى أن البحر المتوسط بحر محدود من وجهة النظر الجيواستراتيجية كما أن الدول المطلة عليه تمتلك قدرات عسكرية هائلة بالإضافة إلى ما تملكه الولايات المتحدة وبريطانيا بالمنطقة من تواجد عسكري وبحري وهذا يعطي فرصاً متساوية لمزيد من الأمن أو مزيد من التوتر الذي سيؤثر قطعاً على الأمن الوطني والقومي.
ت‌- تؤكد مصر وجود تهديد لأمنها الوطني من البحر المتوسط نظراً لاستمرار الصراع العربي الإسرائيلي وبقائه بدون حل على بعض الاتجاهات لذا تسعى جاهدة لبناء قوة بحرية تؤمن لها مستوى مناسباً من الردع في أوقات السلم وتحقق لها قدرة قتالية مناسبة لمواجهة العدو البحري المحتمل والانتصار عليه (حرب السويس والعدوان الثلاثي حيث شكلت إسرائيل الركيزة البحرية الأساسية).
ث‌- تطلب مصر بجعل منطقة البحر المتوسط بحيرة امن وسلام وتحويل المنطقة إلى منطقة خالية من الأسلحة النووية وإخلائه من القوى البحرية الأجنبية منسجمة في ذلك مع الموقف العربي عموماً.
   بعد هذا الإستعراض السريع لحال  البحر المتوسط الذي  يقع في قلب العالم من حيث الموقع والأهمية وسعي الدول الكبرى والدول المطلّة من الشمال خاصة لبناء مستقبل ريادي لها, بطرق متعددة وبظل هيئات ومشاريع مشبوهة, لإحكام السيطرة عليه, بغرض حماية مصالحها الأمر الذي يدفع الأقطار العربية في جنوبة وشرقه  إلى موقف موحد وشفاف في اتفاقاته مع الجانب الأوربي بشأن المتوسط وهو مايحمّل الدول العربية القادرة مثل مصر والجزائر أساساً إضافة إلى دول المتوسط العربية الأخرى على تحمّل دورها الريادي. فإنّ إستراتيجية بحرية موحدة لدول اتحاد المغرب العربي والتي كانت البحرية الجزائرية منها في فترة من فترات التاريخ الوسيط تشكل محوراً أساسياً بحكم حرصها على سلامة شواطئها من جهة وسلامة وأمان القوافل البحرية المارة أمامها أيضاً بقيادة خير الدين (بربروس)هي المأمولة الآن، إلا أن هذه الإستراتيجية التي يتطلع إليها أبناء شعوب هذه البلدان  مازالت وكأنها أحلام  وبقيت بالرغم من مؤتمرات القمة جهوداً مستقلة لكل دولة بمناحيها غير المشتركة من حيث الأهداف بمزيد من الأسف وما تزال الشواطئ العربية المتوسطيةفي القارة الإفريقية  تتعرض لهجرات الشعوب  الإفريقية  المتطلعة إلى أوربة حاملة الكثير من المآسي الإنسانية.
ومن هذا الجانب فإن العلاقة كبيرة وهامة بين أمن إفريقيا وأمن إطلالتها في الشمال العربي على المتوسط وبالتالي فإن علاقة الأمن الإفريقي بالمنطقة العربية في شمال إفريقيا وبالبحر المتوسط وبشماله الأوربي هي علاقة تكاملية لن تستطيع السيطرة الغربية من فكها وتحويلها إلى علاقة هيمنة أوربية على المتوسط وجنوبه العربي والإفريقي وإذا كان الاستعمار الأوربي للقارة الإفريقية والعالمين العربي والإسلامي قد فشل في الهيمنة وانهزم بفضل مقاومة الشعوب وانتصارها بتحقيق حريتها، فإن الباب ما زال مفتوحاً لإقامة علاقات تعاونية حقيقية تستند إلى احترام السيادة وحق المجتمعات العالمية بتطوير حياتها واستفادتها من ثرواتها وإمكاناتها في إطار من التعاون الدولي في مجال العلوم واستغلال الثروات الطبيعية بما لا يسيء إلى البيئة والمناخ المهددين بسبب عدم انضمام الولايات المتحدة لاتفاقية كيوتو وبسبب من ضخ نفايات المعامل الكبرى في شمال بحر المتوسط.
إن العولمة بمعناها الايجابي هي تعاون وتكامل واحترام لسيادة الدول وحقوق مواطنيها وإلا فإن الصراعات ستستمر ومآسي الهجرات المسماة بغير الشرعيةبسبب تجاهل أسبابها، ستبقى بنتائجها السلبية  و ستزيد من تخيميها على منطقة البحر المتوسط وكل مجاله الجغرافي والحيوي.
والأمة العربية والممثلة الآن بجامعة الدول العربية ومؤتمر قمتها تؤكد على الدعوة إلى الشراكة المتوسطية لجعل المتوسط بحر سلام وأمان وتؤيدها في ذلك جميع دول العالم الإسلامي ودول العالم الرافضة لمبدأ الهيمنة والتبعية.
يؤكد المفكر العربي المصري المرحوم د.حامد ربيع تحت عنوان مفهوم الأمن القومي في التقاليد العربية, «أن البحر المتوسط يربط ولا يفرّق, يوّحد ولا يفصل» .
كما يؤكد في مكان آخر تحت عنوان: تضيق مبادئ الأمن القومي العربي أن خمسة مبادئ أساسية يجب أن تترابط فيما بينها لتمثّل فلسفة الحركة العربية ويضع البحر المتوسط في مقدمة هذه المبادئ حيث يركز أن:«البحر المتوسط يجب أن يظل بعيداً عن الصراع بين قوى التوازن الكبرى في الأسرة الدولية» .
ويقصد بالقوتين, الأمريكية والروسية بصفة خاصة, داعياً إلى انسحابها من البحر المتوسط. علماً أن اتفاقية الدردنيل تسمح للأسطول الروسي بالتواجد بحكم أن البحر الأسود هو بحر داخلي تشرف عليه الشواطئ الروسية (السوفياتية سابقاً) وينفتح عبر الدردنيل والبوسفور على البحر المتوسط.
مبيناً أيضاً أن الشواطئ العربية ولا سيما عبر المتوسط هي شواطئ معرّضة للتهديد المباشر حيث أن احتلال ليبيا من قبل ايطاليا والبلدان العربية في الشمال الإفريقي بما فيها مصر بالطبع قد تعرضت للغزو عبر شواطئ المتوسط وإن القوى الأمريكية ما تزال تمرح في البحر المتوسط داعمة الأمن القومي الإسرائيلي من جهة و المخططات الأمريكية من جهة أخرى بدون حياء . 
إن جميع ما قدمناه وبشكل خاص الآراء الواردة بشأن نظرية الأمن القومي العربي تؤكد أهمية وحدة الموقف العربي تجاه إستراتيجية البحر المتوسط مدعومة من الدول ذات المصلحة في كون البحر المتوسط بحر تواصل وسلام آمن عبر شراكة حضارية راقية. وفق ما بيناه آنفاً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أ.د.أحمد حلواني

الحواشي:
- الإسلام في حوض المتوسط – د.علي خربوطلي- الهيئة المصرية 1970.
2 - الموسوعة العربية الميسرة- إشراف محمد شفيق غربال- مؤسسة فرانكلين- القاهرة- 1965 ص 329- البحر المتوسط.
3 - المصدر السابق ص 329.
4 - الجنرال جوزيف لوبيز القائد الأسبق للجناح الجنوبي لحلف الأطلسي.
5 - يمكن العودة إلى الموسوعة العسكرية – بيروت- لمزيد من التفاصيل العسكرية المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط 2000.
العسكرية الأمريكية – فيكتور بيرلو- ترجمة د.سامي منصور – بيروت – دار العودة ص 63 وما بعد.
انظر في الإستراتيجية الإسرائيلية د.محمد فاروق الهيثمي – بيروت- مركز الأبحاث الفلسطينية ص32 وما بعد.
6 - الصحف المصرية الصادرة في 7/5/1987 بالقاهرة.
7 - نظرية الأمن القومي العربي- د.حامد ربيع- دار الموقف العربي- 1984- القاهرة- ص77.
8 - المصدر نفسه ص 87.
9 - المصدر نفسه للدكتور حامد ربيع ص87.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق